من المؤكد أن تناول الإرهاب يتشعّب الى الكثير من السياقات والمجالات، منها السيكولوجية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية، لكن اذا أردنا أن نقوم بتحديد نظري له فعلينا أن نقسّم أدواتنا المعرفيّة إلى قسمين، دون أن نقوم بفصل جبريّ بينهما. ويكمن القسم الأول في الإمعان بالسياق التاريخي لتكوّنه، بصفته مرتبط بالبيئة والعلاقات الدينية والطائفية، التي تنتجه في عالمنا العربي، وتحليل إسقاطات الموروث الإسلامي المشوّه على راهننا، أي في سياق تكويني طويل ومعقد منه يشتق تمظهر الإرهاب في ممارسة فاعليه، وبكلمات أخرى، في كونه مختلف، مثلًا، عن أشكال العنف والحروب الأهلية التي نشأت في أوروبا، الأمر المرتبط بشروط وظروف، لا نغالي إن وصفناها، بالذاتية. ويكمن القسم الثاني، وهو الذي سأتناوله في هذه المقالة، في كون الإرهاب فعل منظم ومعولم مرتبط بعلاقات الانتاج الكولونيالية(1) في عالمنا العربي، أي بصفته ظاهرة (حديثة) الممارسة، خاضعة لنمط الإنتاج القائم فيه، أي عالمنا العربي.(2)

بداية.. الإرهاب المُستهلك

من إفرازات العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، كونها علاقة مبنية على سيطرة الأول على الأخير، هي الهيمنة الثقافية، التي تفرض نمطًا معينًا من التفكير، وبالتالي تتحكم في تناول الكلمات وسياق استعمالها. وبناءً على ذلك، أو لنقل كنقيض له، إذا اردنا أن نعالج الإرهاب لا يمكننا أن ننطلق من كونه مصطلحًا مجرّدًا، أي من كونه يحمل تعريفًا بديهيًا مطلقًا، بل علينا أن ننطلق من كونه مفهومًا يطبّق على شعوب دون غيرها، ويحمل في باطنه ممارسات سياسية موجهة تخدم مصالح محددة.

نستطيع القول إن الارهاب كأداة تذنيب، لم يستعمل عندما أرادت بعض محطات الإعلام إدانة أي حرب قد شنّتها الإمبريالية الأمريكية، وما كان يُسوّق عند هذا الإعلام الرائج الذي يعترض على هذا السلوك هو وصف بعض الاشخاص بكونهم أحد القائمين على الحرب كمجرمي حرب في محاولة لتذنيبهم هم، دون تذنيب المنظومة ذاتها، وعليه: كلما استهلك الإرهاب ودَرَج أمام الناس، فإن مصطلح مجرم حرب يصبح عديم التأثير. وقد سوّق الطرف الآخر من الإعلام هذه الحروب بصفتها أعمال أخلاقية تهدف القضاء على الإرهاب، كونه عمل قد اختارت فئة من الشعب أن تنفّذه بمحض إرادتها، دون أي علاقة بعلاقات الإنتاج الكولونيالية، أو أي سياق تاريخي، وها هي الإمبريالية قد أتت حتى تحرر هذه الشعوب المتخلفة والعاجزة؛ في هذا، أي في تكريس الإرهاب كفعل ذاتي، تكوينٌ لحجة الاستعمار التي يستعملها لتبرير شن الحروب (3).

إن الإرهاب الذي أقصده هنا قد بات سلعة تشكل قيمة تبادلية ضخمة، قد قام على أثرها اقتصاد وشركات وإعلام ومؤسسات. وبعد أن اخترع من أجل الحط من قيمة ومكانة شعوب والارتقاء بأخرى، فإنه يلصق اليوم بكل عمل يشكل أي خطر على المصالح الإمبريالية، حتى أصبحت (داعش) وتنظيم «القاعدة» في سلة واحدة مع حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بل أيضًا ثورات الشعوب العربية؛ ولا يمكننا أن نتجاهل علو الإرهاب المؤسلم في منطقتنا بموازاة علو حركات المقاومة الاسلامية. وبات الجمهور، وبعض «النخبويين»، يستهلكون هذا دون إدراك لمعناه، ودون أي نوع من أنواع المعالجة.

إذًا فالفاعل، ذلك الذي أراكم ماله، ويقوم اليوم بعملية توسيع لهذه المراكمة، ليس بإرهابي، بل هو منظومة أخلاقية ابتلاها الله بمجرمي حرب، بينما المفعول به – أي الشعوب المفقّرة والمخلّفة – يقوم بأعمال إرهابية مشتقة من عقله الواحد المُطلق، الإرهابي والعنيف.

أصل الحركة.. الحرب على الإرهاب كسوق

إن تجارة الأسلحة تمكّننا من فهم الفكرة التي على أساسها يتطور نمط الإنتاج الرأس مالي، فالمتفجرات بعد أن تنفجر تتحول إلى خردة، وتصبح الحاجة إلى إعادة إنتاجها ضرورة لديمومة القوة العسكرية وبالتالي إمكانية السيطرة بالقوة. واستمرارية إعادة الإنتاج والبيع هي مراكمة لفائض القيمة، وفي أيامنا فإن هذه المراكمة تصبح عملية معولمة.

لم تكن معظم الاعمال العسكرية التي بدأت عام 2013 في عالمنا العربي ضدّ المصلحة الإمبرياليّة، بل على العكس تمامًا، ان منطقتنا التي تتشكل من دول أطراف – باستثناء إسرائيل – أي الدول التي تمتد فيها علاقات الإنتاج إلى الخارج وتحكمها قوانين السوق العالمي بمستوى عامودي، لا تملك في حالة الحرب إلا أن تعود بالربح على شركات السلاح الكبرى؛ نرى ذلك في تقرير صدر عن موقع statista الذي يحدثنا عن ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي عام 2017 إلى 1.7 تريليون دولار، أي ارتفاع بنسبة 150% مقارنة مع ما كان عليه قبل 16عامًا. (5)

ومن المهم أيضًا أن نلحظ كون ثلاث من أعلى أربع شركات السلاح مراكمة للمال في العالم تحمل جنسية أمريكية. نراه أيضًا في تقرير صدر عن معهد الاقتصاد والسلام عام 2016 الذي يقول: إن كلفة الإنفاق على الحرب والميادين المرتبطة بها (التشديد من الكاتب) وصلت إلى 13.6 تريليون دولار على مستوى العالم، واحتلت سوريا المرتبة الأولى عالميًا في الخسائر من حيث الإنفاق بـ54% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي (والطريقة الامثل بالنسبة للشركات من أجل تعويض هذه الخسائر هي الاستثمار في الأراضي السورية، أي ارتباط عضوياد بالسوق العالمية أكبر مما كانت عليه حالة الاقتصاد السوري مطلع عام 2011، الكاتب). وبعد سوريا يأتي العراق 53.5%. بالإضافة إلى هذا فإن دخول روسيا عام 2015 إلى مستنقع الحرب في سوريا هو تعبير عن إرادة منها للحاق بركب الربح، وأسباب أخرى عديدة، إن هذا يكاد يقوله بشكل واضح رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف عام 2016: إن إنتاج المؤسسات الدفاعية الروسية ارتفع بأكثر من 10% خلال العام الماضي، بينما عززت شركات صناعة الطائرات إنتاجها العسكري بنحو 3.5%.

وبتعبير مكثف يصيغ ما كتب أعلاه بطريقة أخرى: إن ما عجزت عن تحقيقه السياسات النيوليبرالية، إذ اصطدم تمددها بانتفاضة الشعوب العربية، يقوم بتحقيقه الإرهاب(4)، ونقول أن قائمية الإرهاب في عالمنا لا يمكن أن تفهم دون الإدراك لتلك السياسات التي تواطأت مع توغلها الأنظمة العربية، أي أن الأمر لا يقتصر من حيث الأصل على استبداد الأنظمة وأدائها الاقتصادي والسياسي قبيل ثورات الشعوب العربية، بل إنه مرتبط بالضرورة بأنظمة التبادل غير المتكافئ(4) الذي يشكل، بهذا المعنى، طرفيه، الدول العربية والمركز الإمبريالي.

خاتمة

إن تواجد الإرهاب في المنطقة وغرق المجتمع في مستنقع (الحرب الدائمة)، وبالتالي هذا التضخم الإمبريالي، لم يسببه الشعوب التي انتفضت في وجه التفقير والاستبداد والاستغلال، بل هو نتاج لبنية اجتماعية وعلاقات إنتاج أقيمت نتيجة لتراكم الاستبداد والاستغلال، وليس كنتاج لسبب ونتيجة بشكل عينيّ.

إن البرجوازية الكولونيالية الحاكمة التي قامت بلبرلة الاقتصاد، ارادت عبرها أن تلتحق بالبرجوازية الإمبريالية(6)، معتقدة أنها بذلك تتطور، تراكم ربحها وتزيد من سلطاتها، إلا أن تطور الأطراف تصده أنظمة التبادل غير المتكافئ، وبالتالي فإن ما حدث هو غرق هذه الأنظمة بحلقة التبعية، وارتباطها برساميل العالم، الأمر الذي لم يكن مفاجئ، بنظري، إثر تحكيم نخب مهزومة داخليًا، لا تملك أن تملك مصريها، وتوسيع نفوذ الفئات المافياوية التي تمركز الثروة.

هوامش

(1) انظر: مقدمات نظرية-مهدي عامل، فصل

(2) إن اختياري للخوض في القسم الثاني نابع من مراجعة تهدف إلى استقصاء الأخطاء، ومعالجة بعض السقطات، التي وقعت بها الحركات الثورية منذ عام 2010، إذ في ظل الحروب التي عصفت بعالمنا العربي، ولا نبالغ إن قلنا سحقت ثورات شعوبه، لعل هذا ما يجدر بنا القيام به، حتى نستفيد من أخطائنا بغية تجنبها في المستقبل. ويمكننا القول إن أحد أكبر الانزلاقات التي طرأت على سيرورة الثورة هو عدم قدرة الفاعلين بها وعليها على تفادي خلط نشاطهم بنشاط الإرهاب، كونه فعل منظم ومعولم، وأدعو القارئ ليقيم ويصوب ما سأقدمه، متى احتاج ذلك.

(3) في كل حرب تحتاج الإمبريالية إلى مسوغ لاستعمارها الشعوب، وتنتج في سبيل ذلك مراكز الأبحاث الإستشراقية تقريرات حول كون الشعوب في ذاتها، كذات عرقية أو دينية، متخلفة، عنيفة… إلخ.

(5) حجم الإنفاق العسكري في العالم ارتفع 150%

(6) عام 2007 كان الاقتصاد السوري، مثلًا، يخضع للقطاع الخاص؛ يوجد من يعارض هذا الادعاء، مثل الكاتب علي القادري، الذي قدّم الكثير في سياق الفهم لمعنى الحرب في منطقتنا، إذ يقول، في كتابه تحطيم الاشتراكية العربية، أن الحرب كانت ستشنها الإمبريالية على عالمنا العربي، بغض النظر عن أداء أنظمته الحاكمة، الأمر الذي يحتاج الكثير من النقاش حوله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد