شيء غريب أن يحاول شاب في العشرين من عمره أن يقوم مقام الناصِح، وأن يزعم أنه سيحدثنا عن حكمته في الحياة.

أية حكمة؟ وأية حياة؟ وهل يمكن أن نُسمي عقدين من
الزمان يتنقل فيهما الإنسان من بَلاهة الطفولة إلى عناد المراهقة إلى فورة الشباب
حياةً ذات تجارب تُحكى؟

نحن نرى أن الأولى بهذا الشاب أن يهرع إلى طلب النصح بدلًا من تقديمه، وأن يستفيد من تجارب الذين عاشوا حتى خبِروا العيش وأتقنوا فن الحياة. عليه أن يتجاوز تلك الحقبة من عمره، وأن يتهيأ للتخلي عن كل ما شيَّد فيها من أفكار وتصورات ساذجة عن الحياة، تلك التصورات التي ما تلبث أن تَتَقوَّض تحت ضربات الواقع المؤلمة، عليه ببساطة أن يقرأ من «وحي الستين» و«وحي السبعين» لا أن يكتب «من وحي العشرين».

والحقيقة أن ثراء الخبرة البشرية لا يُقاس بطول العمر أو قصره، بل يُقاس بمقدار امتلاء الإنسان بهذه الخبرة وتأثره بها، ومقدار ما تَشرَّب وعيُه منها. ولا شك أن بُعد الزمان ضروري لكي ينضج الإنسان ويختمر فكره، ولا شك أيضًا أن معرفة خبرات الغير تُوسِّع الأُفق وتصقُل النظر، ولكن الحياة تبقى ثرية من حيث كونها حياة، وتبقى ثرية في كل لحظة من لحظاتها، لا فضل فيها لسبيعيني على عشريني إلا بمقدار ما تَشرَّبَ ووَعَى من الخبرة الحياتية. وإن كان بُعد الزمان مُهمًّا لنضوج الخبرة واختمارها، فبُعد الوعي ضروري لوجود هذه الخبرة من الأساس.

والخبرة لا تخرج إلى النور ولا يعيها الإنسان حق الوعي إلا إذا استطاع أن يُعبِّر عنها من خلال اللغة، ليست اللغة المكتوبة وحدها، ولا حتى اللغة المنطوقة، بل إن تلك الأفكار الداخلية التي نُحدث بها أنفسنا ولا ننطق بها ولا نكتبها تُعد محاولات بدائية لصياغة خبراتنا وبلورتها. ومن المهم أن نُدرك أن التعبير عن الخبرة يكاد لا يفيد إلا صاحب هذه الخبرة، وليس كما هو شائع أنه يساعد على تبادل الخبرات وتناقلها، وذلك لأن الخبرات لا تتناقل أصلًا، بل هي تُعاش، وتُنتزع من أحضان الحياة لا من بُطون الكتب. فالخبرة لا تُسمى خبرةً إلا بالنسبة لمن خبِرها وعايشها وباشرها بنفسه وعقله ووجدانه، وامتزج بها امتزاجًا حقيقيًّا مؤثرًا. أما المُعالجة النظرية المُجردة للخبرات فلا تَعدو على أن تكون تَلَصُّصَات على القيمة الحقيقية لهذه الخبرات، والفرق بين أن نقرأ عن خبرة وأن نُعايش هذه الخبرة، هو كالفرق بين أن نعلم شيئًا وأن نعرف هذا الشيء.

وفي هذه المقالة، حاولت أن أُركز على ما عرفتُه لا ما علمتُه، أي ما باشرته في حياتي وعشت به لا ما اختلسته من الكتب أو التنظيرات والنصائح. ولا يعني ذلك أني سأكتب ترجمة ذاتية أتَمحور فيها حول نفسي وأُفسر العالم من منظوري الخاص، ولكني سأحاول أن أُمَوضِع خواطري وتأملاتي، وأَصِلها بالمبادئ والقيم العامة، بحيث تبدو وكأنها أفكار موضوعية، ولكنها بالطبع ليست كذلك، فهي تحمل بصمتي الذاتية، وتحمل آثار خبرتي الشخصية في أعماقها، وإن حاولت أن أُخفيها، وتحمل صورة مصغرة عن فكري وعن طريقتي في التعبير عن هذا الفكر. وبإمكاني هنا أن أستعير تعبير الدكتور المسيري وأقول إن هذه المقالة غير ذاتية غير موضوعية.

ولا أدَّعي أنني جئت ببِدَعٍ من الحقائق عن الحياة، فليس معنى أني عرفت شيئًا، أنني عرفت هذا الشيء وحدي، ولا أنني سبقت غيري إلى معرفته، ولربما وجد القارئ توافقًا في الفحوى بين ما سيقرؤه الآن وبين ما استخلصه من تجاربه الخاصة أو ما قرأه في مواضع أخرى؛ وذلك لأن الخبرات البشرية تكاد تتفق في جوهرها وموضوعها، ولا تختلف إلا في الصبغة التي تُصبَغ بها كل تجربة عندما يُدخلها الإنسانُ حيّزَ وعيه، وينقلها من أفق «الموضوعي» إلى أفق «الذاتي».

في فلسفة الحياة

· عرفتُ أن الحياة ليست «أبيض» فقط، ولا «أسود» فقط، ولا حتى «رمادي». الحياة أوسع من أن تُختزل في هذه الألوان الثلاثة، ونحن نُضيع على أنفسنا فرصًا كثيرة حينما نحشر معيشتنا في القوالب الجاهزة، ونضع أنفسنا في ما يسمى بالإحراج الزائف عندما نحصر خياراتنا كلها في الوقوف في صف الأبيض، أو الأسود، أو التوسُّط بينهما. والأجدر بنا أن نعيش بمعايير ومعادلات للحياة، قد تُملي علينا هذه المعايير أن نختار الأبيض أو الأسود أو الرمادي، وقد تملي علينا أن نختار الأزرق أو الأحمر أو الأصفر. فأينما وجهتنا توجهنا. وفي حياتنا، عندما نكون بصدد الاختيار بين خيارات مُتعددة، يجب ألا نبدأ عملية الاختيار من الخيارات نفسها، فنكون كمن يُصادِر على مطلوبه، فينتهي تفكيرنا قبل أن يبدأ، وتنحصر آفاقنا في الاختيار الذي انحزنا إليه في بداية تفكيرنا.

· عرفتُ أن الحياة ليست جولةً واحدةً، بل هي أشبه بالكر والفر. ونحن لا نتقدم فيها إلا لنتراجع، ولا نعتنق فيها فكرة إلا لنتخلى عنها، ولا نبني فيها انطباعات وتصورات إلا لنقوِّضها. وذلك يلفتنا إلى ضرورة التأني والمرونة، ويُحتِّم علينا أن نعيد النظر ألف مرة قبل أن نُصدر حكمنا النهائي، وأن نقبل التغييرات على هذا الحكم إذا دعتنا المستجدات إلى ذلك. يجب أن نكسر قيد اللحظة الراهنة، وأن يتسع وعينا ليشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فنتصل بأفق التاريخ الفسيح، ونتحرر من قيد الآن الضيق. يجب ألا تكون نظرتنا الأولى هي هي نظرتنا الأخيرة وانطباعنا الدائم، وألا يكون رأينا الآني هو هو حكمنا النهائي. لقد عرفت معرفة شبه يقينية أن النظرة الأولى كاذبة دائمًا!

في التحصيل المعرفي

· عرفتُ أن التعليم النظامي لا يقتل الإبداع، بل هو على العكس تمامًا أقصر الطرق إلى هذا الإبداع. وذلك لأن الإبداع عمومًا والإبداع العلمي خصوصًا لا يقوم إلا على قدمين راسختين في علم معين أو مجال معين، وهذا الرسوخ العلمي لا يتأتَّى إلا بالمنهجية المُتدرجة والتقويم المستمر والتخصص في فرع معين، تلك الأشياء التي يُوفرها التعليم النظامي. أما الرتابة والنمطية وكبت الحس الإبداعي فليست من مساوئ التعليم النظامي في حد ذاته، ولكنها أخطاء الهيئات والأفراد في تطبيق التعليم النظامي والتعامل معه.

· عرفتُ أن أكبر عقبة نفسية في سبيل المتعلم، ليست نقصان الثقة واهتزاز الأمان النفسي نتيجة التنافس مع الأقران، ولكنها في العُجب بالذات والإحساس بالشبع المعرفي، تلك الحالة التي تقتل المُتعلم؛ لأنها تقتل فُضولَه، وتقتل تعطشه للمعرفة، وتُشعره بالبِطنة والامتلاء، فيثَّاقل عن الطلب والتحصيل. ولا أرى قصة قارون في القرآن الكريم إلا تجسيدًا حيًّا لهذه الحالة، ولا أرى هلاك قارون بعد عُجبه بعلمه إلا رمزًا على موت المُتعلم حينما يُصاب بالعُجب والشبع المعرفي، ولا حرج علينا الآن أن نُسمي هذه الحالة النفسية بـ «عقدة قارون»، لنبث تحذيرنا إلى المتعلمين أن يصيبهم مثل ما أصاب قارون.

· عرفتُ أن تحقيق هدفٍ ما لا بد أن يُقابله فشل في تحقيق أي شيء آخر غير هذا الهدف، ولعل الأدق أن نقول إن تحقيق بعض الأهداف يحتاج منا أن نتنازل عن أهداف أخرى لا يمكنها أن تزاحم أهدافنا المطلوبة، وإن حاولنا أن نجمع بين هذه وتلك أضعناهما معًا أو حققنا أجزاءً من كليهما، ولكن لا يتم لنا تحقيق أي منهما على الوجه المرغوب. كذلك المتعلم أو المثقف؛ لن يحقق إنجازًا معتبرًا إلم يُكرِّس نفسه في حقل من حقول المعرفة، فيَصُبّ عليه جُل جهده ووقته، ويقاوم جموح نفسه ونفورها عن الالتزام بحقل واحد، ورغبتها في التنزه بين الحقول، وقطف زهرة من هنا وزهرة من هناك.

في العلاقة مع الناس

· عرفتُ أن الإنسان كائن مركزي بطبعه، ولا أقصد هنا المركزية الكوزمولوجية، بمعنى أن يتصور الإنسانُ أنه مركز الكون، وأن أجرام السماء تطوف حوله وتسجد بين يديه. وإن كان كوبرنيقوس قد ثار على هذه الصورة الساذجة من المركزية وقوَّضها، فإنه لم يقوِّض الصورة الأعمق والأشد التصاقًا بطبائع البشر، وهي ما يمكن أن نسميه مركزية «الأنا الواعية» أو «الأنا الشارطة- transcendental ego» كما سماها هسرل، والتمركز هنا ليس تمركزًا حول الإنسان (كما في الهيومانية)، وليس تمركزًا حول عرق معين أو قومية معينة، أو حتى جنس معين(كما في النسوية)، وكل هذه دوائر للتمركز تضيق ثم تضيق حتى تصل إلى الدائرة الأضيق، وهي دائرة الأنا. ولا تُعد دوائر التمركز المختلفة إلا نوعًا من أنواع التعبير عن مركزية الأنا عند الإنسان. وعندما نقول إن الإنسان متمركز حول أناه فإننا لا نقصد أنه مُتمركز حول أفكاره ومشاعره وأيديولوجياته الخاصة فحسب، بل نقصد شيئًا أعمق من هذا وأسبق، وهو التمركز حول وعيه بالوجود أصلًا. فنحن لا نعي الواقع إلا بعد أن نفترض وجود ذاتنا الواعِية، ثم نجعل هذه الذات شرطًا لعملية الوعي، والعجيب أننا نفعل ذلك بطريقة لاواعية!

وليعذرني القارئ الكريم على هذا الاستطراد في التنظير، فلقد كنتُ وعدتُ ألا أكتب إلا عن تجارب الواقع، ولكني اضطررت إلى كل هذا الكلام النظري؛ لكي أُثبت أن المركزية طبعٌ شديدُ الالتصاق بالنفس البشرية، وأنك مُجبر – أثناء علاقاتك الاجتماعية – على التعامل مع تمركزك حول ذاتك وتمركز الآخرين حول ذواتهم، وليس عليك إلا أن تضع في اعتبارك وجود هذه المركزيات المُختلفة التي يَرمَح كل منها «جهةً» معينة بـ«طريقة» معينة من أجل «أهداف» معينة، وقد تتقاطع وجهات النظر وطرق التفكير وأهداف الحياة بين مركزية وأخرى، ولكن تظل كل مركزية تنظر إلى هذا التقاطع من مُنطلقها الخاص.

في العلاقة مع الله

عرفتُ أن الإنسان لا يمكن أن يتخلص من تمركزه حول ذاته بالمعنى الذي شرحته سابقًا، ولكنه قادر على تجاوز هذه المركزية إلى ما بعدها مع عدم التنكُّر لها أو محاولة التغاضي عنها. وقد بلغ الإنسان ذروةَ سنام الأنطولوجيا (فلسفة الوجود) عندما تجاوز مركزيته إلى الله، وتجاوز مركزية المادة إلى الروح، وتجاوز مركزية الدنيا إلى الآخرة، ولكن الفكر الإنساني تعثر عندما حاول أن يُلغي الذاتية تمامًا أو يلغي المادة تمامًا، أو يلغي الدنيا تمامًا؛ وذلك لأن الدين لم يأت ليقوِّض المركزية ولكنه جاء ليضعها في موضعها الصحيح، وعندما أتكلم عن الدين فأنا لا أقصد إلا الدين الإسلامي، لأن الدين الإسلامي وحده هو الذي جاء بهذه الفلسفة الإصلاحية المُتزنة، التي لا تهدف إلى وَأْد الطبائع البشرية أو كَبتها، وإنما تهدف إلى توجيهها وترشيدها بحيث تنفع الإنسان ولا تجعله – في الوقت ذاته – يتنكر لجِبِلَّتِه وطبعِه.

عرفتُ أن عِلاقة الإنسان بربه ليست علاقة دائِرية، بمعنى أنها ليست علاقة رَتيبة تتكرر أحداثها بصورة مُمِلة؛ نُذنب ثم نَتوب، نُذنب ثم نَتوب وهكذا. لكنها علاقة خطِّية، نَسير فيها عبر طريق طويل، ونمر بمقامات ودرجات، كلما عبرنا درجة أو اجتزنا منزلة انتقلنا إلى ما يليها، فيظهر لنا ما كان خفيًّا عنا، ويتجلى علينا من نور الله ما يُطَمْئِنُنَا ويُعيننا على إكمال المسير.

وقد نتعثر أثناء سيرنا على هذا الطريق، ولا بأس في ذلك، والتوبة هي الوقوف ومعاودة السير بعد هذه العثرة، والتوبة حالة دائمة نقوم بها باستمرار، ليس عندما نذنب فقط، فالنبي الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العشرين, وحي
عرض التعليقات
تحميل المزيد