بين بول ريكور في كتابه «صراع التأويلات: محاولات هرمونيطيقية» أن تاريخ الفلسفة المعاصر قام على أساس التأويل وتأويل معاكس لتاريخ الذات، وسجل في مقام ثان أهم حدث في الفلسفة المعاصرة، ونعني به موت الإنسان بصفته ذاتًا واعية مقتدرة وفاعلة في التاريخ.

لكن قضية التأويل ليست مسألة فلسفية محضة، بل إنها تجد جذورها في النصوص الدينية، وهذا ما بينته الدراسات حول الإنجيل بعهديه القديم والجديد معتبرة أن النص الديني هو الفسحة التي ينطلق منها التيار التأويلي، تأويل النصوص الدينية وكان الغرض منها الوقوف على المعاني المعقدة واستخلاص الباطن من الظاهر، ويعني الانثناء والانطواء الفكري على النصوص وهو ضرب من السحر والاستنباط الخرافي، لكنه يحمل إبداعًا قد لا نجده على قارعة الطريق – بعبارة هايدجير – بل هو إنشاء ذاتي تعجز الذات عن فهمه وتبريره.

لكن صراع التأويلات كما حدده ريكور يطرح إشكالية القول الفلسفي من ناحية مجال التأويل. لقد بين هيجل أن التفلسف هو ارتقاء بالكلمة إلى مستوى المفهوم، وإذا أردنا السير على خطى هيجل وتحويل كلمة التأويل، فهو آلية تقنية وإجراء منهجي ارتبط بتأويل الكتاب المقدس نظرًا لما يفترضه هذا الكتاب من مسايرة للأحداث المعيشية والتطورات الاجتماعية والعقائدية، ولقد بين هانس جورج جادامار في كتاب المنهج والحقيقة أن الأصل الثيولوجي للتأويل لا يبتعد كثيرًا عن التراث الفلسفي، إذ إن المقصود منه هو فهم وتمثيل النصوص الفلسفية وإعادة بنائها وتفكيكها، والغرض هو بناء عنصر الفرادة للمؤول، لكن التأويل يتجاوز حدود النص إلى ما بعد المكتوب، ربما يكون المنطوق، أو السلوك، أو منظومة القيم، أو السياسة، أو حتى العلم، المهم في ذلك هو أن التأويل في جوهره فهم وتفكيك.

هذه المماثلة بين التأويل الفلسفي والديني هي مماثلة منهجية فقط، فالتأويل الفلسفي استلزمته عدة أسباب يمكن تقسيمها إلى ما هو ذاتي وما هو موضوعي وينتفع فيها الفيلسوف بهاجس الابداع الذاتي، لكن ذاتية الفيلسوف ليست مفصولة أو متعالية على واقعه، بل هي آلية مرتبطة بزمانها وبمقتضيات القول الفلسفي، وهذا ما سجله هيجل في دروس برلين لسنة 1928 حين أكد أن «مهمة الفلسفة لا تنحصر فيما هو كائن»، ومهما يكن من الأمر فإن الفيلسوف يخضع لواقعه بكل مستلزماته السياسية والعقائدية والاقتصادية، وحسبنا أن هذه المستلزمات هي التي تدفع ليمارس فعل التأويل، ربما يستطيع أن يتمثلها حتى ينتصب شبيها ببومة الحكمة عند الرومان «بومة مينارفا».

لقد كان تاريخ الفلسفة تاريخًا حركيًا من الفلسفة الأرسطية الأفلاطونية وتمتد هذه القائمة إلى جادامار وكارل أوتو آبل وجيل دولوز، ولقد بين هذا الأخير أن التاريخ قائم على تكرار المفاهيم التي تم إبداعها فيم سبق، لكن بغرض رسم الاختلافات والمسافة. «لا بد للمفاهيم أن تحمل توقيع مبدعيها»، كتب جيل دولوز بمعية فيليكس جاتاري في كتاب «ما الفلسفة؟».

هذا الثنائي جعل التأويل حركة نقدية، إذ ليس المقصود بتكرار المفاهيم تكرارًا أعمى لها، مثلما درجت في المعاجم الفلسفية، وإمكاناته ومدى استجابته لعصرنا، فالنقد هو: «مجرد معاينة لمفهوم في حالة تلاشي فاقد لمكوناته مكتسبًا لأخرى من شأنها أن تغيره، وذلك حين يغوص في وسط جديد» ونقصد بهذا الوسط «مسطح المحايثة» بما هو نتيجة للتأويل.

يبدو مسطح المحايثة مجرد مفاهيم تتجمع جنبًا إلى جنب، لكنه مجموعة مفاهيم تتجمع لتفضي معنى وتحتضن الواقع وتقدم إمكانات جديدة للتفكير وللحياة، لذلك فإن التعامل التأويلي مع التراث الفلسفي ليس إقصائيًا «فإذا أمكننا الآن أن نظل أفلاطونيين أو ديكارتيين أو كانطيين، فيحق لنا أن نفكر بأن مفاهيمهم يمكن أن تستعيد فاعليتها عبر مشاكلنا وعصرنا».

إن التراث العقلاني يصطدم بتراث لا عقلاني يكون عائقًا للتفكير وسندًا للبداهة، للمسايرة والخضوع، ولقد علمنا الدرس الكانطي حول عصر الأنوار أن نفكر بأنفسنا، فكيف يمكن أن يتحول التأويل من مجال فهم التراث العقلاني إلى مجال تمثل التراث اللاعقلاني، وقد جسدته العادات والتقاليد ودعمته العقائد والطقوس السلوكية.

يتميز التراث اللا عقلاني بالتسليم بالسائد والمألوف، فأينما وليت وجهك فثمة سائد ربما اعتقد الإنسان العادي في صحته، لكن الذي يتعلم السؤال والشك يتبين أنه واقع يستلزم تفكيكا بغرض فضح الأسس اللاعقلانية والثورة على سلطة بالية كسلطة السائد، وهو ما تجعله الفلسفة محل مسائلة وموضوع تفكير حتى يستجيب لمقتضيات قولها علمًا، وأن الفلسفة لا تنظر للسائد نظرة إقصائية منذ البدء، بل تسعى لفهمه وتأويل مظاهره في مستويات عديدة.

لاحظ عالم الاجتماع دوركايم أن المجتمع هو الذي وضع فينا عند تربيتنا منظومة قيم، وهذا يعني أن الفرد الذي لا يطيع أفراد المجتمع في أخلاقهم يعاقب بالإحساس بالذنب وتأنيب الضمير، لكن هذه الدراسة للمنظومة الأخلاقية تسجل أمرًا يتعلق بضرورة النظر إلى هذه المنظومة باعتبارها معطى يستلزم التأويل والنقد، وهنا ينتصب المشروع الجينيالوجي النيتشوي، فقد بين نيتشة أن الأخلاق ليست حقيقة ثابتة لا تقبل النسيب، بل هي أفضل وسيلة تمويه، فما العمل لو كان في الرجل الطيب أعراض النكوس أو إغراء أو سم يمكّن الحاضر من أن يعيش على حساب المستقبل، وما العمل لو لبس الإنسان من الطيبة قناعًا؟ يجب إذًا الشك في الأخلاق، وإعادة كتابتها على شكل «هيزيود».

يقيم نيتشه تأويلًا جديدًا للأخلاق، إذ لم تعد حقيقة ثابتة مثلما اعتقد كانط وشوبنهاور، بل أصبحت دافعًا للتأويل، إذ أرجع نيتشه كل القيم الأخلاقية إلى أصلها ومنشأها، وأصبحت قيم الطيبة التي يرفعها العبيد ملجأً للضعفاء ووسيلة لإخفاء الوهان الفيسيولوجي والضعف النفسي.

لكن الفلسفة لم تكتف بتعرية الأخلاق، بل اتجهت إلى البعد العملي وهو بعد ثلاثي: اجتماعي، اقتصادي وسياسي، ولا شك أن هذا البعد المتساند والمترابط إنما شكلته مجموعة عوامل غير ظاهرة للعيان، إنها موغلة في الصغر تختفي وتتوارى عن الأنظار وتتنكًر باستمرار بأقنعة رمزية كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

ولئن كانت الدولة راعية للحريات فهي بذلك مؤسسة للنظام، فلو فرضنا الاقتداء بتوماس هوبز لتبلورت صورة الإنسان الفوضوي، ولصارت حياته فاقدة للنظام، ولما كان الإنسان كائن رغبة، لا يرغب إلا فيما يفيده، كانت الدولة بذلك تحقيقًا لرغباته ومطالبه ألا وهي الحرية والعدالة.

لقد أكد هوبز أن الإنسان كائن عنف وشدة بطبيعته، فهو دائم النزوع إلى الفوضى والقوة ولما كانت الدولة هي مجموعة أفراد، لزم أن تقترن بمفهوم العنف الذي هو في مفهومه يعبر عن إفراط في في القوة، أما القوة فهي المعادل بين العنف والضعف فهي بذلك تشبه معادلة الجبن والتهور حسب أرسطو، إلا أن ملازمة العنف للدولة يتمظهر في عديد المجالات ويتخذ عديد الأشكال، فالدولة حبلى بالعنف والعنف يتولد منها، ذلك أنه لا يمكن الحديث عن الدولة دون الحديث عن العنف والممارسات العنيفة بكل جوانبها، ولو عدنا بالزمن قليلًا لوجدنا أن جميع الأفراد الذين أرادوا الاستئثار بالحكم قد أقروا أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة، من ذلك الثورة البلشفية لروسيا القيصرية بقيادة تروتسكي، الذي آمن بأن العنف هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة على نظام حكم معين أو مجموعة من الأفراد بهدف الإرهاب ونشر الخوف لدى الشعب، وهو ما أكده بول ريكور في كتابه «التاريخ والحقيقة» حينما بين أن حياة الفرد في جانبها السياسي إنما تقوم على العنف وسيلةً تأديبية أو جزائية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد