القرآن الكريم كتاب ذو فصاحة وذو بيان تحدى به الله أهل الجاهلية من الأعراب الذين عُرفوا بالفصاحة وقوة الإيضاح والبيان، وهنا نحن نحاول أن نعطي تفسيرًا وشرحًا وتفكيكًا للنص القرآني نحسبه مغايرًا لما نهج عليه بعض المفسرين. وهذه المحاولة لا يشترط فيها أن تكون قد ارتكزت على منهج تفسيري علمي؛ لأننا نحاول أن ننحو منحى مغايرًا لما ذهب إليه رجال الدين والتفسير للنص القرآني وتفسيره، ونملكه للقارئ والمتعبد يفسره كيفما شاء دون الرجوع لكتب التفسير المعهودة.

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة/3

إن الناظر إلى الآية يدرك ظاهريًا تمام الدين وتمام النعمة التي أنعم الله على عباده، وارتضاء الدين الإسلامي لهم دينًا.
وإذا أعملنا عقولنا وسعينا إلى تفكيك هذه الآية فسنجدها راسخة ومشتملة وتؤسس إلى قطيعة بينة مع ورود أي نص آخر مقدس يأتي؛ فهي خاتمة للنصية القدسية للوحي، أي انقطاع الوحي بنزول النص.
وهي أيضًا نُذر بين يُوضح انتهاء فترة الرسالة وانقطاع الإخبار الإلهي المرسل للبشر الذي يتمثل في شخص الرسول الكريم.

اليوم أكملت… اليوم الظرف المتعلق بزمان ذلك الاجتماع الذي حدث عند حجة الوداع، واجتماع الرسول الكريم والصحابة في يوم عرفة الذي به يكون الحج وهو الركن الأكبر، اليوم يتعلق بحدوث حدث معين في زمن معين وهو الإكمال (أكملت) الفاعلية المطلقة من الكمال الذي ليس بعده نقص ومتتابع الحدوث كما في نزول القرآن الكريم، والحديث هنا لله بلسان رسوله، أي: يا محمد قُل لهم إن الدين قد كمل والنعمة قد تمت بتمام هذا الدين الخاتم تمام بلا نقص فالنص المقدس عند انقطاع الوحي من الرسول يدل على كمال الدين من حيث قدسيته، ولكن من حيث التجتهاد في فهم النص؛ فإنه نص يقبل النظر والشرح والتفسير والتجديد في فكرته ومواكبته للزمان.

لكم دينكم… أيتها البشرية جمعاء إطلاق الجزء وإيراد الكل والشمول ليس فقط من كان حاضرًا عند المشعر، ولكن هو بلاغ وشهادة لهم حتى يبلغوا من لم يحضر المشعر الحرام من أهل ذلك الزمان إلى زماننا هذا يظل الإخبار متواصلًا. رسالة الشمول للناس كافة رسالة عالمية، والدين الاعتقاد الجازم بوجود تشريعات إلهية يجب أن تتبع، والتسليم التام واتباع الحق المنزل من الله دينًا قيمًا، واتباع بعد تفكر وتدبر وشك يقود إلى اليقين التام بوجود خالق يجب أن يُتبع.

وأتممت عليكم نعمتي… إتمام بغير نقص، إتمام إنزال الأمر كله جملة بلا تتابع، تنزلت على الناس كافة، وانغمست فيهم، وأفادت علو النعم على العقل؛ فأصبحت امتنانًا من الله على الناس إن أتاهم العقل الذي به يدرك النعم والنعمة الأكبر إدراكه للإسلام دينًا، وبالله ربًا هاديًا لهذا العقل، ألا ترى قولهم في العقل إنه مناط التكليف؟

ورضيت لكم الإسلام دينًا. لقد ارتضى الله وسخر الرُسل ليُعبد في الأرض وقد ارتضى لكل رسول دين وتشريع أقره عليه وأمر أن يبلغ قومه بهذا التشريع، وكذلك كان الأمر مع رسول الله والذي به قد خُتمت الرسالات السماوية والأديان جميعها مع ترك الحرية للإنسان بان يؤمن بأي دين شاء وما دام يؤمن بان هناك إله خالق له واحد لا شريك له إنما الأديان تكمل بعضها بعض والرسالات جوهرها واحد هو التوحيد. وهنا بعث الله الرسول الكريم بالدين الذي قد ارتضاه من قبل إبراهيم، ملة إبراهيم حنيفًا، والحنيفية الفطرة التي فطر الله عليها الجميع، والفطرة النقاء من أي اعتقاد سابق، وارتضى اعتقاد التوحيد بوحدانية الله واتباع أوامره وتشريعاته العبادية والاجتهاد في أمور الدنيا مع رد كل الأمور لله سبحانه وتعالى، فالله هو المالك المتصرف في جل الأمور لا يشاركه أحد في إدارته لهذه الأمور ومعرفة خيرها وشرها.

تُعد الآية خاتمة لدستور منزل من عند الله، وإقرار من الله لرسوله الكريم بأن ما أرسلت به قد تم، وقد بلغت ما أرسلت من أجله، ولكن لكل أجل كتاب، فقد تم الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آية, تفسير, فكر, قران
عرض التعليقات
تحميل المزيد