لم أكن أتصور أن القاعدة الفقهية: ﺍﻟﻤﻌﺩﻭﻡ شرﻋًﺎ كاﻟﻤﻌﺩﻭﻡ حسَّا (الفروق للقرافي) التي سطرتها أفهام أهل الفقه والهدى، تتحول منطلقًا لصراع سياسي تراق فيه دماء الآلاف من الأبرياء، بسبب تبلد أذهان مجموعة ممن ينتسبون للعلم الشرعي المنفصلين عن فهم الواقع.

حتى رأيت بعيني مخابيل فرقة (المداخلة) وهم يسجلون صفحات العار والغدر والدناءة سيعجز التاريخ عن وصف حقيقتها من وصف وحكم.

فمسألة الإمامة الشرعية وإمارة الدولة، التي لم يعد لها توصيف واقعي في النُّظم السياسية الوطنية الحديثة، باتت محل تنظير وجدل في أدبياتهم وكتبهم وخطباتهم ومناظراتهم.

وبالرغم مما اتفق عليه علماء السياسة الشرعية: من أن الإمامة العظمى أو الخلافة أو إمارة المؤمنين تدل على وظيفة واحدة هي السلطة الحكومية العليا.

وقد عرفوها بتعاريف متقاربة في ألفاظها، متحدة في معانيها تقريبًا، علمًا بأنه لا تشترط فقط كصفة للخلافة، وإنما المهم وجود الدولة ممثلة بمن يتولى أمورها، ويدير شؤونها، ويدفع غائلة الأعداء عنها.
وقرر الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.. ( الأحكام السلطانية).

وحدد ابن خلدون بطريقة أخرى وظيفة الإمامة فقال في مقدمته ج1 ص191: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ إن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة.

فهي في الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.

وكل كتب السياسة الشرعية حددت شرط الموصوف بالإمامة هو: إقامة الدين بتطبيقه وعلو الشريعة وسيادتها الكلية قانونيًّا وسياسيًّا، وهذا ينعدم شرعًا في النظم العلمانية المعاصرة انعداما كليًّا أو جزئيًّا، وليس الأمر مجرد وجود حسي لأي سلطة بأي شكل.

وأبسط مثال لانعدام هذه النظم شرعًا لتبسيط الفهم فهي: كالماء المتغير وصف طهوريته فهو منعدم شرعًا ولايصلح للوضوء والطهارة، رغم وجوده حسًّا.

أما مسألة الشريعة مصدر للقانون، فهي تتساوى مع عشرات المصادر، وليست المصدر الوحيد، ولو كانت حتى هناك بعض القوانين المقتبسة من الشريعة، فهي في إطار قانون وليست في منظومة شرعية متكاملة، وأشبه ما تكون كمن صلى صلاة كاملة الأركان لكن كانت قبلته (البيت الأبيض) وليس للكعبة المشرفة.

وتكاد تحكم على القوم بذهاب العقل في أي نقاش كان، فهم لا يعرفون شيئًا من عالم السياسة المعاصرة، ولا نشأة الدول الوطنية، ولا تنحية الشريعة لصالح القوانين الغربية، ولا نظرية السيادة، ولا المشروعية العليا في الدولة الإسلامية، بل إن أحدهم بعد جدال مرير معه لإفهامه طبيعة النظم وما تنص عليه دساتيرها من كونها علمانية، قلت له: سنكمل الحديث غدًا أمام المحكمة الشرعية.

فتساءل: وهل توجد محكمة شرعية في مدينتنا؟

فقلت له: إذا كانت لا توجد محاكم شرعية في مصر كلها، فكيف يوجد حاكم شرعي وأمير للمؤمنين؟

ولأنهم لا يثبتون شغور الزمان من السلطان الشرعي- وإن وجد العلماني – وأن الولايات المنعقدة( الرئاسات) منعقدة على أن السيادة العليا والتشريع لغير الله، مما يبطل الغطاء الشرعي لها، ويعدم وجودها من الناحية الشرعية.

والدعوة لتطبيق الشريعة في غالب النظم السياسية السائدة في العالم الإسلامي، هو خروج على الشرعية الدستورية، بل هو زعزعة للسلام الوطني والأمن الاجتماعي- على حد وصفهم – وجريمة يعاقب عليها آلاف الدعاة، وينتهي بهم المصير للمنع والتضييق، أو السجن، والقتل.

ناهيك عن آلاف المعتقلين تحت تهم الانضمام لتنظيمات وجماعات تدعوا لسيادة الشريعة، فإذا كان هذا الواقع السياسي والقانوني، فكيف ينقلب القائم عليه لأمير المؤمنين وولي أمر المسلمين طبقًا لمفهوم الشريعة.

ووقعت هذه الفئة المدخلية طبقًا لفهمهم المعاند – ومن اتفق معهم – في عدة إشكاليات بسبب مخالفة هذه القاعدة.

1- تمادوا في وصف ولي الأمر لدرجة باتت مضحكة، فنشر أحدهم في ميدان عام لافتة كُتب عليها: نبايع أمير المؤمنين، فاستدعاه الأمن لنزعها بعد أن باتت مزحة، وخرج رئيس الدولة يؤكد أنها دولة علمانية.

2- ولم يفرق مخابيل (المداخلة) بين الرئاسة أو إمارة البلاد كعقد يلزم الطاعة للمقيم فيها، لكنه لا يضفي عليه الولاية الدينية، فدعو لطاعته المطلقة (حتى وإن جلد ظهرك وأخذ مالك). ومارس الزنى نصف ساعة على شاشات التلفاز (على حد وصف أحدهم)، رغم أنه من أثبتوا هذه اللفظة كحديث للنبي صلى الله عليه وسلم فهي لا تدل على (بله ) المبالغة، في ظل غياب المفاهيم التي تمثل مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المترهل، (وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك)، أي بالحق بأن قضى بمالك لخصمك في حكومة قضائية، أو بتأويل، أو ضرب ظهرك في حدٍّ من حدود الله، أو في حقٍّ من حقوق الناس، وهذا ثابت برواية ابن حبان لهذا الحديث، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «يَا عُبَادَةَ»،قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ بَوَاحًا» (تهذيب صحيح ابن حبان (1 – 3) علي بن نايف الشحود (صحيح)

فقوله: (إلا أن تكون معصية)، يدخل فيه بلا شك فيما إذا أكلوا ما له بالباطل، أو ضربوه ظلما وعدوانا (لأنه يدعو للشريعة)، فلا تجب طاعتهم، فلو أمروه أن يأخذ مال غيره ظلما أو يضربه ظلما لحرم عليه ذلك، فمن باب أولى حين يقع ذلك على نفسه.

وقد حمَّلوا مثل هذه الألفاظ ما لا تحتمل، بل صار بعد ذلك أصلًا من أصول الاعتقاد عندهم وهو السنة والإجماع زورًا وبهتنانًا، ومن خالفهم رُمي بالابتداع والخروج.

3- تناقض القوم تحريمهم للعمل السياسي في نظم أولياء أمرهم، بحجة أن الديمقراطية كفر، فتحيرت العقول بين نظم ديموقراطية وصفوها (بالكفر)، وولي أمر مسلم مطاع بلا نزاع (في النظام نفسها)، فكيف تكون الديمقراطية والاشتراكية وغيرها من النظم العمل من خلالها محرم لعدم شرعيتها والقائمون عليها ولاة شرعيين، حلال لهم ممارسة السياسة، بل تطبق عليهم كافة النصوص الشرعية.

4- شطح خيالهم فنظروا وصفًا لولي أمر (أبدي) لا تمتد له سلطة أهل حل وعقد ولا يختار سواه طالما تغلب وحكم البلاد، فخرج سعيد رسلان –أحد أعمدتهم – داعيًا للاختيار الأبدي لولي أمره (السيسي) لأن منصبه لاينازع فيه، ووقتها تجرى الانتخابات الرئاسية – الشكلية – بإشراف الدولة، في درب لم يسلكه منازع لهم من فقهاء العصور القديمة ولا الحديثة، فأغلقوا باب العمل السياسي وأي باب للتغيير السلمي.

5- رفض التعددية الحزبية مطلقًا، والمعارضة السياسية القانونية مطلقًا -حتى لو أباحها ولي الأمر – بل والتأصيل لحرمانية تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية – بالرغم من كون المسألة محدثه ومعاصرة – وعلى أساسها وسم كل المخالفين بمفردات: حزبي، متحزب، حزبية بغيضة… مما حدى بأحد العلماء المعاصرين: د.صلاح الصاوي، لتأليف كتاب التعددية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، ليبين لهم مشروعيتها، علاوةً على ضروريتها في الواقع المعاصر.

6- وتبعًا لذلك وصفوا كل منتقد لسياسات دولهم ولو بالكلام (بالخارجي) رغم إباحة القوانين الداخلية ذلك النقد، وخالفوا جمهور العلماء بتكفير هؤلاء المعارضين، بل خالفوا سيدنا علي (رضي الله عنه) لما سئل عن الخوارج: أكفارٌ هم؟ فقال: من الكفر فروا.

واستحلوا دماءهم تبعًا لذلك، كتنظير فكري للأنظمة المستبدة لقتل كل معارض تحت هذه الدعوة.

وغاية من عارضوا هذه النظم إما دعوة لعودتها للشريعة، أو دفعًا لظلمها وطغيانها، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقال في مجموع الفتاوى: وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ دِينُهُمْ الْمُعَظَّمُ مُفَارَقَةُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. انتهى

فهم يفارقون جماعة المسلمين القائمين على تطبيق الشريعة ويستحلون دماءهم بناء على تكفيرهم (وهذا لم يحدث)، قال الشيخ الغنيمان في شرح فتح المجيد: فالخوارج سموا خوارج، لأنهم خرجوا عن الحق إلى الباطل، وخرجوا على أهل الحق، لأنهم أهل باطل، وهم في الواقع أناس جهلة أرادوا أن ينزلوا كتاب الله على مفاهيمهم القاصرة، فاقترحوا أن الناس قسمان فقط: برٌ تقي، أو فاجر شقي، ولا ثالث لهما، فصاروا يحكمون هذا الرأي الذي رأوه، فكل من وقع في ذنب، جعلوه كافرًا. انتهى.

ولا يعقل أبدًا أن من دعا للحق بناء على فهم شامل للكتاب والسنة والواقع السياسي يصبح خارجيًّا ومن برر الباطل يصبح سنيًّا.

فتحول الانعدام الحسي للبلادة الحسية، والدياثة السياسية، وتولدت نفوس مريضة، لا هم لها سوى (الجرح والتجريح) للخصوم، وجلسوا في منتدياتهم يفتخرون بالتحسس والتجسس وإنتاج طلبة العلم من العسسة والبصصة، متفاخرين بعمالتهم الأمنية واصفين إياها زورًا بأنها اختيارات فقهية، بل امتدت أيديهم لحمل السلاح والوقوف مع المنقلبين على أنظمة ارتضتها الشعوب، ورؤساء منتخبين، بصورة تجعلك تقف وتطرح تساؤلات: من أين لهم هذا الفهم؟ ومن يدفعهم لذلك؟ ومن ينسق خطواتهم فيجعلهم سيفًا مسلطًا على رقاب أهل العلم؟ وكيف تفتح لهم الأبواب في حين تغلق في وجه دعاة العلم الحقيقيين؟ ولماذا لايدرسون السياسة المعاصرة فيفهموا واقعهم؟ وكيف انعدم الحس والإحساس عندهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد