«الـ… أفيون الشعوب»

قد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن التليفزيون أو الإعلام هو المقصود، ولكن المقولة في الأصل هي «الدين أفيون الشعوب»؛ مقولة ترجع للفيلسوف والاقتصادي الألماني «كارل ماركس»، وهو الأب الروحي للفكر الشيوعي، واسمه يقع في المرتبة الثانية في قائمة أكثر 10 اقتصاديين تأثيرًا على البشرية. كان يجب أن يُدرس في درس السياسة بالمدارس العربية، ولكن للأسف لا توجد حصة سياسة لينمو أبناؤنا، وكل ما يعرفونه أن الشيوعية تهمة، والسياسة تهمة، والمطالبة بتحسين أوضاع بلدك هو سب للذات الإلهية، عبير السياسة في الهواء يذهب بك إلى السجن، وفي بلادنا لا يجب أن تفعل جريمة ليغلوا يديك إليهم، يكفي فقط أن تطلب استنشاق الهواء.

ما هو ذاك الشيء السحري الذي يكفي ذكر اسمه لتحل على رأسك أكبر المصائب، ويستدعي إليك ضابط شرطة شخصيًّا، يترك سريره الساعة الثانية فجرًا، ويطلب زيارتك في منزلك؛ ليتعرف مخبروه على كافة أرجاء غرفتك، وينشر الرعب في منزلك، حيث إذا نجوت من تلك الزيارة، لن تنجو من مطالبة أهلك بالكف عنها.

أنا أدعوك هنا لنفض الغبار عن صندوق الدنيا لنفتح أعيننا سويًا للفرجة على أحوال خلق الله، خارج حدود المملكة العربية التي يرثها حكامنا، لنقرأ عن السياسة، ونتحدث عنها لنتحدث عن إدارة دولتك، وأي مذهب تتبع.

عزيزي القارئ، ودعني أدعوك عزيزي؛ لأني أعلم أنك تشاركني جميع مشاعري وانفعالاتي، أخوة في أمة واحدة، أو مأساة واحدة؛ جرجرتنا الحياة لوطن أحببناه، ولم يسمح له مالكوه بأن يبادل أبناؤه هذا الحب، لقد سلبوا منا حتى حب الحياة.

فلأكف عن الندب، ولتتوقف عن متابعة أسطُري إذا جرفني يأسي إليه مجددًا، ولأتمسك بتلك اللحظة التي حملتُ فيها أناملي لسرد حلمي بإحياء الأمة في العقول.

دعونا نحن نحيي أمتنا في عقولنا، ليس في واقعهم، فقد سلبوه مننا أيضًا، لنقم مبادئ الحق بين أفراد أسرتنا، لنُعلّم صغارنا أن لهم أرضًا مبسوطة بين قارتين، وأن البحر الأزرق ليس بحد، وأن الحلم تحقيقه واجب حد.

حلمي بسيط أيها السادة وها أنا أتخذ أول الخطوات لتحقيقه؛ أوله نبدأ بالتعليم، لندرس التاريخ، وندرس السياسة، سرد حقائق ومعلومات مبسطة ليس أكثر، وليتخذ كل عقل طريقه في برمجة تلك المعلومات.

ثانيًا: الوعي؛ أن يعي كل مواطن بحقه باعتباره ممثلًا للإنسانية، التي نص الغرب من أجلها حقوق الإنسان، هل تعلم أيها المواطن العربي أنك تستحق أن تحيا بأي مدينة أوروبية، فأنت لم تقترف ذنبًا لينفوا بك إلى مجاهل الأمم «أمتنا». لست مضطرًا أن تتحمل ما بها من أذى، ولن تنظر إلى الماضي، وتتحسر على فعل فعلته، أنت وُلدت دون اختيارك؛ لتقاسي معي بلدك، وحكامك، وجهل شعبك.

يجب أن تتفتح عين المواطن؛ ليعي بأن ما يحدث حوله ليس بأمر طبيعي، ولا يجب أن يكون معتادًا، أن يتطلع لأكثر من وظيفة بالكاد تطعم الأولاد، إنه ليس من المفترض أن يركض طوال عمره دون اللحاق، إن هناك ما هو بعد الستر ليتطلع إليه، وأن السعادة دون هموم ممكنة على الأرض، وأن الله قد خلق له شواطئ ممتدة ليستجم، وإن من الأطعمة ما هو ليس إلا حرمانًا أن يعتقد أنها حاصرة في ذوات أفنان.

ثالثًا: الثقافة؛ نناقش معًا موضوعات عامة، نتحدث عن الفن، واللغة، والموسيقى لنفرض جزءًا من عقولنا للاستجمام، دعوا معي تلك الصفحة، ركنًا للحياة لنأتي هنا لنضع قواعد الحياة، التي سنحياها يومًا ما، سنحياها نحن أو آخرون، ولكن بمراجعة التاريخ، هو قادم لقد أتى للجميع حولنا، وسيأتي إلينا، فلنكن متأهبين بالحياة في عقولنا، حتى تسنح لنا الفرصة ببسطها على أرض الواقع حولنا، وقتها سنمحو اللون الرمادي، ونرسم بالألوان، وستعلو الشوارع راحة البال، وسيبتسم المواطنون في حر الظهيرة، ستخف الأحمال من على كتفيك، وسينجب الشباب أبناء دون حمل الهم.

رابعًا: الرأي؛ سأحاول هنا تناول الآراء المختلفة لكل موضوع، لا أعدك بالحيادية؛ فدافعي الأول للكتابة هو البث عن ما يضطرب بخاطري، ولكن أعدك بمحاولة إبداء كافة الآراء، وأدعوك أيضًا لتشاركني برأيك الخاص على كل مقالة، استخدم ما يحلو لك من أسلوب يا صديقي، وتبادل معي وجهات النظر.

موضوعنا الأول اليوم هو الإلحاد؛ ظاهرة جديدة على المجتمع العربي، تنتشر بين الشباب، ويلفظها الآن فقط غالبية المجتمع قلبًا وقالبًا، وسواء تقبلتها صديقي القارئ، أم لا، فهي تتفشى في الجيل القادم، الذي سيغدو هو الأغلبية في المستقبل القريب، وبعد أن يغطيك الثرى لن تطفو على سطح الأرض شتائمك لتلحقهم باللعنات، بل سيموت معك كل صياحك الأهوج، ويتبقى جيل ينفي وجود الله على الأرض، التي نبعت فيها الأديان.

سأضع جانبًا معتقدي الشخصي، وأتخذ منظور أصدقائي الملحدين، سأدافع عنهم باعتباري شخصًا لم يقترف خطأ في حق أحدٍ بعد سوى نفسه، وعلى كل نفس ما جنت.

أولًا: الإلحاد بوجه عام هو «عدم الإيمان بوجود إله»، أما التيار الآخر للإلحاد، والذي يتخذه معظم الملحدين العرب هو «الإيمان بعدم وجود إله»، وهم ينكرون ويسخرون بشكل خاص من الدين الذي نشؤوا عليه.

ظهر أول استخدام لكلمة ملحد في عصر التنوير بأوروبا، من أكثر من 300 عام. عصر التنوير الذي يقوم على خروج الإنسان عن تبعية الآخرين، والطاعة العمياء؛ سواء للقادة، أو رجال الدين، وذلك عن طريق إعمال العقل الشخصي، قامت فلسفة عصر التنوير على المذهب العلمي التجريبي، حيث حملت شعار «لتتجرأ على المعرفة».

وتعني كلمة لحد باللغة العربية «مال»، والإلحاد في الدين يعنى مال عن دين الله.

وبما أن هناك أكثر من تعريف للإلحاد، فكل ملحد يعبر عن نفسه بتعريف شخصي، فلا توجد مدرسة فلسفية واحدة تجمع الملحدين. هناك نوع أنكر التعاليم الدينية التي أُنشئ عليها من مذهب أن ليس كل ما يتم تلقيننا إياه صحيح، «وهذا ما وجدنا عليه آباءنا»، اعمل عقلك أيها القارئ، يوجد على كوكب الأرض 4200 دين ما، نسبة الاحتمال أنك نشأت بالأرض، التي يعبد أهلها الرب بالطريقة الصحيحة، وما هو الرب؟

هذا الشخص يعيش في رحلة استكشاف حيث يشكك بكل الثوابت، ويتخذ مذهب العلم التجريبي باعتباره أساسًا لمعتقداته، فهو يثق بالحسيّات فقط، وهذا النوع من الإلحاد يذهب في طريق طويل من الشك، والاستنتاج، ثم هدم نظرياته الأولى؛ ليجد معتقدًا جديدًا، ثم يعيد بناء النظريات، وما تدري نفس بأي أرض تموت؟!

النوع الثاني من الملحدين وهم ينكرون تمامًا وجود الدين، يرون أنهم يعلمون اليقين، وأنا الفقير لله، ومعي كتابه الحق، لا أستطيع أن أدعي وصولي إلى علم اليقين. يتعاملون مع الحقائق الدينية باعتبارها هُراءً، لا يصدقون بمعجزة مريم، ويسخرون من شخص سافر إلى بلاد بحمار طائر، هو يرى أن جميع قرنائه يسير مع القطيع، وهو الوحيد الذي أُلهِم العبقرية، ليشكك بثوابت المعتقدات، كم ينعي نفسه لأنه محاط بالأغبياء.

مكان الفيديو1:

الآن سأرتدي روب الدفاع، فالجنية هنا ليست ذنبه وحده، هل تعلم كمية المعلومات الخاطئة التافهة المحملة بالترهات، عن أدياننا من كبار علماء الدين، التي تضج بهم الشاشات؟ هل كل من هم خارج الدين المحدد كفار ويدخلون النار؟ لم الأديان هنا محملة بكل هذا الكم من الكراهية للآخرين؟ إذا مات شخص ما تخرج لجنة الحكام ليعلنوا أن هذا الشخص مطرود من رحمة الله، لتلحقوه بورقة من دنياكم تخبروا فيها الله أنه يجب عليه طرد هذا الشخص من رحمته. مَنْ عينكم أوصياء على الخالق أو مخلوقاته؟ وإذا أقر الخالق بأنه لن يلتحق برحمته، لم لا يتمناها قلبي له والسلام؟ لم يعمل العقل المتدين هنا على تفنيد الشخص في طائفة ما؟ وهل تعلمون ما بين قلب هذا الرجل وما بين الله؟

مثال آخر؛ لم يغضب أصدقائي الملحدون في حق الرجل في التصرف في المرأة بمجتمعنا العربي، باعتبارها متاعًا ومخلوقًا أدنى، ويبرر ذلك، بل ويدافع عنه رجال الدين، بادعاءات من كتاب الله؟ هنا يقف الملحد موقف حق كيف لرب عظيم أن يظلم مخلوقًا من مخلوقاته؟ كيف للدين القويم أن يحمل هذه الظلمات؟ فأسقط الدين، وأسقط الرب، وأعمل قانون عقله، وجرد الصواب والخطأ من مرجعية الإله.

مكان الفيديو 2:

أيضًا ينظر الشاب الملحد إلى الدول المتقدمة، فيجد أن المعتقد السائد هو التحرر من الأديان، كل يفعل ما يحلو له، ثم ينظر لبلده المتخلف، ومجتمعه الظالم، ويجد أن كل شيء هنا قائم على الحرام والحلال، يكفي أن لا يرضى المجتمع عن شيء ما، فيلحقه بقواعد الله، ويصبح حرامًا دون أن يعمل العقل.

يثور الملحد على تخلف مجتمعه، ويظن بذلك أنه يلتحق بالمجتمع الغربي، ويصبح مثقفًا متحررًا مثلهم، يحتفي بعاداتهم، ويخلع عنه القيود التي كانت تحول بينه وبين الاستمتاع بملذات الحياة، لن ننصح الثور المغمى العينان، كلٌ لديه العقل ليعمله، ولتتحمل كل نفس تبعات أفعالها في الدنيا وفي الآخرة.

وأخيرًا أخلع روب الدفاع، وأعلو منصة الاتهام، أيها القراء العرب هل تعلمون أن الدولة الأكثر تطبيقًا لقواعد الدين الإسلامي هي أيرلندا؟ ويأتي بعدها في مقدمة العشر دول جميعها دول غير مسلمة، بينما أول دولة إسلامية تُذكر في القائمة هي ماليزيا تحتل المركز رقم 33، ثم الكويت في المركز الثامن والأربعين، لتنتهي قائمة الخمسين دولة الأكثر تطبيقًا لقواعد الإسلام دون أن يُذكر بها السعودية، أو أي دولة إسلامية أخرى. ليحمر جبيننا من الخجل، ونرتدي برقع الحياء، ونشير على أنفسنا بأصابع الاتهام، قبل أن نكيل للآخرين الاتهامات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد