في المقال الأخير “دع الحياة وابدأ القلق” بدأت عرض فكرتي/ انتقادي للوهم الأعظم المتخفي تحت اسم “التنمية البشرية” واصفًا إياه بأكبر عملية غسيل مخ جماعي في التاريخ الحديث، وفي مقالي هذا وفي مقالات أخرى ربما سأستكمل ما بدأته حتى أتأكد من وضوح فكرتي بشكل كامل.

 

منذ ظهر وانتشر وهم التنمية البشرية في بلادنا وأكثر من أخذه بجدية هي شركات العمل باختلاف مجالاتها، تضخم دور قسم الموارد البشرية HR كما لم يكن من قبل، موظف الـ HR هو بوابتك التي ستفتح لك للعبور إلى العمل أو التي ستوصد في وجهك، بناء على ماذا؟ ورقة مطلوب منك أن تكتب فيها ملخص سيرتك الذاتية، ومقابلة لمدة نصف ساعة أو أقل!

 

وكأن ما عشته من سنوات تتجاوز العشرين أو الثلاثين أو ربما أكثر يمكن اختصارها في ورقة! والحديث عنها وتحليلها وكذا الحكم عليها في نصف ساعة من شخص لا يعرف عنك أي شيء، المعنى واضح تمامًا، أنا لا أبحث عن إنسان أعمل معه، بل عن آلة تعمل لي مهمة معينة.

كنت وما زلت لا أطيق دخولي لمقابلات العمل، ولا استطيع أن أشعر تجاه ذلك الشخص الغريب الجالس أمامي معتقدًا بكل ثقة أن بإمكانه الحكم على شخصيتي حكمًا من شأنه تغيير مجرى حياتي بالكامل، لا أستطيع أن أشعر تجاهه إلا بالبغض والعداوة التي أشعر بها تجاه كل مغرور ومكابر على باطل، فنحن – البشر- نحتاج لسنوات من التعايش المشترك كي نعرف بعضنا جيدًا!

 

يسألني “أين ترى نفسك بعد خمس سنوات من الآن؟ وما خطتك لتحقيق ذلك؟” ولا أدري بماذا أجيب، الإنسان الذي يقرأ ويسافر ويختلط بالحياة والأحداث بشكل مستمر، دائمًا ما تتغير أفكاره وأحلامه ورؤيته للأشياء من حوله، أنا بعد عام واحد أراجع ما كتبته/ كنته العام الماضي، وأعجب لسذاجة أحلامي وأفعالي وهشاشة شخصيتي مقارنة بما أنا عليه الآن، فكيف إذن يتسنى لأحمد الفتى الذي يعيش في تلك اللحظة أن يضع الخطة لذلك الأحمد الأكثر نضجًا وخبرة منه؟!

لا يمكن لأحمد الأول أن يحدد ما على أحمد الثاني فعله كي يصبح سعيدًا في حياته، وإن لم يفعل أصبحت الخطة فاشلة. ببساطة هذان شخصان مختلفان يمكن للأول التخطيط، لكنه لا يعرف من يقوم بالتخطيط من أجله، ويمكن للثاني معرفة الشخص المعني بالخطة، لكن لا يمكنه التخطيط لما حدث بالفعل، وهذا أسوء ما في الأمر.

 

هذا السؤال وغيره من الأسئلة المتكررة في مقابلات العمل تجعلني أتعجب، كل مسئولي الـ HR يعلمون بالضرورة أن المتقدمين حضروا على الأقل برنامجًا تدريبيًّا واحدًا عن مقابلات العمل وكيفية اجتيازها، وبعض البرامج كانوا هم أنفسهم المدربين خلالها.

 

يعلمون إذن أن الإجابة التي يسمعونها الآن ليست تلقائية، بل تم الإعداد لها ومحاكاتها مرات ومرات، يعلمون أن كل ما يحدث تمثيلية رخيصة يؤدي فيها كل دوره كما رسم له، يعلمون هذا وأكثر، لكنهم مع ذلك بدلاً من الاعتراف بعبثية الأمر يستمرون في تأديته مؤمنين به إيمانًا صادقًا، فمن أين يأتي هذا الصدق وذاك الإيمان؟!

***
– أخبرني عن ثلاثة عيوب في شخصيتك.
– العيب الوحيد الذي أستطيع أن أقوله لك، أني لا أتحدث – مطلقًا- عن عيوبي أمام أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد