يذهب العلمانيون في طرحهم المؤيد لفصل الدين عن الدولة إلى نقطة جوهرية هي الخوف من استغلال الطبقة الحاكمة ومؤسساتها للدين كذريعة لاستعباد الشعوب والسطو على مقدراتها. ومهما حاولت أن تقنعهم بأن ذلك النموذج الثيوقراطي الذي انتشر في أوروبا خلال عصورها الوسطى لا مكان له في نظام حكم إسلامي رشيد؛ يجعلون أصابعهم في آذانهم مؤكدين أن الواقع الإسلامي في فترات لاحقة كثيرًا ما كذّب ذلك، والواقع أن ما يقولونه قد يحمل جانبًا كبيرًا من الصواب لكنه أيضًا لا يخلو من الخطأ.

فالنظام الإسلامي ليس وحده المُعرّض لهذه الآفة كما أن لديه من الآليات ما يضمن تحجيمها؛ بل وما يضمن مراجعة الحكام ومحاسبتهم وعزلهم، ولكنه في نفس الوقت ليس وحده الذي يملك مثل هذه الآليات فهي موجودة في كافة الأنظمة الحاكمة إسلامية وغير إسلامية ويبقى التحدي الأكبر في إمكانية تفعيل هذه الآليات وتنفيذها.. هو أن النظم المستبدة تخسر التحدي والعادلة تكسبه.

وإن أمعنا النظر في واقعنا العربي الراهن فإنه يمكننا أن نخرج بنتيجتين رئيسيتين فيما يخص ذلك السياق:

الأولى أن النظم التي تستغل الخطاب الديني لأهداف سياسية كلها نظم علمانية تسيطر على منطقتنا منذ رحيل الاستعمار، فقبل قرنين من الزمان لم يكن لمثل هذا الإشكال وجود في حياتنا، ولكنه أخذ في الظهور مع بدايات ضعف الخلافة وتفشي الظاهرة الاستعمارية وتمكنها من البلدان العربية. فقد أدرك الاستعمار منذ اللحظات الأولى أن وحدة هذه الأمة تقوم على وحدة هويتها، فأمتنا يجمعها الإسلام والعروبة معًا، وهما حبل متين لن يمكن اختراق هذه الأمة إلا بتمزيقه، وعليه فقد عمل هؤلاء بأشد طاقتهم على هدم بنيان الهوية الذي يجمع الأمة لتقع فريسة صراعات طائفية وعرقية بدلًا من أن يتخندق الجميع في خندق واحد يُمكّن الأمة من مواجهة أعدائها، فعملوا على علمنة الأنظمة الحاكمة وكان لهم ذلك، واليوم يعملون على وضع اللمسات الأخيرة في مشروعهم من خلال علمنة المجتمعات والمسلمين كأفراد.

ومع ذلك فإن تلك الأنظمة العلمانية التى تحكمنا لم تبتعد يومًا عن استغلال الدين لتحقيق أهدافها فنجدها تُطوع المؤسسات الدينية كالكنيسة والأزهر وتستخدمها في حشد الناس من خلال دغدغة مشاعرهم، ونجد علماء السلاطين بوقًا يردد سياسات الأنظمة الحاكمة ويروج لها وهم أعلم الناس بكذب ما يدعون الناس إليه، لا يعرفون من الآية الكريمة إلا نصفها الأول «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» أما نصفها الثاني «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول…» فلا نجد له عندهم ذكرًا.

كما أننا نجد من الملوك والرؤساء العرب وغير العرب من يطلق على نفسه ألقابًا إسلامية فهذا أمير المؤمنين وذاك يطلق عليه أنصاره خليفة المسلمين وهكذا.

أما النتيجة أو الحقيقة الثانية فهي كون التشريعات والقوانين الإسلامية والتي تمثل الخطوط العريضة للإسلام ليست شعارات رنانة أو عبارات يمكن استغلالها أو تحميلها أكثر من معنى، فهي واضحة وقاطعة لا تقبل التأويل وهذا يجعلها بعيدة كل البعد عن أن يتلاعب بها بشر، فحدود الله مصانة ومحفوظة لا يتعداها إلا الظالمون، فهناك تشريعات اقتصادية تُحرّم الربا وتنظم الزكاة والمعاملات المالية، وهناك تشريعات اجتماعية منها ما ينظم الأحوال الشخصية كقوانين الميراث وتعدد الزوجات وتحريم زواج المسلمة من غير المسلم وغيرها، وكذلك تشريعات سياسية تنظم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الدولة بغيرها من الدول من تحارب ومن تسالم… إلخ، ولعل هذه التشريعات السياسية هي التي تتعرض لأكبر قدر من اللغط والافتراءات لاتخاذها ذريعة للابتعاد عن منهج الله، وهناك مئات الكتب التي تناولت هذا الجانب ونظام الحكم في الإسلام للرد على هذه الافتراءات.

فما الذي يمنعنا من تطبيق شرائع الله وكيف يمكن أن تكون موضع استغلال؟!

وعليه فإننا يمكن أن نخلص إلى وجود فارق كبير بين منع «استغلال» الدين في السياسة، ومنع أو «فصل» الدين كله عن السياسة والدولة، فالأول مبدأ لا خلاف عليه وهو لا يرتبط بنظام بعينه إذ لا يتفشى الآن إلا في نظم علمانية صريحة، أما الثاني فهو مفهوم علماني مرفوض، زرعه الاستعمار لتفكيك الأمة، والتمسك به لن يزيدنا إلا ضياعًا وتشرذمًا، وكان المأمول من ثورات الربيع العربي القضاء على هذه المشاريع العلمانية التي أبت الثورات المضادة وأدواتها إلا أن تجعلها أكثر شراسة وقبحًا، ولكن الأيام دُول «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد