كان للسّقوط الحضاري للعالم الإسلامي السبق التاريخي على سقوط القوة، وهذا السقوط الحضاري لم يأتِ مرة واحدة، وإنما كان في منحنى طويل من التدهور ثقافيًا وفكريًا وعلميًا بل وأخلاقيًا، بحيث لم يحتمل الجسد القوي انهيار الأساس الحضاري فسارع هو أيضًا بالهبوط حتى السقوط.

وكانت الصدمة الحضارية (بعد الهزيمة من الغزو الفرنسي لمصر عام 1798) نتيجةً حتميةً للسقوط الحضاري، ومن ثمّ السياسي والعسكري. ومع هذه الصدمة الحضارية كانت الاستجابة تتراوح ما بين تصوّرات جزئية للخروج من المأزق (المغرب العربي) أو النظر للغرب بانبهار شديد ونقل النظم السياسية والعسكرية الغربية إلى بلاد المسلمين (تركيا ومصر)، على أساس أنّ من نقلوا هذه الأشياء ظنّوا أنها سر قوّة الغرب ولم يدركوا أنّ المؤسسات والنظم والهياكل مبنية على فلسفات، وأنها لا بد أن تنقل معها فلسفاتها، ومن هنا بدأت الحقبة العلمانية في الشرق الإسلامي في أوائل القرن التاسع عشر، ولكن يحسب للمغرب أنه حاول تقديم استجابات ولو جزئية ولكنّها إسلاميّة.

ولكن كلتا الاستجابتين لم تستوعبا أنّ الخلل في الحضارة وفي القوّة معًا، فعالجت الشق الثاني فقط، وبالتالي فأي رؤية أو استجابة ناجعة للتحدي الغربي (لسقوطنا وتفرقتا وهواننا وهزيمتنا واستضعافنا وأسرنا) لن يكون إلّا بأن تشمل هذه الرؤية تصورًا للإنشاء الحضاري والمواجهة الحضاريةً معًا، لتعالج شقيّ المشكلة.

والإنشاء الحضاري يعني الصعود مرّة أخرى والخروج من الهوة السحيقة التي سقطنا بها ويشمل ثلاثة أمور:

– استخراج قواعد فهم السلف، من خلال استقراء كتب فقهاء السلف لتكون واضحة في الممارسة والاجتهاد وليست عموميّات.

– إنتاج معارف وعلوم خاصة بنا مؤسسة على النموذج المعرفي الإسلامي.

– إنتاج تصور واضح وصحيح وتفصيلي للدولة وللمجتمع عند المسلمين.

ولن يتم إنتاج علوم ومعارف إلا باستخراج النموذج المعرفي الإسلامي، من خلال ما قدّمه الوحي من إجابات حول الله والكون والإنسان والحياة والمنشأ والمصير.

وبإقامة هذا النموذج المعرفي نستطيع أن ننتج مناهج البحث العلمي الخاصّة بنا للعلوم المختلفة، فإن العلم بمناهجه وليس بموضوعه، وإنتاج المعرفة متوقّف على مناهج البحث المستخدمة التي هي مؤسّسة على النموذج المعرفي الذي هو مؤسس على التصور لله والكون والحياة والإنسان والمنشأ والمصير.

نموذج معرفي، مناهج بحث، علوم، أدوات وتكنولوجيا، هيمنة.

فالنموذج المعرفي الغربي القائم على ما يسمّى فلسفات (عصر التنوير) هو نموذح معرفي مناقض تمامًا للنموذج المعرفي الإسلامي وذلك لأن النسق المعرفي لكليهما مناقض للآخر.

ولقد أنتجت الحداثة تصوّرًا للدولة والمجتمع في صورة فلسفات العلمانية (الليبرالية – الماركسية – الفوضوية – المحافظين…)

ثم استخدم الغرب القوّة في فرض نموذجه الحضاري على العالم، مما أنتج عالمًا خاضعًا للهيمنة الغربية بشتّى أشكالها وصورها، سواء: الهيمنة الإدراكية (في العلم والمعرفة والثقافة) أو الهيمنة المادّية (سياسية واقتصادية وعسكرية).

وأسّس هيئات ومؤسسات عالميّة للقيام على هذه الهيمنة الشاملة والمحافظة عليها ورعايتها، ومحاربة أي تصوّر أو تحركٍ مضاد لهذه الهيمنة.

والخطوة الأولى للإنشاء الحضاري هي إيجاد النموذج المعرفي الإسلامي الذي يحدّد ما هو العلم؟ وما هي شرائطه؟ وما هي الطرق المؤدّية إليه؟ وما الفرق بين هذا النموذج الإسلامي والغربي سواء في الأساس أو التصوّر أو النتائج؟

ثمّ في النهاية، بناء تصوّر للدولة والمجتمع عند المسلمين، يفهم البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدولة الخلافة، ويفهم التحولات السياسية والاجتماعية في بلاد المسلمين حتى السقوط الأخير لهم، وفَهم مُركّبات الهيمنة سواء داخليًا (حكام مستبدّين) أو خارجيًا (في الهيمنة الإدراكية والمادية بمؤسساتها وهيئاتها)، وفهم الضّلع الثالث وهو دولة إسرائيل كرأس حربة للمشروع الغربي في عمق أراضي المسلمين.

والمرتكز الثاني للرؤية المطلوبة هو نموذج المواجهة الحضاريّة. فلم تصبح المواجهة بيننا وبين الغرب مواجهةً عسكريةً فقط، وإنّما تطوّرت إلى مواجهة سياسية، عسكرية، اقتصادية، ثقافية جغرافية، فنجد أن لاحتلال مصر ثم تطويقها جغرافيًا من الجنوب وحصارها بحريًا من الشرق، والشمال، وإدخالها في دائرة النفوذ السياسي الغربي من خلال إدخالها في عجلة الاقتصاد الغربي ومساندة طموحات محمد علي السياسية ثم تشذيب أطرافه عند خروجه عن الخط المرسوم ثم جعل مصر محميّة غربية، وأيضًا إدخال اقتصادها في عجلة الاقتصاد الغربي الرأسمالي ومن ثم (إغراقها في الديون واحتلالها اقتصاديًّا من خلال اتفاقيات ترتّبت عليها أيضًا) بالإضافة لتغييرات تشريعيّة انتهت بتنحية الشريعة.

وخلال هذه المراحل كان الاختراق الثقافي للنّخب وتشرّبها للقيم والمفاهيم العلمانية، وكانت خاتمة هذه المراحل الاحتلال العسكري المباشر.

هنا نحن أمام نموذج غربي للمواجهة متعددّ المحاور لعمل شبكة أخطبوطية في السيطرة والهيمنة الغربية على بلاد المسلمين، ولذا يكون من العبث مواجهتها من خلال رؤى جزئية تقتصر على البعد العسكري أو البعد الثقافي أو البعد السياسي.

وخلال هذه المراحل كان الاختراق الثقافي للنّخب وتشرّبها للقيم والمفاهيم العلمانية، وكانت خاتمة هذه المراحل الاحتلال العسكري المباشر.

ولم يتم لهم ما يريدون إلّا باختراق العالم الإسلامي وإنتاج نخب جديدة، تشربت وتبنت النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة، بل والقيم والسلوك، وذلك لأن النخب هي التي تشكّل السلطة وتسيطر على المجتمعات وتنشر القيم والثقافة التي تؤمن بها في مجتمعاتها.

ومحورية النخبة ودورها القيادي ليست بدعة في الأمر فممّا يؤثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق».

بل أننا نجد أن الخلافة الإسلامية تقودها وتحكمها نخبة: تتوزع بينها القوة داخل الدولة والمجتمع، سواء الخليفة وجهازه الإداري، أو أهل الحل والعقد الذين هم قوّة رقابيّة مصدر تكوينها المجتمع، أو الفقهاء سواء أصحاب المدوّنات الفقهيّة أو المفتين والقضاة الذين هم خريجو مدرسة الفقهاء.

هذه النخب كما ترى تمثل السلطات في دولة الخلافة الإسلاميّة، وهي تسيطر على المجتمع والدولة معًا سواء بالشوكة المادية أو الشوكة المعنوية وهي التي تحدد القيم الحاكمة للدولة والمجتمع والمستقاة من الشريعة الإسلامية وهي التي تحافظ على الأمن الفكري للمجتمع، واستقراره وأمنه الخارجي ضد التهديدات، فهي محور القيادة والتوجيه، في الدولة والمجتمع بمكوناتها المختلفة والمتنوعة.

ولما حصل تفكيك واختراق لهذه النخب وتم تنحيتها ومن ثم إحلال نخب جديدة تؤمن بالعلمانية الغربية وقيمها، تم للغرب ما أراد من خلال إدخالنا تحت الهيمنة الغربية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا (أسر جماعي).

فالنخبة (السياسية – الاقتصادية – العسكرية – الثقافية) هي التي تقود التحولات الكبرى في المجتمعات، اجتماعيًا وسياسيًا، وهي التي تقود نهضة حضارية سواء داخل الحضارية الإسلامية أو الحضارة الغربية.

والمرتكزين الأساسيين لعملية نهوض الأمة مرة أخرى من كبوتها أو عودتها إلى الصعود والسيادة (وهما الإنشاء الحضاري والمواجهة الحضارية) لن تتما إلّا بإيجاد النخبة المؤهّلة أولًا.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل وجود النخبة يكفي وحده في حدوث النهوض حضاريًّا للأمّة المسلمة؟

الحقيقة أن وجود النخبة لا يكفي وحده لتحقيق الصعود الحضاري ما لم تمتلك هذه النخبة رؤية واضحة لاستجابة التحدي الحضاري ومعها أدوات قوّة لتنفيذ رؤيتها. تتسلم القيادة، وما لم تستطع أن تنتج خطاب يحشد الجماهير وراءه.

فالمعادلة إذن هي (نخبة مؤهلة + رؤية واضحة + أدوات القوة + جماهير مؤيدة = صعود وسيادة).

ولكن كيف نعدّ ونؤهل هذه النخبة؟

ما تعطيه لنا كتب التاريخ عن النخب وإعدادها يفيد، بأنه لا بد أن يشمل الإعداد المعرفي والخبرة العملية، ولن تنتج الخبرة العملية وحدها شيئًا لأن صاحب الخبرة الذي يستقى معرفة فقط من التجارب (تجاربه تحديدًا كما في حالة الإسلاميين).

إنما سيكون في المرتبة الثانية، لأنه يستقى فهمه من الماضي، الذي تجاوزته الأحداث والتطورات التي ستخرج حتمًا تصورات جديدة لم يعرفها لأنه حصر نفسه في الماضي وفي خبراته هو الشخصية.

أما العلم والمعرفة العلمية فتضمن لك خبرة الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل…بل إنه كما قال -رسول الله صلى الله عليه وسلم- (إنّما العلم بالتعلم) فحصر حصول العلم بعملية التعلّم.

وهذا عمر -رضي الله عنه- يقول (تفققهوا قبل أن تسودوا) فاشترط المعرفة أولًا قبل السيادة أو التصدّر، لأن الذي يسود قبل التفقه لأن يتفقه أبدًا في الحقيقة، وهو واقع نراه.

وهذا ابن كثير يقول (يذكر أنّه أرسلوا إلى معاوية رضي الله عنه عبيد الله بن زياد بن أبيه، يختبره فيما حصّل حال إعداد للولايات).

وهذا يظهر لك أنّ هذا الإعداد المعرفي للنخبة كان مفهومًا مستقرًّا لدى السلف رحمهم الله، وفي الحقيقة فنحن هنا لا نتكلم عن النخبة ومكوناتها وضرورتها بقدر ما نتكلّم عن المنهج في إعدادها معرفيًّا.

المنهج

بداية لا بد أن ننتبه أننا نتكلّم هنا عن المنهج المطلوب لإعداد النخبة في المواجهة الحضارية، أما الإنشاء الحضاري فله كلام آخر، نقول هذا رغم ارتباط الركيزتين في الرؤية المطلوبة، ولكن هذا حدّ المستطاع للعبد الفقير إلى عفو ربه.

1- لأي منهج هدف، والهدف من هذا المنهج إخراج طائفتين: رجل الدولة (قيادة سياسية استراتيجية)، وأهل الرأي (الباحثين وأهل المعرفة).

2- المنهج لا بد أن يشتمل على جانبين: جانب شرعي، وجانب واقعي.

3- المستهدف غرسه في الجانب الشرعي:
– الاتباع والاستدلال الصحيح.
– الفهم المرن والعميق للمصالح والذرائع والسياسة الشرعية.
– ضبط الفهم للاعتقاد سواء في القضايا العقدية القديمة أو القضايا الاعتقادية الجديدة (العلمانية – الحداثة – ما بعد الحداثة).

4- الشخصية المبتغاة من المنهج الشرعي هي إخراج الفقيه سواء المجتهد أو المتّبع.

5- الهدف من المعرفة الواقعية: التخصص العميق والقوي في علم من العلوم مع المشاركة في بقية التخصصات العلمية بمعنى أن تستهدف إيجاد الموسوعي وليس المتخصص بالمعنى الضيق.

6- لا بد أن يشتمل الجانب الواقعي على: ضبط منهجية البحث العلمي، وضبط التقنيات الفنيّة والمهارات اللازمة لإدارة الدولة وإدارة الصراع، وتختلف النسبة بين المكونين حسب الهدف: رجل دولة، أهل الرأي.
7- أن يكون المنهج منطلقًا من رؤية الصراع مع الغرب وهيمنته سواء الإدراكية (المعرفية – الثقافية – الفسلفية ) أو المادية (السياسية – الاقتصادية – العسكرية) فتكون رؤية الصراع حاضرة في الوجدان والتكوين والتصور.
8- ألا يكون المنهج أحادي النظرة بل يكون قائمًا على تكامل الشرعي والواقعي في التكوين، وتكامل العلوم داخل كل جانب سواء الشرعي الواقعي، حتى تتكون لدى النخبوي رؤية متكاملة شاملة مرنة.

9- أن يكون المنهج في جانبيه الشرعي والواقعي من خلال مراحل تراتبية للوصول للأهداف المبتغاة.

وهناك ثلاث روافد لهذا المنهج

الدراسة الأكاديمية الواقعية، القراءة الشخصية، الدراسة الشرعية المنهجية.

ويكمل هذه الروافد المقالات والأفلام الوثائقية والمحاضرات التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية، ولكن الروافد الأولى أساسية لأنها تضبط المعرفة والمنهجية العلمية، وهذا ما لا تقدمه المقالات والأفلام وغيرها، نظرًا لتعدد الروافد الفكرية بل والأهداف لأصحابها، بمعنى آخر لا بد من تكوين القاعدة المعرفية بروافدها الثلاثة حتى تستطيع تمييز الطيب من الخبيث والمنهجي، من غير المنهجي فيما يوجد على الشبكة العنكبوتية.

والجانب الشرعي سيكون هو الخطوة الأولى في التكوين قبل الجانب الواقعي، وذلك لتأسيس النموذج المعرفي الإسلامي لدى المتعلّم، وإعطائه الدراية الكاملة بالاعتقاد ودراسة الحضارة الغربية وفلسفاتها ونظرتها للدولة والمجتمع. أن يكون المنهج في جانبيه الشرعي، الواقعي من خلال مراحل تراتبية للوصول للأهداف المبتغاة.

فالذي سيقوم بتدريس الجانب الشرعي لا بد أن يكون قد تحصّل على الدراسة الواقعية والشرعيّة حسب هذه المنهاجية.

وإذا أردنا أن نرتب الروافد الثلاثة للتكوين سيكون كالآتي: تدريس المنهج الشرعي – القراءة الشخصية المنهجية (شرعيًا ثم واقعيًا) – الدراسة الأكاديمية الواقعية.

هذا هو تصوّري، وهذه إضاءات في المنهج، أرجو أن تفيد، والله من وراء القصد، والحمد لله ربّ العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد