في البدء يمكن تعريف التعصب بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدد في رأية فيرى نفسه دائمًا على صواب والآخر على خطأ دون الاحتكام للغة العقل والمنطق إلى هنا قد يبدو الأمر طبيعيًا، لكن الخطورة تكمن حينما يتعدى المتعصب حدوده ويفرض رأيه على غيره مع امتلاكه لمصادر القوة التي تخوله فرضها، وتجعله يتسبب في  إهراق الدماء وتفكيك النسيج الاجتماعي بحجة أحقية ما يدعو إليه.

 يعد التعصب عند علماء الاجتماع ظاهرة اجتماعية لا تعترف بدين أو لون أو حزب أو عرق أو طائفة وغيرها من التصنيفات فهو عابر للقارات متغلغل في جميع الثقافات بنسب متفاوتة ومتجذر في عمق التاريخ الإنساني حتى يومنا هذا.

يزعم المتعصب عادة امتلاكه الحقيقة المطلقة لذلك يبدو واثقًا فيما يطرحه فلا مجال للتشكيك والنقد مادام الحق في صفه فلا حاجة له لسماع الباطل الذي لم يعرفه أصلًا وهذا النمط من التفكير يجعل صاحبه يعيش في عزلة عن العالم فيحرم نفسه والمحيطين به من الانتفاع من خدمات الأمم الأخرى، وقد ساهمت الأنظمة العربية بشكل رئيس في ترسيخ هذه الثقافة بين شعوبها فقد شهدنا زعماء وأحزاب حكمت البلاد لعقود مضت وفق خط ونظام واحد غير قابل للنقد والتشكيك مع وأدها لأية محاولة انقلابية في مهدها فنشأت أجيال تحت حكم زعيم وحزب واحد بالتالي نمط تفكير واحد فلا غرابة إذًا في وجود تربة خصبة للتعصب الذي تعد العزلة وشمولية التفكير  من أبرز سماتها.

يرى بعض علماء النفس أن بواعث التعصب نفسيه فقد يكون ردة فعل طبيعية للممارسات التي تلقاها المتعصب في حياته من قبل خصومه وفي هذا نستشهد بطرفة مضحكة مبكية للمترجم الياباني نوبو اكي نوتو هارا الذي عاش بين ظهراني العرب 40 عامًا، وذكر  أنه حضر ذات مرة لقاء لحزب عربي معارض، ولاحظ تعلق أحد المتحدثين بالميكرفون وهو ينظر عن الديمقراطية والحريات طويلًا ولم يفسح المجال للآخرين، بالاضافة والتعقيب، فعلق عليه قائلًا: إنه قد مارس الدكتاتورية أثناء ممارسته للديمقراطية! ولم يرج الياباني بعد تلك الجلسة خيرًا في أحزاب المعارضة العربية في حال وصولهم إلى سدة الحكم كون نمط تفكير أحزاب المعارضة والحزب الحاكم واحد.

إن هذا النمط من التفكير نقيض الحرية والديمقراطية فعن طريق الاستماع للرأي الآخر تخف حدة التعصب تدريجيًا إذ إنه يتلقى حججًا تناقض ما يؤمن به فتتكشف له الحقيقة، فيرى أنه مصيب في أشياء ومخطئ في غيرها كذلك خصمه لديه صواب وخطأ، فيعود خطوة إلى الوراء، وربما يتراجع عن آرائه، لكن هناك عوامل أخرى قد تجعله يصر على اعتقاده كالحفاظ على مكانته أو مصالحه الشخصية وغيرها من العوامل ومعظم الناس في العادة يكرهون التحقيق في المسائل فالمرء كما قيل عدو ما جهل لذا لا يحب المتعصبون التحقيق فيسلكون طريق التكفير لبساطته بدلًا عن التفكير لصعوبته وعاده الحقيقة دائمًا ما تأتي مرة لا توافق الأهواء والرغائب ووحده الوعي بالذات هو مفتاح الخلاص من التعصب إذا كانت هناك إراده حقيقية للتغيير مع تحمل تبعاتها المرة.


يعد عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي من أبرز المفكرين الذين لاحظوا سيطرة هذه العقلية في العالم العربي وظل ينقدها ويحذر من أخطارها، لاسيما فيما يتعلق بشعور المتعصب بالانتماء لجماعته الذي تجعل منه مستميتًا فيما يؤمن به من معتقد متغافلًا عن مبادئه الأخلاقية، وفي هذا يقول:

إن الطائفية ليست دينًا، إنما هي نوع من أنواع الانتماء إلى مذهب أو شخص معين، والشخص الذي يتعصب لمذهبه لا يهتم بما في المذهب من مبادئ أخلاقية، فذلك أمر خارج نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو ما يوحي به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم، وبعبارة أخرى أنه ينظر إلى طائفته كما ينظر البدوي إلى قبيلته.

إن الحروب الطائفية باتت اليوم حديث الساعة، فقد نراها على الصعيد السني تحت مسمى الفرقة الناجية، أما على الصعيد الشيعي قد تأتي تحت مسمى الحق الإلهي أو ولاية الفقيه، لكن القرآن الكريم الذي تقرأه كافة الفرق والطوائف الإسلامية بمختلف تشعباتها كان خطابه راقيًا جدًا مع مخالفيه من خلال تخليده لحجج المعارضين لدعوته بين صفحاته، فكان أبعد ما يكون للتعصب حتى أنه أقر سنة الاختلاف وصرح بأنه كان سببًا لوجود الخليقة، وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.. فمهمة الأنبياء كانت في التبليغ ليس بالاكراه وفق خط صكه في سبيل الدعوة إلى الله عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، لكن سيطرة الفرق المتشددة على الوقع العربي مضت عكس خطته حتى في مجال الفقه الإسلامي هناك قاعدة أصولية عند السنة تقول: كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب، لكننا لم نعد نلمسها على أرض الواقع للأسف الشديد، إلا فيما ندر.


لقد فشلت معظم محاولات التقارب بين الطوائف والايدولوجيات المختلفة ولم نعد نسمع بها وبات مصطلح التعايش حديث المثقفين، 
إذ إن التعايش يقتضي قبول الآخر، رغم الاختلاف معه فيما يؤمن به للحفاظ عن مصالح كافة الأطياف، لأن التعصب يستنزف طاقات الجماعات والأحزاب وغيرها في النيل والتنكيل في الآخر، فضعنا بسببه وضاع ديننا وضاعت أوطاننا، ولا بد من تكاتف الجميع ضده لكونه نقيض الحرية والديمقراطية والتسامح والسلام الذي تنشده الشعوب العربية وتطالب به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد