في عصرنا هذا تُبّاح الدماء وتنتهك المنازل وقد تحوّل مُدن تضج الحياة بها إلى قِفار، قد تجف الأحلام وتُسلب وهي في ريعان ربيعها، وتوأد الآمال قبل أن ترى نورًا، قد يعم الفساد ويكثُر الخِداع ويطغى ظلامه الدامس على نور الحقيقة الذي كان كالشمس في كبد السماء قبل أن يخفت شيئًا فشيء.

نعم عزيزي القارئ كل هذا يحدث الأن في أماكن عدة وممكن أن تكون أي أرضٍ تربة خصبة لمثل هذه النوازل إن توافرت العصبية القبَلية لديها. فالتعصُب للقبيلة أو للون أو لفئةٍ معينة ينتمي لها الفرد يبدأ من صغيرات الأمور حتى تعظُم خواتيمها، فهذا ليس من قبيلتي أرفض طلب توظيفه، وأستقدِم ابن القبيلة حتى وإن كان لا يمتلك المهارات المطلوبة.

وذاك يختلف عن لوني أُدمره، وتلك من ديانة أخرى أقتلها، وهذا ينتمي إلى حزبٍ آخر أُحيك المكائد له، وأخرى تتبع مؤسسةً أخرى، وعلى هذا الوتر يستمر العزف وتتسع دائرة التزمت شيئًا إثرَ شيء، وبين ذاك وتلك ومُختلِف ومطابق تضيع الأمم وتخبو نارُ النهضة.

وجديرٌ بالذكر أن التزمُّت والتعصُب يُولد الحقد في النفوس وما أتعس النفس التي يتولاها حقدها وما أشد بؤسها، إذ نجد مؤسسات وأفراد يقضون جُل وقتهم في البحث والعمل لتعزيز قوتهم وإضعاف أفراد أخرين في ذات المجتمع فلا يدعون التناحر والشقاقَ فيما بينهم إلا وقَواهم منهكة، وعقولهم متلفة، والمُجتمعُ خرابٌ من حولهم، فيخرجون بعد ذلك بمعتقداتٍ وتقاليد نتنة يتشبثون بها ويورثونها لأبنائهم لتستمر بذلك عجلة التعصُب بأشكاله المختلفة جيلًا إثر جيل.

ومن ذاك التحيُز والتزمُّت يُكال الأمر إلى غير أهله، وأي ضرر وبلاء يلحقُ بنا من نِتاج هذا الأمر وأي ويلات سنلبثُ أحقابًا في حصادها ! فعندما نرى أهل الشأن والاختصاص يُنحونَ بعيدًا عن أعمالهم ويُستخلف غيرهم ممن لا يحسنون القول والعمل فقط لأجل إرضاء غرور القبيلة، فإنها الطَّامَّة الكُبرى ومثل هذا العمل ما هو إلا عصا في عجلة البناء. فَكم من علم لم ير نورًا لظلمِ كهذا أحاطَ به! وكم من جهل حلَّ علينا كماءٍ صُبَّ من أعلى الجبل فلم نقو على إيقافه!

إذ إن التعصب وما يتبعه من حماقات لا يقتصر على فئةٍ من الناس فهو داءٌ قد يُصيب بُسطاء القوم وسادتهم، قد يُسيطر على فِكر المُثقف، ويغرس نابيه بعقل الأُمي، قد يمتثِل بكلمات طفلٍ صغير لم يبلغ الحلم وأفعال شيخٍ كهل صبَّغ البياض لحيَته.

دعوها فإنَّهَا مُنتِنة بهذه الكلمات أزال الرسول مُحمد عليه الصلاة والسلام الأغشية عن أعين قومه ليوضِح لهم البلاء العظيم الذي سيعود على الفرد والمجتمع إن هم ابتغوا العِزة.

كُلٌ بقبيلته وعِرقه

ومن أراد ان يبحث في صفحات التاريخ عن الأهوال التي سببها التعصُب للون أو عرقٍ ونسب بالتأكيد سيجد ضالته بسهولة، فالأحداث كثيرة وكُتب التاريخ ذاخرة بمثلها، لكن يبقى السؤال ها هنا، أين الفائدة بمثل ذلك؟ أي عزٍ يناله المرء باسم قبيلته أو جنسيته؟ أي فخرٍ يُرجى بنسبٍ أو لون؟

أو ليس من باب أولى أن يفتخر الإنسان بما صنعته يده وبما يقدمه من فوائد للناس من حوله، بدلًا عن الاعتزاز بأعمال ليس له بها حولٌ ولا قوة؟ أو ليس الصواب أن نساند الحقيقة ونشدد أزرها، حتى وإن كانت ضد مصلحة القبيلة؟ هل من الصعب علينا أن نتحرر من براثن هذه الآفة كي تكون الكلمة العليا للحق والجهد والعمل، وليس للقبيلة واللون والنسب؟ أسئلةٌ عديدة هي بالحقيقة حلولٌ للرقي بأنفسنا والمجتمع من حولنا إن نحن أوفيناها حقها من التفكُر والتدبُر والعمل.

وفي خِتام القول نستذكر قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. الحجرات 13.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد