تمهيد

معرفة النفس على قواعد وأسس وضعها علماء جهابذة أفنوا أعمارهم بحثًا في جميع حقول علم النفس، يُعطي العقل انفتاحًا، والصدر انشراحًا، والقلب سعة وانفساحًا.

ذلك أنّ النفس البشرية لغز وسر حلّه يكمن في معرفتها من جوانبها المختلفة، وجهاتها المتعددة، فمن عرف النفس سهُل عليه حلّ طلاسم أسرار المشاكل، التي يعاني منها في الحالات السوية العادية، أو ما يطرأ عليها من أمراض وأزمات.

تاريخ علم النفس

كان علم النفس يدرس كفلسفة في أوائل الفكر الإنساني، ولما مضى أكثر من حوالي مائة سنة على استشفاف إمكان وجود علم نفس علميّ يقوم عن طريق الملاحظة والتجربة، بدرس ردود الفعل عند الكائنات العضوية الكاملة في مختلف ظروف البيئة المحيطة بها.

منذ هذا التاريخ أصبحت مهمة عالم النفس العمل على إحداث تغيير منتظم ومُمذهب، في هذه الظروف بغية إيضاح «القوانين» التي تتحكم في ردود فعل هذه الأجسام العضوية «إنسان أو حيوانات». وفي الحالات التي لم تكن هذه التغييرات التجريبية ممكنة التحقيق، لا سيّما في حالات علم النفس الإنساني، كان عالم النفس يبذل جهده، على أيّ حال، وقدر المستطاع، في أن يستعمل الملاحظات التي يمكنه استقاءها.

في خلال القرن التاسع عشر تميزت السيكولوجيا عن الفلسفة، ليس في الهدف فقط، بل في المنهجية كذلك، التي هي جوهر كل العلوم، منهج يقوم على وضع الفرضيات، وعلى الاختبار الذي يكون للوقائع المؤسسة أو المصاغة موضوعيًا «أي بشكل يُمكن أيّ مراقب من أن يتحقق منها عندما يكون ملمًا باستعمال التقنيات التي استعملت لإثبات تلك الوقائع».

موضوع علم النفس

لما كان علم النفس فرعًا من الفلسفة ينقاد لطريقتها في البحث، ويدرس موضوعات أكثرها ذو طابع فلسفي صريح أي لا تدخل في نطاق العلم بمعناه الحديث. لذلك لا نجد تعريفًا واحدًا له يجمع عليه كل الباحثين. بسبب تعرضه أثناء نموه وتطوره لمؤثرات عدة من العلوم الطبيعية على اختلافها جعلت علماء النفس يختلفون في وجهات نظرهم إلى طبيعة الظاهرة النفسية وتأويلها.

1. العلم الذي يدرس الحياة النفسية وما تتضمنه من أفكار ومشاعر وإحساسات وميول ورغبات وذكريات وانفعالات.

2. العلم الذي يدرس سلوك الإنسان، أي ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وحركات ظاهرة.

3. العلم الذي يدرس أوجه نشاط الإنسان وهو يتفاعل مع بيئته ويتكيف لها.

وإذا تأملنا هذه التعاريف الواردة في علم النفس وجدناها تصب في معنى واحد يدور حول ثلاثة أنواع من النشاط:

1. النشاط السلوكي الحركي واللفظي «نشاط ظاهر خارجي» – موضوعي objective – يمكن أن يلاحظه ويبحثه أشخاص كثيرون غير الشخص الذي يصدر منه.

2. النشاط الذهني العقلي، وكذلك النشاط الوجداني والانفعالي، وهو نشاط داخلي باطن – ذاتي subjective – لا يمكن أن يشعر به وأن يدركه وأن يلاحظه إلا صاحبه وحده دون غيره من الناس.

فالظواهر التي يدرسها علم النفس، عقلية كانت أم وجدانية أم حركية، تشترك كلها في أنها أوجه نشاط تعكس تأثر الإنسان ببيئته وتأثيره فيها.

مجالات علم النفس

علم النفس يدرس سلوك الحيوان والنبات، في أبسط عمليات هذا السلوك وأعقدها، أصبح لعلم النفس حقول في ميادين تجريبية وحياتية مختلفة، ولم يعد من الجائز ألا يكون الطبيب، مثلاً، أو المحامي، أو المربي، أو رب العمل، أو السياسي، أو رجل الدولة… إلخ، مثقفًا ثقافة نفسية ملائمة. بالإضافة إلى هذه القائمة العامة في هذا العلم المهم، هناك فروع تخصص في ميادين علم النفس تكاد تشمل جميع نشاطات الإنسان. وهذه بعض الفروع:

1. علم النفس العام: يدرس المبادئ الأساسية لجميع الفروع الأخرى، فيحاول اكتشاف القوانين العامة التي تحكم سلوك الإنسان الراشد السوي، وموضوعاته الأساسية الغرائز والميول؛ العادات وتكوينها؛ الإرادة؛ الإحساس والإدراك؛ الانفعالات والعواطف، الذاكرة؛ التفكير؛ التعلم؛ المخيّلة؛ الذكاء.

2. علم النفس الفيزيولوجي: يدرس العمليات الفيزيولوجية السلوكية، وبخاصة وظائف الجهاز العصبي وما يؤثر فيها سلبًا أم إيجابًا والغدد الصماء، وأعضاء الحس. كما يدرس الأساس الفيزيولوجي للميول والدوافع البيولوجية من جوع وعطش وجنس.

3. علم النفس النمو: يعالج مراحل النمو الإنساني المختلفة، فيدرس مراحل الطفولة والمراهقة والرشد والشيخوخة من نواحيها كافة.

4. علم النفس الاجتماعي: يدرس سلوك الأفراد والجماعات والتفاعلات بين الفرد والجماعة، والعلاقات بين الجماعات بعضها مع بعض. كما يدرس ثقافة الجماعة والرأي العام، والمشكلات التي تنشأ في الجماعات المختلفة كالتعصب الديني أو السياسي.

5. علم نفس الشواذ: يدرس حالات التخلّف العقلي، والأمراض النفسية والعقلية والانحرافات المسلكية وأسبابها.

6. علم النفس الإكلينيكي: يعنى بتشخيص المشكلات السلوكية والانفعالية، كما يدرس الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية ويصف لها العلاجات اللازمة. ويتعاون عالم النفس المتخصص في هذا المجال مع مستشفيات الأمراض العقلية وعيادات الصحة النفسية، والمؤسسات التي تعنى بالمتخلفين عقليًا، والمدارس الإصلاحية، والسجون. كما يمكنه أن يفتح له عيادة خاصة يتعاون فيها مع الأطباء النفسيين والمرشدين الاجتماعيين.

7. علم النفس التربوي: يشدد على سيكولوجيّة التعلم وبخاصة التعلّم المدرسي وطرائق التدريس، ومناهجه وملاءمتها للمراحل الدراسية المختلفة، وإعداد المعلمين والعمل على رفع الميول الدراسية لدى التلاميذ، وتبصير المعلمين والعمل على رفع الميول الدراسية لدى التلاميذ، وتبصير المعلمين بالحقائق العلمية المستقاة من سيكولوجية النمو والذكاء والتذكر.

8. علم نفس الإرشاد والتوجيه: يعنى بالأصحاء من الصغار والراشدين. فيهتم بمساعدة الكبار الأسوياء على حل المشكلات التي تواجههم في بعض المواقف الصعبة.

9. علم النفس الصناعي: يهدف إلى حل المشكلات المتعلقة بالعمل والإنتاج، ومساعدة العامل على التكيف مع العمل الذي يقوم به في المصنع.

10. علم النفس الجنائي: يدرس ظروف الجريمة وأسبابها ودوافعها ووسائل الوقاية منها.

11. علم النفس الحربي: يعنى برفع الروح المعنوية بين الجنود.

12. علم نفس الحيوان «علم النفس التجريبي»: يعنى بإجراء التجارب على بعض الحيوانات.

13. علم النفس المقارن: يقارن بين سلوك الحيوان والإنسان، وبين سلوك الإنسان الراشد وغير الراشد، وبين الإنسان المتحضر والبدائي، وبين الإنسان السوي والشاذ.

14. علم نفس الشخصية: يعنى بدراسة الشخصية الإنسانية، وتكوينها، وقياسها، وأنماطها، والفروق الفردية بين الأفراد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب النفس البشرية. دعلي ماضي.
كتاب أصول علم النفس. دأحمد عزت راحج
كتاب علم النفس في ميادينه وطرائقه. د علي زَيعُور
عرض التعليقات
تحميل المزيد