في عام 1996 خلص البروفيسور كلير جريفز Clare Graves – بعد ما يقارب 20 عامًا من الأبحاث – إلى نظريته الخاصة في تفسير تدرج مستويات الوعي الإنساني في ما سماه Spiral Dynamics.

ترتكز نظرية جريفز على أن الإنسان والبيئة يؤثر أحدهما على الآخر، فتغير ظروف الحياة هو أكبر دافع لتغير الناس. فعندما تشعر بعدم الارتياح يدفعك ذلك إلى الانتقال من حالتك إلى حالة أخرى متكيفًا مع الوضع الجديد، كما يحدث في كافة أشكال الحياة على كوكبنا.

بنيت فكرة ديناميكا الدوامة Spiral Dynamics على فكرة التكيف والتغيّر التي تسمح لنا كبشر ناضجين بالعيش في الظروف المختلفة. وهو آلية للوعي، وطريقة للتفكير بمستوى من الفهم، وطريقة استثنائية للتأمل الذاتي. كما يعتبر خريطة جيدة لفهم كيف تسير الحياة ويفكر الناس.

مستويات الوعي الإنساني

يقول جريفز: كل شخص يحق له أن يكون الشخص الذي هو عليه.

مشيرًا إلى أنه وضع تصنيف مستويات الوعي الإنساني لتمييز كل مستوى عن الآخر، وليس لتفضيله عليه، فلا نستطيع لوم إنسان يعيش بوعيه في مستوى معين.

وقد أشارت نتائج أبحاث جريفز أن كل شخص يبدأ من نفس النقطة ثم يتغير مساره عبر المستويات المختلفة اعتمادًا على تعامله مع ظروف الحياة المختلفة وتكيفه معها.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين طبقوا هذه المستويات على مجالات مختلفة كالوعي الحضاري الذي يصنف الأمم ضمن هذه المستويات، أو الوعي العاطفي، حيث يتم تفسير طرق اختيار الشريك بناء على مستوى الوعي الذي يعيش فيه الشخص.

وقد أعطى جريفز لكل مستوى من هذه المستويات لونًا محددًا، وتخيلها بشكل دوامة حلزونية تتدرج فيه المستويات من الأدنى إلى الأعلى اعتمادًا على تأثيرها العام والخاص، الغريزي والذاتي والإنساني والكوني، مع احتفاظ كل مستوى من المستويات الثمانية بخصائصه الإيجابية والسلبية.

المستوى الأول: مستوى البقاء

يهيمن على هذا المستوى الرغبة في البقاء، حيث يكون تعقيد العالم الخارجي بعيدًا عن فهم الشخص بسبب قلة الخبرة والتجربة ونقص البيانات، حيث لا يعرف الإنسان سوى جسده وحاجاته الخاصة ومحيطه الضيق، فتصبح أكبر همومه تجنب الشعور بالجوع، وتجنب الألم، والبحث عن الأمان. تدفعه مخاوفه وعواطفه وحاجاته البيولوجية والنفسية.

المستوى الثاني: المستوى القبلي

حين يحقق الإنسان بطريقة ما حاجاته الأساسية يبدأ وعيه بالتوسع في محيط أوسع قليلًا. في هذا المستوى تهيمن الروابط القبلية العشائرية، ويبدأ المرء باتباع للسلطة العليا والتقاليد.

حيث يشكل فيه مجموعة من البشر الذين تجمع بينهم رابطة الدم جماعة أقوى وأكثر قدرة على البقاء على قيد الحياة من الشخص منعزلًا. ويكون لهذا التجمع قائد ذو سلطة ونفوذ، يتم الخضوع لرأيه واتباع الطقوس دون سؤال أو تفكير.

من الناحية الإيجابية قد يعني هذا المستوى الحفاظ على السلامة عبر روابط الدم والأسرة الممتدة والاحتماء بسلطة الشيوخ والقادة، لكنه رغم ذلك محصور في محيط ضيق، تتبع فيه الطرق التقليدية للعيش والخضوع لقوانين الجماعة.

المستوى الثالث: الأنا

وهو يهدف إلى إرضاء الرغبات الشخصية، والبحث عن الإشباع الفوري دون مراعاة الآخرين أو الشعور بالذنب، وشعاره: إن كنت أريده فسأحصل عليه.

يصبح الحصول على الاحترام والسمعة الجيدة هو الهم الرئيسي لمن يعيش في هذا المستوى، ويخشى من يعيشون في هذا المستوى الشعور بالضعف، ويحاولون الهروب منه بطرق مختلفة كممارسة الأنشطة الرياضية التي تتحدى الطبيعة.

وقد يستخدمون القوة وتخويف الآخرين لفرض سلطتهم ، كما يسبب حرمانهم من الموارد أو الفرص التي يحتاجونها إلى حالات العنف والسلوك المعادي للمجتمع.

يرى جريفز أن هذه الشخصية تكمن في كل شخص منّا، ونحن نحتاج إلى تحويل هذه الدوافع إلى شكل صحي للتغلب على العقبات والابتهاج بالحياة والنجاح، وإذا أنكرنا هذه الحقيقة فسوف نصاب بالكبت والعنف الكامن والاكتئاب، لأن الرغبة في إثبات الذات عنصر أساسي في الحياة، لذلك يجب اكتشاف هذه الطاقة والتغلب على التحديات التي تقف في طريقها.

المستوى الرابع: الفكري

في هذا المستوى يبدأ الإنسان بالبحث عن المعنى والهدف في الحياة، والاعتراف بأن الجهد المشترك سيحقق الاستقرار.

يبدأ الشخص في هذا المستوى بالبحث عن جماعات ينضم إليها كالنوادي والفرق والجماعات السياسية، ويحاول أن يصبح عضوًا في توجه ما، فيبحث عن الانتماء والاعتراف بالجهد في إطار فريق.

الانتماء الديني يندرج ضمن هذا المستوى حيث يوفر إجابات على الهدف والمعنى من الحياة، كما يشكل تجمعات وفرق تدافع بقوة وحماس عن أفكارها، مما يوفر نوعًا من الأمان للفرد الحائر فكريًا. فالشعور بالأمان الطائفي يجعل المعاناة الفردية بعيدة عن التهديد.

المستوى الخامس: البراغماتي

يتميز هذا المستوى بالاستقلال والمكافأة على الجهد، والشعور بالحرية الشخصية دون قيود فكرية، ويوفر حلولًا عملية مفتوحة في الحياة ومجالات للمنافسة.

في هذا المستوى يمكن تحقيق النجاح الشخصي في العالم المادي، وهو يهدف إلى الفوز في كل الأحوال. ويتضمن الشعور بالمخاطر المحسوبة في رحلة النجاح، والتحكم، والإنجاز، ووضع الاستراتيجيات، واستخدام التكنولوجيا، والقدرة التنافسية، والتأثير على الآخرين ربما لتجنب خلق عداوات معهم.

قد تكون من سلبيات هذا المستوى: الجشع والتقليل من قيمة الإنسان، إلا أنه يرفع من نسبة الوعي والتأثير على المجتمع وتطويره ماديًا.

المستوى السادس: الإنساني

مستوى الإنسانية ورعاية الآخرين، يقوم على الشعور بالمساواة والرغبة في تقاسم الموارد على نحو عادل ومستدام مع الآخرين، واحترام مشاعرهم والعمل من أجل الصالح العام.

يتميز هذا المستوى برفض المادية والبراغماتية ويحاول خلق الانسجام لتتحول الأهداف الشخصية إلى أهداف جماعية، ويقوم على التقبل والتعايش، ويخلق جوًا سياسيًا واجتماعيًا صحيًا، ويحقق اتصالًا أوسع، وتذوب فيه الذات في الجماعة ويصبح الجميع فيه متساوين.

المستوى السابع: التكامل

مستوى المرونة، وإعادة تشكيل الواقع، والقدرة على الاستجابة لأي تغيير، ورؤية الحلول المناسبة لظروف الحياة السائدة وتنفيذ ما يحتاج العالم لا ما يريد الناس.

يتضمن هذا المستوى الإيمان بالفرد والجماعة معًا وليس ذوبان أحدهما في الآخر كما في المستويات الأخرى، حيث تترابط فيه جميع أشكال الحياة والعلوم والإنتاج البشري لرؤية الصورة العظيمة للحياة.

المستوى الثامن: الكلي

في هذا المستوى يندمج إدراك الذات مع إدراك الكون، وتترابط فيه جميع أشكال الحياة وليس البشر فقط، فيصبح كلًا متكاملًا يتأثر كل جزء فيه بالآخر.

لا ينظر إلى أي عمل بمعزل عن علاقته بالكون، لتتحقق الشمولية، وليس طقوس التسلط التي يفرضها المستوى القبلي، والأنانية، أوالتحيز الفكري الجامد، والبراغماتية المادية.

تصبح هناك رؤية واضحة بأننا مجموع ليس للبشر الموجودين فقط، بل مجموع لأسلافنا ولكل المخلوقات على كوكب الأرض. وتصبح وجهات النظر متعددة وسهلة ومتوازنة، ليس للفرض، بل من أجل مصلحة الكل.

عن Spiral Dynamics يقول كلير جريفز:

أفترض أن سيكولوجية الإنسان الناضج تتطور وتتأرجح، وتتدفق عبر مسار حلزوني من المستوى الأقدم إلى الأحدث في ترتيب هذه المستويات.

ويرى جريفز أن تطور وعي الإنسان ينقله من مستوى إلى آخر مع تداخل هذه المستويات في داخله دون أن تمحى تمامًا. فكل مستوى متصل ومرتبط بالآخر، وهذه المستويات تنقل الإنسان من العزلة والوحدة والمحاولات الفردية للبقاء على قيد الحياة، إلى فهم تعقيدات الكون نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد