(1)
التاريخ الإسلامي معضلة كبيرة في أثناء دراسته والخوض فيه، معظم الكتابات التي خاضت في التاريخ خصت المرحلة السياسية، كأرقام التواريخ وبجوارها الخليفة الحاكم، ومما تضمنه إيجابياته وسلبياته، (ولادته، عام حكمه، فترة حكمه، وفاته)، يغيب عنا تاريخنا المخفي، هذا التاريخ المفقود، التاريخ الذي يحوي الحياة الاجتماعية، وأسس الحضارة من “علم، وثقافة، وأدب، وشعر، وطب، وفلسفة، ومفسرين، وعلماء الفقه والشريعة، والفلك وعلوم الإدراك البصري والجغرافيا، وعلم الاجتماع، والتراجم، والمتكلمين والمتحدثين، والعلماء التجريبين، والحرفين، والصوفية، والزهاد، والصناع، والفنانين”.

وغاب في التاريخ صورة الواقع المجتمعي من: “الدواوين، والمؤسسات، والعمارة، وتمصير الأمصار، والصناعات، والتجارة، والزراعة، والخانات، والأسواق، والمدراس، والمكتبات، والمساجد، والدواوين، والمجالس الثقافية والأدبية والشعرية، والتكية، والمزارات”.(1)

يغيب كل ذلك، ويتلخص التاريخ عند البعض في الحالة السياسية، وليست الحالة السياسية كلها، بل في الحكم، وليس في فلسفة الحكم الإسلامي، بل فيمن يحكم وكيف يحكم، فتغيرت فلسفة كتابة التاريخ ليتحول إلى تراجم السلاطين والحكام وفقط، فكتب التاريخ صماء جوفاء، لا تعبر عن حالة، ولا تنقل صورة الواقع الإسلامي. وقد حصرت التاريخ في شبهات عدة، منها: “دولة الإمبراطورية، وسلطوية الساسة، والانقسام إلى دويلات، والصراع على الحكم”.

 

والواقع المختلف تختص به الأمة وتنفرد به عبر تاريخها، وهو: “تحجيم الدولة، وتعظيم الأمة”، نعم فالإسلام أعطى للأمة واجبات عديدة فعظم دورها في المجتمع، بينما انحصر دور الدولة وتوغلها في المجتمع، عكس الدولة الحديثة بالمفهوم العلماني، والتي تحول الدولة بشتى مفاصلها إلى مؤسسات تتبع الدولة، فيكون توغل الدولة في كل صغيرة وكبيرة في المجتمع يمحق حرية المجتمع في تشكيل نفسه ورؤيته وإبداعاته، فيخلق نمط سلوك إنتاجي “مدجن”، لكي تستطيع الدولة توجيه المجتمع عبر التعليم والثقافة والإعلام والتربية، فتقوم بتغليف أدمغة ووضعها في “كراتين” لتباع كمنتج في الفترينات.

بينما عرفت الدولة في الإسلام دورًا أكبر لحجم المجتمع والأمة في تشكيل ذاتها، فخلقت العديد من المدارس الفكرية والفلسفية حتى أصبح مفهوم المؤسساتية في الإسلام عبر الأمة وليس عبر الدولة (الوكيل الحصري لكل شيء كما يتبناها العلمانيون) فتجد الشخص في الدولة عبر التاريخ الإسلامي يستطيع أن يشكل نفسه تشكيلاً معرفيًّا خالصًا باختياره المدرسة الفكرية، واختياره لعلمائه الذين سيتتلمذ عليهم، مما دعى البعض لضرب الأميال والمسافات الطوال لكي يأخذ علم ولو حديث واحد من عالم واحد، أو ليستعين به في مسألة واحدة.

 

فاستطاع قطاع عريض من العلمانيين تزييف التاريخ، وأيضًا إثبات بعض المزاعم التي أرادوا أن يلصقوها بفلسفة الإسلام في الحكم، بل وتعدى الأمر لبعض الدارسين للتاريخ الإسلامي، والذين تحولت نظرتهم للتاريخ لنظرة سلبية في تحول الخلافة الراشدة التي ضربت نموذجًا في الحكم إلى ملك عضود (كما يزعمون) ابتداءً من الدولة الأموية ثم العباسية والعثمانية، حتى غزت تلك الشبهات واقع تاريخنا المعاصر من تحويل الخلافة العثمانية إلى الاحتلال العثماني أو الغزو العثماني، بينما تحول الاحتلال الفرنسي من احتلال إلى حملة فرنسية، كلمة في حد ذاتها تخف وطأة كلمة “الاحتلال” بتبديلها بكلمة خفيفة على المستمع “حملة” أو كلمة “استعمار” أحد مشتقات فعل “عَمر”.

وهي محاولة العديد اجتذاذ التاريخ الإسلامي، وكأنه الوحيد الذي اجتمعت فيه سلبيات الحكم وأنظمة السياسة، عبر مقارنة قاصرة تقارن بما وصل إليه هذا العصر في القرن الواحد والعشرين من اجتهادات ليحاكموا التاريخ الإسلامي بتلك الاجتهادات، وقد تركوا التاريخ الروماني دون محاكمة، بينما نجد أن التاريخ السياسي للرومان الأفظع تدهورًا وبعدًا عن تلك القيم السائدة في هذا العصر، ولكن تتم محاكمة التاريخ الإسلامي فقط، وعدم محاكمة غيره.

كل ذلك وهم يتحدثون ويقيمون عبر القرن الواحد والعشرين، ولم ينتقل أحد إلى سنة 600 ميلادي، ولم يقارن ما بين فلسفة الحكم في الإسلام عبر هذا التوقيت، وبين فلسلفة الحكم عند الرومان – أصل امتداد لنموذج الحكم العلماني-، واللذان اشتركا في خصيصة أن شكل الحكم كان عائليًّا إمبراطوريًّا، كان هذا شكل الحكم عبر هذا الزمن وهذا العصر، فأريد منك أن تنتقل برأسك وتتجول عبر 50 سنة للوراء (خمسين سنة فقط لا تزيد) لو قلت لأحد مواطني هذا العصر سوف أنقل أفكارك عبر الفضاء الإلكتروني ولا يلزم تواجدك شخصيًّا، وسوف يتحول بريدك الورقي إلى بريد إلكتروني تستطيع أن تتصفحه عبر هاتفك الخلوي، وهو بالأساس لا يعرف الهاتف الثابت الذي لم ينتشر بعد في العالم العربي.

 

ما وقع هذه الأسئلة إذا طرحتها عليه؟ وقع هذه الأسئلة إجابة واحدة وهي توصيفك بالجنون، فمحاولة مقارنة نظام الدولة في الإسلام باجتهادات السلف منذ 1400 عام باجتهادات البشرية الحالية عبر ألياتها من “انتخابات، وديمقراطية، وصناديق، وتصويت، وبرلمان، ومجتمع مدني، ومؤسسات، وحرية رأي وتعبير، ومواطنة… إلخ” من أشكال الأدوات والآليات التي نتجت من الاجتهادات البشرية في العلوم السياسية ما هو أيضًا إلا مقارنة من ضروب الجنون.

 

ومن وجهة نظر أخرى حين ننتقل إلى عمل مقارنة في أنظمة الحكم يجب علينا أن ننتقل لندرس مظاهر الحكم في نفس الفترة المعينة، وهنا نصل لمراد هذا البحث من الأساس، وهو توصيف بعض مظاهر حكم الإمبراطورية الرومانية في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، لكي نستطيع عمل مقارنة حقيقة على اجتهادات المسلمين والرومان في الحكم عبر نفس الحقبة الزمنية.

 

ولعل تلك الشبهات التي تدور حول التاريخ الإسلامي يقف عندها العرب والمسلمون موقف المتعجب منها لأنها بُرزت وكأنها جل التاريخ، ويجد لها صدى في الواقع التاريخي لأننا مهتمون به، فعند ذكر موقعة معينة نتذكرها ونتداركها لأنها من تاريخنا، بينما على الجانب الأخر تجد جهلاً واضحًا وفاضحًا بالتاريخ السياسي للرومان في نفس الفترة الزمنية لأنه تاريخ غيرنا، مما يجعل تلك الشبهات تكون هي فقط المخزونة في الأدمغة في ظل غياب أي أثر لتاريخ الرومان، وكأنه هو التاريخ الناصع.

 

والغريب أيضًا أن من يتحدث عن تاريخ الفراعنة مثلاً نجده لا يتطرق إلى الحكم عند الفراعنة وصناعة الفرعون، بل يتحدث عن مظاهر الحضارة التي شيدوها، ومظاهر المعابد والتماثيل والأهرامات، بينما يبتعدون عن الحديث عن حكمهم كسياسيين، حيث وصل بهم الحال لتأليه الحاكم وعبادته، حكمًا شموليًّا يورث، وكل حاكم نصب نفسه إلهًا في أحد المجالات.

 

وهذا يدلل على عدم وضع معيار معين لمحاكمة فترة تاريخية معينة محاكمة سياسية معينة، فالغرض هو تشويه تاريخ معين في حد ذاته، فأشملوا التاريخ الإسلامي بتاريخ ملوك وحكام، وأفردوا تاريخ حضارة للفراعنة، وعلى العكس عند الحديث عن الحضارة والقصور والعمارة فصنفوها داخل التاريخ الإسلامي كرمز للبذخ في القصور المليئة بالذهب والفضة والأججار الكريمة، بينما صنفوها في التاريخ الفرعوني كرمز للحضارة وفنون العمارة.

 

وأود التأكيد على أن هذا الطرح ما هو إلا اجتهاد مني حول القصور الذي شاب تدوين التاريخ الإسلامي، قد يختلف أو يتفق معي الكثير فيما أطرحه، ولكنها تظل نقطة جدل يجب أن ندرس ملامحها، وقد قمت بتقديم هذا البحث عبر ندوات كونت بؤر نقاش حولها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, تاريخ, كتب

المصادر

1) كتاب المؤسسية والمؤسسات في الحضارة الإسلامية – د.محمد عمارة – دار السلام.
عرض التعليقات
تحميل المزيد