يعيش المجتمع الغربي أزمةً جدلية منذ القرن الماضي وحتى اليوم، حول القضيّة الأخلاقية والأخلاق، وعلاقتهما بالوجود الإلهي والإنساني. ومع تطور حركة ما بعد الحداثة وبروزها تيارًا فكريًّا وفلسفيًّا، وانتشار دعوات الإلحادـ تزايدت حدة الأزمة واشتد وتيرها. والمجتمعات الشرقية، وإن لم تعايش هذه الأزمة كالمجتمع الغربي، فإنها وَجدَت من تكلّم عنها وأثارها ودعا إليها في الآونة الأخيرة.
في هذه الورقة نحاول تأصيل القضيّة على المستويين الإلهي والإنساني، وإلقاء الضوء على الصلة الوثيقة بينهما وبين الأخلاق.

الوجود الإلهي

نقول إن الله أخلاقيّ، وهو طيّبٌ خيّرٌ في نفسه، مُتعالٍ عن الشر والسوء، نزيهٌ عنهما. أثبت ذلك لنفسه في رسالاته السماوية والرسل، وفي العقل والفطرة السليمة.

في جانب حديثه عن الأساس الأخلاقي للتوحيد، يقول الأستاذ عمر بسيوني: «الوجود الإلهي متسم بالأخلاقيّة، وسبب هذه الأخلاقيّة من الناحية النصيّة ثابت في القرآن، وهو محل الإجماع لكل المؤمنين بالله – عز وجل- أن الله ليس شريرًا. والله – عز وجل- يأمر بالعدل، ويحاسب الناس على فعل الطيبات، ويجازيهم ويدخلهم الجنة، ويعاقب المسيئين والأشرار والعصاة والكفار.
ومن الناحية الفلسفية كماله واستغناؤه؛ لأن الأصل في كل عدول عن الأخلاق وكل شرّ هو: النقص والافتقار. وهذا ما قاله ابن سينا في «الشفاء». فإذا فرض موجود كامل مستغنٍ عن غيره كان بالضرورة خيّرًا.

أيضًا من الناحية الفلسفية؛ التأطير لأخلاقية الوجود التوحيدي: إذا كان الإله واحدًا كاملًا مستغنيًا عن غيره، فهو ليس في نقص أو افتقار، لا يعدِلُ عن الخير إلى الشر، ليستكمل خيرًا فيه أو نقص فيه.
هذه هي القضية الأولى أن الوجود الإلهي أخلاقيًّا في نفسه».

أخلاقية الإنسان

كانت – وما زالت- هذه القضية نقطة جدال وخلاف بين فلاسفة الأخلاق وعلماء السياسة والاجتماع غير المؤمنين. ذهب توماس هوبز في كتابه «Leviathan اللفياثان» إلى أن الإنسان مطبوعٌ على حب الذات والأنانية، وهو شريرٌ بطبعه.
بالمقابل، ذهب سقراط وجاك روسو إلى القول بأن الإنسان يريد الخير دائمًا، وهو خيّرٌ بطبعه. وأرجع آخرون من رواد الفلسفة الحديثة هذه المسألة إلى الضمير، وطائفةٌ أخرى تبنت رؤية وسطية بالقول بأن الإنسان ذو طبيعة محايدة بين الخير والشر، وبالتطبّع يكتسب الخير والشر، كما قال جالينوس وعددٌ آخر.
في هذا الصدد يقول الأستاذ عمر بسيوني: «المفهوم التوحيدي، نجده أكثر حياديّة وواقعيّة، فالوحي وصف طبيعة الإنسان من حيث نفسه بأوصاف مختلفة:

  1. أنه مفتقر وناقص: فوصفه بأنه: ظلوم، وجهول، وجزوع، وهلوع، وأنه في خُسْر، هذا من حيث العموم؛ لأنه ليس كاملًا ولا مستغنيًا، فإذا لم يكن كاملًا ولا مستغنيًا فهو ناقص ومفتقر، فيكون فيه كل هذا السلوك من حيث نفسه بقطع النظر عن الوجود الإلهي، لذلك يقول: (إن الإنسان لفي خُسْر) في نفسه إذا قطع النظر عن الوجود الإلهي وحاشاه.
  2. أنه مستعد لقبول الحق: فرغم نقصه وافتقاره، إلا أن الله خلق الإنسان مُهيأً لقبول الحق، وهذا ما يسمى بالفطرة، فالمولود يولد على الفطرة، وليس فيه مانع أصلي يمنعه من قبول الحق، لكن قد يعرض له ذلك المانع بطرق مختلفة.
  3. ومن ثمّ فاللاأخلاقية متأصلة فيه لأنه ناقص، ومن ذلك نفسه الأمّارة بالسوء، لأنها ناقصة وغير مستغنية، فلا هي كاملة فلا تطلب شيئًا ولا هي مستغنية فتكتفي بنفسها في تحقيق مراداتها، فيقع منها الظلم على نفسها وعلى غيرها لتكمل النقص، ولتستغني من الافتقار.

فالإنسان الذي هو مهيأ مستعد لقبول الحق وفيه الخير والفضائلـ إذا اهتدى بالإيمان فإنه يكون قد اتصل بالمدد الذي فيه كل خير ومنه كل خير، وإن ترك الاتصال بخالقه يكون ظلومًا جهولًا بالنظر إلى نفسه.
هذا من حيث مفهوم أخلاقية الوضع الطبيعي للإنسان».

في مُقدِمته الشهيرة يذكر العلّامة ابن خلدون: «أن الله سبحانه وتعالى ركّب في طبائع البشر الخير والشر، كما قال تعالى:(وهديناه النجدين)، وقال:(فألهمها فجورها وتقواها). والشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مَرْعيِّ عوائده ولم يهذبه الاقتداء بالدين، ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض».
فالوجود الإلهي أخلاقيٌّ، والإنسان إن اتصل بهذا الوجود حصل له الخير واكتسبهُ، وسيتمكن حينها أن يُفرِّق بين الخطأ والصواب، ويعرف الخير من الشر. والأخلاق لا تتحصل وتوجد إلا مع حرية الاختيار والإرادة، وهذا ما أعطاه الله تعالى للإنسان، وهذا ما قرره ابن خلدون بما معناه أن النفس البشرية تنزع إلى الخير والشر معًا ويعود ذلك لما ركّبه الله تعالى فيها من حرية الاختيار.
ويرى الأستاذ عمر البسيوني أن الذي يفعل الخير أو الشر مجبرًا، كالذي يصلي مجبرًا أو الذي يشرب الخمر مجبرًا لا يوصفان لا بالأخلاقيّة ولا باللاأخلاقيّة.

يتبع…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات