عندما أعود بذاكرتى إلى الوراء لا أكاد أتذكر موقفًا واحدًا دخلت فيه فى حوار هادىء مع والدتى وانتهى الحوار بنفس القدر من الهدوء، أو على الأقل انتهى بوجود تفاهم مشترك بين الطرفين.

لا أظن أن هذه المشكلة تواجهني وحدي؛ فالكثير منّا يواجهون نفس هذه المشكلة، ويشعرون دومًا بوجود فجوة عميقة بينهم وبين والديهم أو أحدهما.

البعض يُرجع سبب هذه الفجوة إلى الاختلاف بين الأجيال، واختلاف النشأة وظروف التعليم والمعطيات الثقافية المختلفة، وأتفق كثيرًا مع هذا الرأى، ولكن ليس هذا ما أريد عرضه على وجه الدقة فى هذا المقال.

قبل أن أتطرق إلى موضوع المقال الأساسى، حاول قليلًا أن تتذكر مع دائرة معارفك وأصدقائك، من أبناء نفس الجيل لا الأجيال السابقة، وحاول أن تحدد الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه الصفات ممن تعاملت معهم، أو أنت إن كانت هذه الصفات تمثلك.

– شخص متطلع دومًا إلى المستقبل، يحدّثك دومًا عن أحلامه وعن سيارته المفضلة التي سيشتريها فى المستقبل، وإذا تكلم تجد الأفكار تدفق منه بصورة لا توصف.

-شخص عملي جدًا، لا يعترف إلّا بالإنجازات الملموسة، إذا تكلم معك يتكلم بصورة مرتّبة ومنظمة، في الغالب تنشأ بينه وبين أخينا بالأعلى خلافات مستمرة، فالأول يعيش في عالم الأحلام، وهذا واقعي لا يعترف إلا بما هو ملموس.

حسنًا، هل وجدت أحدًا من أصدقائك يمكن إدراجه تحت أحد التصنيفين السابقين؟

سواء كانت إجابتك بالسلب أو الإيجاب دعنا نكمل المقال، وفي النهاية ستتضح الصورة قليلًا إن شاء الله … أتمنى ألّا تنزعج إن كنت من الأشخاص العمليين.

أنماط الشخصيات

ربّما تكون قد سمعت بهذه الجملة أو قرأت عنها من قبل.

يمكن تصنيف البشر إلى مجموعة من الأنماط المختلفة، يميز كل نمط منهم مجموعة من الصفات المحددة التى قد لا توجد في الأنماط الأخرى، والأشخاص الذين ينتمون لنفس النمط الواحد تجمعهم صفات هذا النمط، لا أقول بنفس القدر، ولكن بشكل متفاوت يعتمد على الفروق الفردية بينهم، ولكن في النهاية إذا نظرت إليهم من بعيد يمكنك أن تقول إنهم نفس الشخص بالضبط.

لن أتطرق كثيرًا إلى تفاصيل لا مجال لذكرها الآن، لكن ما يهمنا هنا هو الفروقات بين الشخصيات في الطريقة التى يعتمدون عليها في استقبال المعلومات والمعطيات المختلفة، سواء من خبراتهم السابقة أو من البيئة المحيطة.

الحِس Vs الحدس

يمكن تقسيم البشر فى طريقة استقبالهم للمعلومات من البيئة المحيطة إلى قسمين رئيسيين: إمّا يعتمدون على الحدس، أو يعتمدون على الحِس.

دعنا أولًا نوضح المقصود بالمصطلحين.

الحِس يعنى ببساطة شديدة الاعتماد على الحواس الخمسة فى استقبال المعلومات، يمكن القول بأنهم يعتمدون على كل ما هو ملموس أو عليه دليل واضح.

أما الحدس فهو ما يُمكن أن يطلق عليه الحاسّة السادسة، محاولة التعمّق أكثر إلى الداخل، ورؤية ما لا يستطيع الآخرون رؤيته، والربط بين الأحداث وتجميع أنماط مختلفة تربط أشياء لا تجمعها أى علاقة.

أظنُّك الآن قد استنتجت أنهم يستقبلون المعلومات بطريقة يمكن أن نقول أنها متعارضة تمامًا، فالأول لا يرى إلّا كل ما هو مادى وملموس، وأما الآخر فيعيش فى عالم الماورائيات.

فلنتحدث عنهما الآن بشكل أكثر تفصيلًا.

1- الحسـيُّون Sensors

كما قلت سابقًا يعتمد الحسيون فى استقبال معلوماتهم على ما هو مادى وملموس استنادًا إلى ما يتوصل إليه حواسُّهم الخمس، ولكن لا يتوقف الأمر عند الحواس الخمس فقط، ولكن يتعدى ذلك إلى أنهم يعتمدون على خبارتهم وتجاربهم السابقة، يثقون فيما هو مُجرّب بالفعل، ولا يعترفون بما هو مجهول… يعيشون فى الواقع والواقع فقط.

يتميّز هؤلاء بمجموعة من الصفات نذكرها إجمالًا:

الاهتمام بالتفاصيل

الدقّة والحديث المباشر

التفكير المنطقى المنظم

الاهتمام بالتنظيم

الواقعية والعملية

الاعتماد على الحقائق والأدلة فقط.

هؤلاء لا يعترفون بالأحلام، يعيشون فى الحاضر فقط كما هو، يتقبلون الحياة كما هى بحلوها ومرها، نادرًا ما تراودهم أفكار تغيير العالم وبناء المستقبل. على العكس منهم يأتى الحدسيون.

2- الحدسيون Intuitives

أطفال هذا العالم، الحالمون الذين يعيشون فى المستقبل ويرغبون فى تغيير الحاضر، يريدون تغيير العالم، وخلق عالم مثالى، عالم أفضل يعيش فيه البشر … نعم أنا أمدحهم على ذلك، ففي الأول والأخير أنا أحد هؤلاء القلة، ومن الطبيعى أن أنحاز إلى أبناء جلدتى … فلتعذرنى يا صديقى الحسِّى.

كما ذكرنا صفات الحسيين إجمالًا، نذكر صفات الحدسيين كذلك:

حالمون يعيشون فى المستقبل

خياليون ومبدعون

لا يهتمون بالتفاصيل ولا الحقائق

يهتمون بالصورة الكبيرة

غير عمليين وغير منطقيين

يرون ما بين السطور، يخلقون أنماطًا جديدة

أظنّك الآن قد لاحظت الفوارق بين النوعين، كلاهما يفكر من منطلق مختلف تمامًا عن الآخر، وأظنك الآن قد حصرت مجموعة من أسماء أصدقائك ومعارفك الذين يمكن إدراجهم تحت هذين التصنيفين.

ربما يدور فى ذهنك الآن التساؤل الآتى:

هل الحدسى حدسى وفقط، والحسّى حسّى وفقط؟

من خلال قراءتى في هذا الموضوع أظن أن الإجابة لا، كلاهما بداخلنا، ولكن القضية كلها أن أحد الصفتين تغلب الآخرى وتتصرف فيها بصورة تلقائية، كالطيار الآلي، ولكن إذا استدعى الأمر ستجد نفسك قادرًا على استخدام الوظيفة الأخرى، ولكن بالتأكيد لن تكون بنفس القوة.

سبب الخلاف الدائم بينى وبين والدتى يرجع إلى الاختلاف الكبير في شخصياتنا، فأنا – كما ترى – ثرثار لا يكّف عن الحديث عن الكلام النظري، والمعلومات المجرد الخالية من أية صورة ملموسة، وهي على العكس تمامًا من ذلك، لا تعترف إلّا بالحقائق، وتتعامل مع ما أقول بنفس المنطق؛ مما يسبب الصعوبة المستمرة في الوصول إلى أرضية مشتركة.

لا يوجد أحد أفضل من أحد، لقد خلقنا الله عز وجل مختلفين، ففي اختلافنا رحمة، لكن المهم أن نتفهم أننا مختلفون، ويحاول كل واحد منّا أن يفهم نفسه ابتداءًا، ويحاول أن يتفهّم الآخرين، يعرف كيف يفكرون وكيف ينظرون إلى هذه الحياة، حتى يتمكن الحالمون من تغيير العالم كما يحلمون، وفى نفس الوقت يستفيدون من قدرة العمليين على التنفيذ والعمل الدؤوب.

إذا أردت أن تستزيد في البحث عن هذا الموضوع سأحيلك إلى بعض المقالات بالأسفل، فما ذكرته لا يعدو كونه نقلًا لمجهود الآخرين مع إضافة وجهة نظرى الخاصة.

ولكن دعنا الآن نفكّر فى سؤال آخر، كيف نصل إلى أرضية تواصل مشتركة مع من نختلف عنهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد