في مواجهة التحديات التي ينطوي عليها التفكير بطريقة جديدة في الحوار بين الثقافات والوقوف في وجه الأنماط المقولبة ونزعة التقوقع في هويات مغلقة، يصبح القيام بفحص آثار التنوع الثقافي في مجالات خارج نطاق الثقافة بمعناها الضيق أمرًا ضروريًا في سياق صنع السياسات العامة اليوم. وفي حين أن كل الأنشطة الإنسانية تقريبًا تتشكَّل بالتنوع الثقافي وتساعد بدورها في تشكل هذا التنوع فإن آفاق استمرار حيوية التنوع ترتبط ارتباطًا حاسمًا بمستقبل اللغات والتعليم وتوصيل المضمون الثقافي والترابط المعقَّد بين الإبداع والسوق.

في الفصل 3 – اللغات، يناقش الفصل (3) ضرورة الحفاظ على التنوع اللغوي في السياق الأوسع لإدارة التغيُّر الثقافي، مع تسهيل الحوار والفهم المتبادل من خلال النهوض بالتعددية اللغوية وقدرات الترجمة.

وتتضح أهمية اللغات باعتبارها علامات مميزة للهوية عند التعامل مع القضايا المتصلة بضياع اللغة وظهور ممارسات لغوية جديدة. ومن منظور العلاقات بين الثقافات يقترن الحفاظ على التنوع اللغوي بتعزيز التعدد اللغوي ويجب بذل جهود مقابلة تضمن قيام اللغات بدورها همزة وصل بين الثقافات وباعتبارها وسيلة لتعزيز «التنوع المثمر» في ثقافات العالم.
وبذلك، تعمل اللغات وسيطًا لنقل تجاربنا وبيئاتنا الفكرية والثقافية وأساليب لقائنا مع الآخرين ونُظم قيمنا وقوانيننا الاجتماعية وشعورنا بالانتماء جماعات وأفرادًا. ومن منظور التنوع الثقافي يعبَّر التنوع اللغوي عن التكيُّف الخلاق للجماعات مع بيئاتها المادية والاجتماعية المتغيرة.

الأمر الذي يتطلب دراسة ديناميات اللغة اليوم، حيث كثيرًا ما تكون اللغة الواقعة تحت الضغط لغة يتحول عنها متحدثوها إلى لغة مهيمنة استجابة لضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. ويمكن تشبيه إخفاق اللغة في الانتقال بين الأجيال بإخفاق أحد الأنواع في التكاثر.

وهناك أسباب أخرى كثيرة تتعلق بتدهور اللغات وانقراضها منها مواقف الجماعة نفسها تجاه لغتها وغير ذلك من العوامل الاجتماعية اللغوية وكذلك المواقف والسياسات الحكومية تجاه لغات الأقليات، ووجود أو عدم وجود برامج لحفظ أو إبقاء اللغات.
ولذلك، فقد أشار التقرير إلى إطارين هامين هما رصد التنوع اللغوي لأغراض التنوع البيولوجي، وتقييم حيوية اللغة.
وبناء على ذلك، فقد أوضح التقرير كيف تساهم العولمة في التهجين الثقافي؛ فإنها تشجّع أيضًا على ظهور أشكال وممارسات لغوية جديدة، وخاصة بين الشباب.

فهنالك حالة خاصة في هذه الظاهرة تعرف باسم «أولاد الثقافة الثالثة» وهم شباب عابرون للثقافات يعيشون مع آبائهم ولكنهم يشبّون في ثقافة تختلف عن الثقافة الأصلية لآبائهم وبذلك يواجهون الحاجة إلى إنشاء هويات جديدة أثنية و/ أو قومية (وقد يكون بعضها متعارضًا مع البعض الآخر) وأنظمة ثقافية مبتكرة.

وبهذه الطريقة، نجد أن الشبكات المتسعة باستمرار والعاملة على أساس الهواتف المتنقلة والإنترنت عريضة النطاق وغيرها من أشكال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تخلق إشكالًا جديدة من الترابط الإنساني بدرجة غير مسبوقة من الاتساع والمرونة، عابرة المدن والدول والثقافات. وهذه تشكّل بدورها هويات ثقافية جديدة توسّع وتعيد تشكيل الحدود القائمة وتمدها عبر مجالات عامة / خاصة وسياقات اجتماعية وثقافية وتعليمية.

في حين أن آثار الاتصال الرقمي على اللغات وأشكال الهوية الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي ليست مفهومة تمامًا حتى الآن فإنه من الواضح مع ذلك أن الافتراض بأن «اللغة تساوي الثقافة تساوي الهوية» هو افتراض بسيط للغاية بحيث لا يمكن أن يفسَّر الروابط المعقَّدة بين اللغات والهويات الثقافية. وبالتالي يجب على صانعي السياسات اليوم وضع عوامل كثيرة جدًا في الاعتبار عند صياغة السياسات اللغوية، بما في ذلك التقدّم في علم اللسانيات وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسة واقتصادات السوق.

إذًا إنه على غرار الثقافات والأنواع البشرية تتكيَّف اللغات مع مواطن إيكولوجية محدّدة وتتشابه مع المنتجات الثقافية في امتلاك واقع تاريخي ورؤية للعالم ونظم قيمية وعقيدية نابعة في ثقافة بعينها.

وهكذا يمكن القول بأن اللغات ليست مجرد أداة للاتصال ولكنها النسيج الحقيقي لأشكال التعبير الثقافي ذاتها، وهي التي تحمل الهوية، وتعبَّر عن نظم القيم المحلية والنظرة إلى العالم.

وأولت اليونسكو اهتمامها بنموذج التنوع الثقافي البيولوجي على الصعيد العملي وذلك من خلال محور عملها المعنون «تعزيز الروابط بين التنوع الثقافي والتنوع البيولوجي كمرتكز أساسي للتنمية المستدامة»، التي قد تفرض بشدة الحاجة إلى تعيين أفضل ممارسات في هذا المجال واعتناقها.

وبالطبع لا يوجد ارتباط منهجي أو واجب بين اللغات والثقافة: فاللغات في حالة تدفق مستمر، والتحولات اللغوية تأثرت على الدوام بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من العوامل.

ويقول فريق الخبراء في تقييم حيوية اللغة وتنشيطها إنه يمكن تحديد تسعة عوامل لتقييم حيوية أي لغة. وبما أنه قد يتوافر في أي لغة عامل أو أكثر من هذه العوامل، فإن الجمع بين العوامل التسعة هو أفضل دليل للتعبير عن الحالة اللغوية الاجتماعية الشاملة؛ وتتضمن تلك العوامل ما يلي: نقل اللغة من جيل لآخر، ومواقف أفراد الجماعة تجاه لغتهم ،وتحولات في ميادين استعمال اللغة، واللغات والمواقف والسياسات الحكومية والمؤسسية، بما في ذلك المركز الرسمي والاستعمال، والعدد المطلق المتحدثين باللغة، ونسبة المتحدثين بين مجموع السكان، وتوفر المواد لتعليم اللغة ومبادئها، والاستجابة للمجالات والوسائط الجديدة، ونوع ونوعية الوثائق.

ومن النقد المعتاد الموجه للسياسات اللغوية التي تشجّع على التعددية اللغوية في المدارس أنها تنطوي عادة على اختيارات تسبّب البغضاء والحسد، نظرًا لأنه ليس من الممكن دعم جميع لغات الأقليات.

وفي الواقع يتطلب التماسك الاجتماعي والمواطنة أشكالًا مشتركة من الاتصال والفهم وليس أحادية اللغة.
ويعزَّز ذلك بدوره الفهم والرؤية والمنظور والتذوق ويمكّن من سدّ الفجوات الثقافية من خلال عمليات الترجمة والتلاقي والتخيّل والسرد والفن والعقيدة والحوار؛ نظرًا لأن الترجمة تؤدي دورًا هامًا في تعزيز التنوع الثقافي يتعين وضع سياسة للترجمة على صعيد عالمي، مع التركيز بقدر الإمكان على المعاملة بالمثل.

وهكذا ترتبط السياسة اللغوية بالحوكمة وتوزيع الموارد وبالتالي بالمنافع المكتسبة، ولكنها تسير بأكبر قدر من الكفاءة إذا تم تقريرها وتنفيذها استنادًا إلى نقاش عام مستنير.

أما الفصل (4): التعليم، إذ يشير التقرير بأنه بأماكن التنوع الثقافي أن يكون أداة فعالة من أجل ضمان ملاءمة الأساليب والمضامين التعليمية لسياق الواقع وخصوصياته، وهذا يذكرنا بأن التعليم لم يكن أبدًا عملية محايدة ثقافيًا.
وإذ ما زال مجال دراسات المناهج المدرسية ينطلق من فكرة راسخة مؤداها أن «المضامين التعليمية تعبّر عن السياسات الوطنية والأولويات الثقافية المهيمنة وتتأثر على وجه الحصر تقريبًا بالتحولات في المصالح الوطنية وضغوط أصحاب المصلحة».

في العديد من المشاريع التي جرت في إطار مشروع شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو ،القائم على أساس فكرة أن كل مدرسة مختلفة، وكل مكان هو فريد من نوعه، ولكل ثقافة سماتها الخاصة، وعلى ضرورة تعزيز العلاقة بين المدرسة والمجتمع؛ حيث سياسات اللغة الرسمية في التعليم هي التي تيسر أو تعوق الحيوية الناشئة عن تعدد اللغات. إذ إن استخدام ودمج أساليب التعليم النظامي وغير النظامي وأساليب التدريس باعتبارها وسيلة من وسائل التعرف والاعتراف بطرق السكان الأصليين فيما يتعلق بتوليد ونقل المعرفة وإعطاء قيمة للحكمة الشفوية للشعوب الأصلية والتواصل غير اللفظي في مجال التعليم.

وبالتالي، بناء الوعي بتفاعل الثقافات عن طريق العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث تأتي أهميتها في تطوير كفاءات التفاعل بين الثقافات من مساهمتها في اكتشاف أنظمة المعرفة المتعددة التي لا تتفق بالضرورة مع خلفيات المتعلمين الثقافية.
وهكذا يصبح تعليم الفنون ليس مجرد ترف في المناهج المدرسية، وإنما وسيلة لغرس وتنمية بذرة الانفتاح في النفوس والعقول وتشجيع الإبداع والابتكار؛ وتزويد الوعي التام بالدور الذي تؤديه المجتمعات المحلية ونظم المعارف المحلية، واللغات والممارسات الاجتماعية في عملية التعلم وبناء الإنسان في المجتمعات الوطنية والإقليمية والعالمية، وتطوير القدرة على تحقيق أفضل استفادة من زيارات المتاحف والمؤسسات الأخرى للتعليم الفعال المتعدد الثقافات.

أما الفصل (5) فيتطرق للمضمون الاتصالي والثقافي: يحلل هذا الفصل الاتجاهات الأخيرة في مجال توصيل المضامين الثقافية مبرزًا التحدي المتمثل في ضرورة مقابلة التوسع في تنوع وسائط الإعلام والاتصال بجهود لمعالجة الاختلالات الكامنة في الفجوات الرقمية من أجل النهوض بعمليات التبادل الثقافي والفهم المتبادل. ويستعرض الجزء الأول من هذا الفصل تأثيرات العولمة والابتكار التكنولوجي على الطرق التي يتمكن بها المضمون الاتصالي (بالكلمة والصوت والصورة ) والمضمون الثقافي من تشكيل التنوع الثقافي ومن التشكُّل به.

أما الجزء الثالث والأخير فيسلط الضوء على ضرورة الاستثمار في المبادرات والسياسات الرامية إلى التثقيف وتوفير الدراية في وسائل الإعلام والمعلومات التي يمكن أن تعزز وسائل الإعلام والصناعات الثقافية بما يعود بالنفع على التنوع الثقافي، وذلك عن طريق تسخير القدرات التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية فيما يتعلق بالمضامين التي ينتجها المستخدمون والإنتاج غير الخطي.

علاوة على ذلك ،فإن تعدد الاختيارات والتحديات الثقافية التي تجسدها هذه الاختيارات يمكن أن يؤديا إلى العزلة الثقافية وانتشار الصور النمطية. كما قدم التقرير إطارًا معنيًا بعده أهداف لشبكة قوة السلام ومنها تهيئة بيئة على الإنترنت من أجل تقاسم الأفكار والمضامين، بما في ذلك المدونات الإلكترونية والمواد السمعية – البصرية والمواد المكتوبة التعليمية والإعلامية ودعم رسالة «شبكة قوة السلام».

و في ظل ثقافة مُشبعة بوسائل الإعلام، فإن عدم الاهتمام بشرائح كاملة من السكان يمثل شكلًا من أشكال الإسكات -ما يُطلق عليه الأخصائيون الثقافيون اسم «الإبادة الرمزية» الذي تجري إدامته على نحو خفي في ظل اختلالات القوة التي يتسم بها المشهد الحالي لوسائل الإعلام وكذلك عبر تدفقات وسائل الإعلام القائمة اليوم. وتتمثل إحدى القضايا الرئيسية في هذا الصدد في ظاهرة «العولمة المحلية».

وأما الفصل (6) الذي يحمل عنوان النشاط الإبداعي والسوق، وتضمن الاتجاهات القائمة في التنوع الثقافي، وأشكال الإبداع الفني وجميع أشكال الابتكار التي تعطي كامل مجال طيف النشاط الإنساني يمكن اعتبارها مصادر رئيسية للتنوع الثقافي، ومن ذلك السياحة الثقافية أو السياحة الدينية إلى جانب السياحة الجماهيرية، ونتائج هذا الاتجاه الجديد في السياحة المحلية متفاوتة، وللتنوع الثقافي اليوم دور محوري في مد السوق العالمية بمنتجات ناجحة من حيث التصميم والصنف واستراتيجيات التسويق. وبدأ أيضًا إدماج التنوع الثقافي ضمن سير العمل الداخلي لمؤسسات الأعمال وبدأ هذا التنوع يدخل ضمن تشكيل استراتيجيات التشغيل والتطوير، مبررًا القيمة المضافة للتنوع الثقافي في قطاعات رئيسية تتراوح من سياسات الفن المعاصر والمهارات الحرفية والسياحة إلى أنشطة الشركات، بدءًا من الإدارة والموارد البشرية إلى التسويق و«الاستخبارات الثقافية».

يتبع.. الجزء الرابع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد