تكلفة الفرصة البديلة مفهوم اقتصادي نابع من فكرة الندرة في الاقتصاد؛ والتي ترى أن الموارد المتاحة محدودة مقارنةً بالاحتياجات المتجددة للفرد، ونتيجةً لذلك فإن أي خيار يتخذه الفرد يتضمن تكلفة الفرصة البديلة، والتي تشمل التكلفة الفعلية التي تكبدتها عند اتخاذ القرار بالإضافة إلى تكلفة أفضل خيار تم الاستغناء عنه، والمثال المكرر الذي يتم طرحه بالعادة في كتب الاقتصاد؛ الدراسة الجامعية أو الانخراط بسوق العمل، فإذا تجاوزت المرحلة الثانوية وقررت أن تسلك طريق الدراسة الجامعية فإن تكلفة دراستك الجامعية لا تتوقف فقط عند تكاليف الرسوم السنوية والكتب والمواصلات؛ بل يضاف إلى ذلك الراتب الذي كان من الممكن الحصول عليه لو انخرطت في سوق العمل بشكل مباشر.

وبالمثل في موضوع الاستثمار، فوجود مبلغ مالي لديك وعدم استثماره سيؤدي إلى خسارتك جزءًا من قيمة المبلغ نتيجةً طبيعيةً للتضخم السنوي بالإضافة إلى تكلفة الفرصة البديلة من عائد الاستثمار الذي من الممكن أن تحققه لو استثمرت أموالك في السندات الحكومية، أو الأسهم، أو الذهب، والمعادلة لحساب تكلفة الفرصة البديلة بسيطة جدًا فهي تساوي الخيار المنفذ مطروحًا منه الخيار ذا العائد الأعلى.

ما يهمنا هنا موضوع الاستثمار بالذهب: هل هناك أي جدوى من الاستثمار في الذهب؟ تاريخيًّا، ومنذ تعرف الإنسان إلى الذهب وخواصه من عدم تفاعله مع الأكسجين، وبالتالي عدم فقدانه للبريق، وقابليته للتشكيل، واستخدماته العديدة بالإضافة إلى محدودية وجوده، حظي بثقة أغلبية المستثمرين وأصبح ما يعبر عن الثراء والغنى امتلاك الذهب، أصبحت له قيمة مرتفعة مقارنةً بمعادن كثيرة أخرى، ومر طلب الذهب واستخداماته بمراحل كثيرة؛ فمنذ استخدامه لدى الفراعنة مظهرًا من مظاهر القوة والغنى، و معبرًا عن القيمة عند عملية شراء السلع المختلفة، ومن ثم مساويًا للعملات الورقية ومشكلًا القيمة الأساسية وانتهاء ذلك بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1971 الاستغناء عن قاعدة الذهب وأن قيمة الدولار الأمريكي نابعة من ثقة الناس بالدولار الأمريكي دون الحاجة لوجود أي تغطية ذهبية للعملة، يتم اليوم تداول الذهب في البورصة كما يتم تداول أي سلعة أخرى.

عند التفكير بالاستثمار فإن أول ما يخطر في بال أي شخص عادي يتوفر لديه مبلغ من المال مع عدم وجود أي خبرة تجارية هو الاستثمار بالذهب من خلال شرائه بسعر منخفض، ومن ثم إعادة بيعه بسعر أعلى، لكن هل الذهب فعلًا استثمار جيد؟ و تذكر أن أي استثمار يتم تقييمه من خلال تكلفة الفرصة البديلة بالإضافة إلى القيمة الوقتية للنقود.

خلال بدايات العام 2000 كان متوسط سعر الذهب حوالي 283 دولار للأونصة وهذا السعر يقل بأكثر من 30% عن متوسط السعر في فترة الثمانينات و التسعينات (وصل في يناير/كانون الثاني من العام 1980 إلى 850 دولار) ونتيجةً للأزمات العالمية المتكررة من تلك الفترة استمر الذهب بالتذبذب قليلًا، إلا أنه في العموم كان في اتجاه صاعد حتى وصل سعر أونصة الذهب إلى أعلى سعر في عام 2011 عند متوسط 1835 دولار، إلا أنه بعد تلك النقطة بدأ الذهب بالهبوط حتى أصبح يُتداول في عام 2015 عند متوسط 1065 دولار (فَقَد من قيمته 40%) و لم يعد الذهب إلى مستويات 1800 إلا بعد أن أصيب العالم بجائحة كورونا، وأثناء ازدياد تعمق أزمة كورونا استمرت أسعار الذهب بالارتفاع من 1800 إلى 2000 وإلى 2030؛ حتى إن بنك «أوف أمريكا» توقع وصول الذهب إلى 3000 دولار، إلا أن ذلك لم يحدث بل هبط سعر الذهب إلى مستويات أقل وأصبح يُتداول ما بين 1600 و1700، ومع ازدياد عدد متلقي اللقاح حول العالم وانخفاض الوفيات نتيجةً لذلك، ودخول خطط التحفيز الاقتصادي موضع التنفيذ فإن أسعار الذهب متوقع لها الانخفاض.

وكما قرأت سابقًا؛ فإن الذهب ممكن أن يهبط سعره ويستمر بالهبوط عدة سنوات، وانتعاش الذهب بشكل رئيس مرتبط بحركة الدولار وأسعار الفائدة على الدولار، و الأزمات العالمية سواءً صحية أو سياسة، فقرارك أن تستثمر بالذهب أو غيره مرتبط بتوقعك لمسار الاقتصاد العالمي خلال الفترة القادمة؛ هل هناك انتعاش قادم؟ أم أن الأزمات ستتعمق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد