قد يكون الاستثمار في العقارات أو العملات اﻷجنبية اﻷكثر استقرارا، نصائح استثمارية حكيمة، لكن إن كان تعريف الاستثمار اﻷشمل هو: التضحية بشيء تملكه الآن؛ أملا في جلب منفعة مختلفة أو أكثر قيمة في المستقبل؛ فسيتسع المفهوم ﻷكثر من مجرد الصفقات والسلع، عندما تعلمت هذا، كأني ارتديت نظارة جديدة، وسأحاول هنا أن أصف لك كيف تتغير اﻷمور باختلاف العدسة التي تنظر من خلالها.

هل لديك صعوبة في التعامل مع اﻵخرين؟ قد تجد حلا لهذه المشكلة في السطور القليلة القادمة، تخيل معي أنك ضحيت براحتك، وقمت وأحضرت ﻷخيك كوبا من الشاي وهو يذاكر؟ سيحفظها لك وستجده في المرة القادمة التي تحتاج فيها للمساعدة أكثر إقبالا. ستقول لي هذا أخي، وسيساعدني بالتأكيد بدون أن أقدم له أي شيء بالفعل، لكنك هنا اعتمدت على مشاعر الأخوة الغريزية، ماذا عن غريب لا تكن له أي مشاعر؟ أو زميلك في العمل الذي تحمل له مشاعر سلبية؟

علاقتك بحماتك ـ علي سبيل المثال ـ تحكمها مشاعر دافئة تحت عنوان: “طرقعلي واطرقعلك”، أنت غاضب منها لمحاولاتها الدءوبة لتدمير حياتك، فـ”فًلْقَّت” بكلمة لم تغنِ ولم تسمن من جوع، ولففت حول رقبتك حبل المشنقة المصنوع من لسانها المهذب المدبب، هذا غير ما ينتظرك في عش الزوجية من اﻷميرة الهادئة الحانية الجاثية على صدرك في وضع الكاتب المصري القديم لمدة لا تقل عن عشرة أضعاف عدد حروف الكلمة التي “فلقتها”، ولكن بالأيام، وقد تستمر لمدة سنين، وقد تكتب على قبرك حتى بعد موتك. لماذا تفعل هذا بنفسك يا عزيزي؟

على النقيض سيحدث إن نفذت الخطة الاستثمارية التالية: ستضحي بقليل من الدراهم لتأتي ببضع وردات رشيقات – واحرص ألا تكون سامة، وعدد 15 كالوري ستحرقهم عضلات وجهك لرسم ابتسامة حالمة لهنيهات، وجزء قليل من روحك لقول كلمات تترقرق لها الدموع، وتدفع بكل هذا في اتجاه حماتك الرقيقة. في مقابل أن تنال الرضا الثمين الذي لا يقدر بثمن، وستنعم براحة البال، وإطلاق سراح مشروط من قفص الزوجية لمدة قد تصل ﻷسبوع مثلا. تخيل ما يمكن أن تفعله في كل هذه الفترة؟ صدقني لن يتحقق لك هذا الحلم إلا بالنظرة الاستثمارية.

بعيدا عن العلاقات الشخصية ومعضلة اﻷخلاق والنفاق. هل تعلم أنك مشروع استثماري في الأساس؟ استثمر فيك أبويك والمجتمع – لا تنظر لي هكذا، أتحدث عن المجتمعات المحترمة – الكثير من اﻷموال واﻷوقات والمجهودات الجبارة، حتى تكون فردا عاملا ناجحا مفيدا، ويأتي اليوم الذي تبدأ أنت أيضا فيه مشروعك الاستثماري اﻷكبر في حياتك، أولادك. دعنا نكسر الحلقة المفرغة قليلا. لما لا نستثمر في أنفسنا؟ فأنت في النهاية أهم مكونات رأس مالك، وإن استثمرت استثمارا ناجحا في نفسك، ستكون عوائده اﻷكثر نفعا على اﻹطلاق.

بعد الاقتناع بهذه الجملة تصبح بعض اﻷشياء منطقية وملحة أكثر من ذي قبل. فمثلا؛ يهدف الذكر المصري النموذجي بعد التخرج لحجز كل قرش يجنيه؛ لشراء شقة؛ لتسكنها فتاة بمتعلقاتها بأثاثها بأحلامها، وهو ما يعد مخاطرة ضخمة جدا؛ أن تستثمر ما يقرب من الخمس سنوات من حياتك، لتحصل على فرصة للقمار على ما تبقي منها، في الزواج، فإما شقي وإما سعيد. فكما تعلمون عجز العقل البشري بكل ما توصل له من تقدم علمي وأدبي أن يقلل من مخاطر مغامرة الزواج.

فإن كنت ستقضي ثلاثة أو خمسة أعوام في منزل أسرتك حتى تنتقل إلى مكان آخر. فلم لا تستثمر القليل في مكان إقامتك الحالية؟ تستطيع أن تعتبر تجهيز غرفتك كأنها غرفة في شقتك المستقبلية. صدقني لن تطيل كثيرا من فترة ملاحقة شريكة حياتك، إن أثرت من اﻷصل في ذلك، لكن بالتأكيد ستحسن من نوعية حياتك في هذه المرحلة. فكر معي: أنت تقضي 6-8 ساعات يوميا على اﻷقل علي سريرك، وجودة نومك تؤثر في مزاجك بقية يومك، الاستثمار في مرتبة السرير يبدو حكيما جدا لي اﻵن.

لنأخذ الفكرة إلى مستوى أعلى قليلا، فيم يمكن أن تستثمر وله تأثير أكثر امتدادا وفاعلية في حياتك من المرتبة؟ ماذا عما يلاصقك في كل لحظة ويؤثر في كل فعل تفعله؟ المركبة التي ترتادها لفعل كل شيء وأي شيء، جسدك، أن تستثمر فيه يجعل كل شيء أكثر سهولة، حركتك دراستك عملك علاقاتك، كل شيء.

ماذا عن قائد المركبة؟ عقلك؟ غذاء العقل، العلوم بكل أنواعها، تتعلم علوما جديدة. تتعلم عن نفسك أكثر، عن العالم، عن اﻵخرين، ماذا عن لغة جديدة؟

يلجأ الكثيرون لتعلم لغات أجنبية؛ إما لطبيعة العمل أو تحسينا للسيرة الذاتية، أو حتى للمتعة الشخصية فالبعض لديه موهبة في تعلم اللغات، ويحب إتقان اﻷلسنة المختلفة. بالنسبة لي تعلم لغة جديدة له معنى آخر؛ فأنا أعشق الحرية، والحرية ليست لها فائدة إن غابت الإتاحة. فإن كنت تعرف العربية فقط، فأنت أيضا محدود بالمحتوى العربي فقط. تعلم لغة جديدة يفتح لك آفاقا مضاعفة ونوافذ مغلقة. تسطتيع أن تختبر عالما جديدا مباشرة دون تشويش الترجمة، بكل رقابتها وتحيزاتها. أدب، ثقافة، طب، هندسة، فنون، طبخ، أيا ما كانت اهتماماتك، سيتاح لك أن تنهل المزيد منها.

في النهاية، تستطيع أن تخضع أي فعل تقبل عليه لقواعد الاستثمار؛ وما هي إلا حسابات المكسب والخسارة، والموازنة بين التضحية بملكية آنية والمصلحة المرجوة في مقابلها مستقبلا. وعندما تدرك أن ما تملك ليس مالا فقط، وأن المكاسب لا تقاس دائما بحجم الحساب البنكي، تختلف رؤيتك تقريبا لكل شيء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاستثمار
عرض التعليقات
تحميل المزيد