إذا كان الجزء الأول قد تناول القسم الأول المتمثل في التنوع الثقافي: (إرث نحافظ عليه، ورهان لا بد من كسبه)، فقد تطرقنا في ذلك الجزء إلى الفصل الأول: التنوع الثقافي، وبالتالي سوف نتناول في الجزء الثاني الفصل الثاني: الحوار بين الثقافات.

في هذه السياقات، قد يكتسب المعنى ذاتيًا. وبهذا المعنى الأساسي، فإن أوجه التشابه بيننا أعمق من اختلافاتنا الثقافية. وعلاوة على ذلك، تنطوي هذه الاختلافات على إمكانات إيجابية؛ لأننا من خلالها نكمل بعضنا البعض في تصميم حلول جديدة للعيش معًا في بيئتنا الاجتماعية والطبيعية. ويمثل التنوع الثقافي مجمل هذه الحلول، والحوار هو الجسر الذي يصل بينهما.

وإذا كان علينا أن نتصدى للتحديات الكامنة في عالم متنوع ثقافيا، يجب أن نطور مقاربات جديدة لحوار الثقافات، مقاربات تتجاوز حدود نموذج (الحوار بين الحضارات). ومن الشروط المسبقة لمثل هذا الحوار النظر في طرق تواصل الثقافات بين بعضها البعض، وإدراك أوجه التشابه الثقافي والغايات المشتركة، وتعريف التحديات التي يجب التصدي لها للتوفيق بين الاختلافات والهويات الثقافية.

وقد وجد اختلاط الثقافات عبر العصور تعبيرًا له في عدد هائل من الأشكال الثقافية والممارسات البشرية. وانعكس بعض هذه الأشكال في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، التي بموجب اتفاقية 2003 – كمستودع للتقاليد الشفهية والممارسات الاجتماعية، وفنون العرض المسرحي والمعارف التقليدية والحرف، التي نقلت من جيل إلى جيل. وجاء أبداعها بلا توقف، وهي تمنح المجتمعات شعورًا بالهوية والاستمرار.

ومن الممكن للمرء أن يميز ثلاثة أساليب التفاعل الثقافي التي يقوم عليها التراث المتعدد الأوجه وهي: الاقتباسات الثقافية، والتساؤلات الثقافية، والإملاءات الثقافية. وبالرغم من اختلاف هذه الأشكال من الوجهة الأخلاقية. فقد أثرت بشدة في أشكال التعبير الثقافي التي تولدت عن تجارة الرقيق والرق تأثيره في مجتمعنا، خارج نطاق المناطق التي مورس الرق فيها، إلا أن القيم المضافة لهذا الإثراء الثقافي مازالت بحاجة إلى الأعتراف بها على نحو سليم باعتبارها جزءًا من مساهمة أفريقيا في التراث الثقافي العالمي. وهذا أحد الأهداف الرئيسة لمشروع طريق الرقيق الذي أعلنته اليونسكو في 1994، والاستراتيجية الجديدة الرامية إلى إبراز الحضور الأفريقي في جميع أنحاء العالم.

ومن ناحية أخرى، فقد أشار التقرير إلى الصور النمطية الثقافية والتعصب حيث يشيع استخدامها في كل مكان من خلال إطلاق النكات والحكايات والأغاني والصور التي تجدها باستمرار في مكان العمل وقاعات الدرس والصحف ووسائل الاعلام.

وقد تختلف النية ودرجة الإهانة من عدمها، ولكن في جميع الأحوال تحتوي هذه الصور النمطية، الاختزالية والساذجة في رؤية الأخر والتي تحط من شأنه، على بذور التعصب.

فالصور النمطية تعني وضع حدود مجموعة ما وآخر أجنبي، وتؤكد ضمنًا تفوقها عليه. كما تحمل الصور النمطية في حياتها خطر توقف الحوار عند بوابة الاختلاف، وأن يقود الاختلاف إلى التعصب.

ولا شك أن ظهور شبكات المعلومات والاتصالات بيسر، بأشكال عديدة، الاتصالات بين مختلف الثقافات ويعزز من إمكانيات المعرفة المتبادلة. ومع ذلك، قد يكون من الخطأ التقليل من قوة التعصب وخطورته، وعمق رد الفعل الذي يحفزنا على إشهار هويتنا والتعصب لها في مواجهه الآخرين. والحوار الفكري ضروري لوضع تنوع ولائنا الثقافي على مساره الصحيح بصورة مستديمة.

وهكذا تنطوي اللقاءات بين الأفراد والمجتمعات والشعوب دومًا على بعض التوتر الثقافي. وفي مجتمع متعدد الثقافات، يتمثل المحوران الرئيسيان في محور الذاكرة ومحور القيم.

فإن الذكريات الخاصة لمختلف المجموعات أو المجتمعات أو الشعوب تشكل الذاكرة الجماعية لمجتمع متعدد الثقافات. وقد تنبثق ذكريات متنافسة من نزاعات علنية أو كامنة أو قد تكون سببًا في إثارة مثل هذه النزاعات، كأن تقوم مجموعة مسيطرة بإحياء ذكرى وطنية ومطالب مجموعات أخرى بأن تؤخذ ذكرياتها في الحسبان. وينطبق ذلك بالأحرى على الذكريات المتنافسة للمستعمر والمستعمر. وتؤدي الذاكرة الوطنية، التي تكتسب طابعاً رسميًا وشرعيًا من خلال مكانتها في نصوص التاريخ الوطني ونشرها بواسطة نظم تعليمية وطنية ومدنية، إلى إنكار الذكريات المحددة لبعض مجموعات أو مجتمعات الأقلية أو إلى إغفال هذه الذكريات أو تشويهها.

أما سياق التفاعلات الدينامية بين مختلف المجتمعات من حيث تأكيد وتعزيز قيم مشتركة عالميًا نابعة من التفاعل بين هذه الخصوصيات الثقافية، ولكن التوتر بين الهويات المختلفة يمكن أن يصبح القوة الدافعة لتجديد الوحدة الوطنية على قاعدة التماسك الاجتماعي الذي يدمج تنوع مكوناته الثقافية.

ومن الأمثلة الصارخة بشكل خاص لنوع الهيمنة الأيديولوجية – السياسة المعادية للتنوع الثقافي في ذلك الخطاب الاستعماري الذي يكتسي ثوب التحضر والهداية – والذي مازالت تردد أصداؤة في بعض مفاهيم التقدم الثقافي والعلمي.

أن ما نحتاج إليه الآن هو لغة مشتركة لفهم الاختلافات الثقافية وإحترامها، بدون الأضرار بقيمنا العالمية.

وقد طوّر الكثير من عناصر هذه اللغة المشتركة على مدى العقد الماضي. وتكتسب العناصر الخمسة لتلك اللغة المشتركة أهمية خاصة ومنها:

– التداخل بين العنصرين الإدراكي والعاطفي للعلاقات بين الثقافات هو القاعدة، وليس الاستثناء.

– من الضروري إعادة بناء نظم المرجعية الذاتية للعقيدة والمعرفة.

الأمر الذي يستدعي، من الوجهة العملية، وجود قدرات للتفاوض والتراضي، يرد فيها التزام بالتفاهم المشترك، وتستخدم في نطاق عريض من السياقات الثقافية، بما فيها المجالات والقطاعات التي سيتم نقاشها لاحقًا، عبر ما يمكن تسميتها الكفاءات في بيئة متعددة الثقافات الهادفة إلى إثراء متبادل يقوم على أساس أرضية مشتركة جديدة.

وقد يأتي في هذا السياق، المصالحة بين الذاكرات المتصارعة، وعليه فإن السبيل إلى المصالحة – التي تشمل الإقرار بالندم، بل حتى التعويض – يكمن في عملية حوار نشط تتطلب أن يفكر الأطراف في وجهات نظر أخرى لتقدير إمكانية تفهم وقبول دعاوي الطرف الآخر.

وتلتزم بعض المبادرات الدولية، مثل مشروع اليونسكو المعنون (طريق الرقيق) بتسهيل أشكال المصالحة هذه.

وفي بعض الحالات بادرت الدول ذاتها إلى اتخاذ هذه الإجراءات من خلال الإقرار بمعاناة مجموعة سكانية معينة، مثلما فعلت أستراليا وكندا بالنسبة للمجتمعات الأصلية فيهما.

ومن العناصر الرئيسة لحوار الثقافات، قاعدة ذاكرات مشتركة ومتبادلة، تعترف بها وتقبلها جميع الأطراف المعنية.

ويمكن لهذه العناصر تأمين أرضية متكافئة للقاءات الثقافية -من خلال أمكانية إعداد الخرائط الثقافية أو خرائط المجتمعات المحلية، حيث يمكن أن يُسهم ذلك كثيرًا في بلوغ هذا الهدف المزدوج المتمثل في إبراز التراث غير المادي والمعارف المحلية/الأصلية لمختلف المجتمعات المحلية عبر (التمكين، الثقة، التفاوض، الاحتياجات، الأساليب والأنشطة، النهج التشاركي)؛ والتي يمكن أن نلقي الضوء على الحساسيات الخاصة المرتبطة بموارد ثقافية، والحاجة إلى أن يراعي الحوار القيم الكامنة في الممارسات التي تحيط بها.

الجزء الثالث: يتبع

القسم الثاني: الناقلات الكبرى للتنوع الثقافي.

الفصل 3: اللغات.

الفصل 4: التعليم.

الفصل 5: المضمون الاتصالي والثقافي.

الفصل 6: الإبداع والسوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات