يؤمن الكثير من الناس أن هناك علاقة مباشرة بين النمو الاقتصادي والاستثمار في التعليم، ولكن هل تلك العلاقة كما يؤمن الكثير من الناس؟ إذًا كيف أصبحت سويسرا من أكثر البلاد الناجحة اقتصاديًا وصناعيًا، وهي لا تستثمر كثيرًا في التعليم مقارنة بالدول الغنية وأيضًا بالدول الفقيرة؟!

واحد من التفاسير المحتملة هو أن جودة التعليم مقارنة بالاستثمار تختلف من دولة إلى أخرى. على سبيل المثال الجامعات في كوريا أو لتوانيا ليست بنفس جودة وقيمة الجامعات في سويسرا، رغم أن الاستثمار التعليمي في تلك الدول قد يكون أكثر من سويسرا نفسها. من المعروف أن نسبة التسجيل في الجامعات السويسرية بين (10-15%)! وإن لم تكن تلك الإحصائية مفاجئة، فالمفاجئ في الموضوع هو أن سويسرا من أكثر دول العالم المتقدمة إنتاجيًا واقتصاديًا مقارنةً بعدد سكانها. حتى التسعينات كانت سويسرا قادرة على الحفاظ على مستويات عالية من الإنتاجية (الصناعية العالية) المحلية رغم أن التسجيل في الجامعات كان منخفضًا مقارنة بكثير من دول العالم مثل: أمريكا، فرنسا، اليابان، حتى دول نامية مثل البرازيل؛ إذًا علينا أن نتساءل. هل كانت زيادة التسجيل في الجامعات السويسرية ستزيد الإنتاجية أكثر من ذلك؟ وهل الكثير من الدول التي لديها استثمارات ضخمة في التعليم ولكن إنتاجيتها دون المستوى، تصبح استثماراتها في التعليم “ضائعة”؟

الأستاذ في جامعة كامبردج Ha Joon Chang)) ها جون تشانج يصف نظام التعليم العالي في الكثير من دول العالم على أنه أصبح مثل المسرح، يقف فيه الجمهور للحصول على رؤية أفضل؛ فيقف من خلفهم أيضًا للحصول على رؤية أفضل. عندما يقف الكثير من الناس في المسرح سوف يُجبر الجميع على الوقوف ولن يستطيع الجميع أن يحصلوا على رؤية أفضل أو مختلفة، وأصبح الكل واقفًا بلا سبب مقنع بل سيصبحون جميعًا منهكين. كذلك الاستثمار في التعليم، الكثير من الدول تستثمر في التعليم مليارات بلا جدوى وعائد حقيقي. ولا توجد أدلة كافية تثبت أن المزيد من “التعليم” يؤدي إلى ازدهار الاقتصاديات “القومية”. الكثير من المواد التعليمية التي يدرسها الكثير من الطلاب حول العالم لا تمت بصلة إلى تعزيز الإنتاج الصناعي أو الاقتصادي، على الرغم من أنها تمكن الناس من عيش حياة أكثر استقلالية. ما يهم حقًا في تحديد الرخاء الوطني ليس المستويات التعليمية للأفراد، ولكن قدرة “البلدان” على تنظيم الأفراد في مشاريع إنتاجية عديدة وربطها بنظام تعليمي محكم.

على سبيل المثال في عام 1960، كان معدل القراءة والكتابة في تايوان 54 في المائة فقط، في حين كان هذا المعدل في الفلبين 72 في المائة. وعلى الرغم من المستوى التعليمي الأقل، حققت تايوان نموًا اقتصاديًا يعد من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في التاريخ الإنساني بينما حققت الفلبين نموًا اقتصاديًا منخفضًا بشدة. في عام 1960، كانت الفلبين لديها ضعف متوسط دخل الفرد مقارنة بتايوان (200 $ مقابل 122 $)، ولكن اليوم، متوسط دخل الفرد في تايوان حوالي عشرة أضعاف متوسط دخل الفرد في الفلبين ($1,800 مقابل $18,000). في نفس العام كانت كوريا لديها معدل قراءة وكتابة 71 في المائة يمكن أن يقارن بمعدل الفلبين لكنه أقل من مستوى القراءة والكتابة في الأرجنتين. على رغم من نسبة تعليم (قراءة وكتابة) أقل، إلا أن معدل النمو الكوري كان أفضل بكثير من الأرجنتيني. في عام 1960، متوسط دخل الفرد كان خُمْس (1/5) متوسط دخل الفرد الأرجنتيني (82$ مقابل 378$). أما اليوم، فالمتوسط الكوري ثلاثة أضعاف الأرجنتيني. وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى.

بلا شك هناك عوامل عديدة أخرى غير التعليم تحدد النمو الاقتصادي للدول. ولكن هذه الأمثلة تدحض الأسطورة الشائعة بأن التعليم هو المقياس “الأول” للتقدم الاقتصادي.

على صعيد آخر، بين عامي (1980 – 2004) زادت الاستثمارات في دول جنوب صحراء أفريقيا وزادت نسبة القراءة والكتابة من 40 في المائة إلى 61 في المائة، ولكن النمو الاقتصادي انخفض 0.3 في المائة.

في عام ٢٠٠٤، لانت بريتشيت (Lant Pritchett) وهو اقتصادي من جامعة هارفارد ويعمل في البنك الدولي، كتب مقالًا بعنوان Where has all the education gone?)) – (أين ذهب كل التعليم؟)، وبعد دراسة وتحليل لبيانات كثيرة لدول غنية وأخرى نامية عن العلاقة الإيجابية بين النمو الاقتصادي والاستثمار في التعليم؛ توصل إلى أن هناك أدلة قليلة جدًا تدعم الرأي القائل بأن زيادة نسبة التعليم والمتعلمين تحسن النمو الاقتصادي.

لماذا لا توجد أدلة كافية تدعم ما يبدو أنه من البديهي بالنسبة للكثير من الناس، وهو أن زيادة نسبة التعليم يجب أن تجعل الدول أكثر غنى؟ ذلك لأنه وبكل بساطة، التعليم ليس مهمًا في رفع الإنتاجية الصناعية والاقتصادية كما نعتقد أو كما يكون التعليم في الكثير من البلدان. ليس كل التعليم من المفترض أن يزيد الإنتاجية. هناك العديد من الموضوعات التي ليس لها أي تأثير، ولو بطريقة غير مباشرة مثل: (الفلسفة، الكتابة الأدبية، الموسيقى،… إلخ). ومن وجهة نظر “اقتصادية” الكثير من تلك المواد التعليمية تضيع الوقت والمال.

بلا شك الكثير من تلك المواد مثل: (الدين، الفلسفة،… إلخ) مهمة للغاية، ولكن طريقة إدخالها في “النظام التعليمي” يجب أن تكون أكثر تأثيرًا وابتكارًا لحث المتعلمين على “التفكر” وفي نفس الوقت عدم تضييع وقتهم وشغفهم بالكثير من الأشياء الأخرى. إن كان هناك شاب لديه موهبة وشغف منذ صغره أن يصبح مهندسًا ومصممًا للعربات لماذا يجب أن ينتظر السنين ولا ينمي موهبته منذ صغره؟ ما قيمة مادة “التاريخ” بالنسبة له “اقتصاديًا”؟ أن يعرف الشباب والأطفال “التاريخ” بلا شك يشكل هويتهم، ولكن حتى الآن الكثير من النظم التعليمية لا تعلم التاريخ بالطريقة الصحيحة، وفي نفس الوقت تهدر مواهب الأطفال. كل هذا بلا شك إهدار للمال العام وبلا شك لا يفيد الاقتصاد.

ولكن ماذا عن سويسرا وغيرها من الدول المتقدمة؟ سأكتب عنهم في الجزء الثاني، وأرجو التواصل إن كان هناك وجهة نظر مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

استثمار, تعليم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد