كلماته شاردة كنظراته، تبحث عن عقول تصدقها كما هي، لا تعيد التفكير فيها، ربما لأنه اعتمد منذ البداية على تلك الفئة التي تؤمر فتنفذ، تسمع فتجيب، لا تحرك ساكنا بحكم السن، لا تلجأ إلى المناهدة.

فلا عجب أن يقول اسمعوا كلامي أنا وبس، وجل من يجلس أمامه عواجيز السن وعجائز الفكر، تربوا على أمره والتحرك بحكمته، حتى إنه نهرهم؛ لعدم تنفيذ رؤيته، حيث النظرة الثاقبة القائمة على «جنيه تصبيحة». متجاهلا أن سنن الله في الكون التنوع.

لم يكن غضب الرئيس عبد الفتاح السيسي عفويا في خطابه بمسرح الجلاء بمناسبة إطلاق رؤية مصر 2030م؛ فهو لا يريد أن يتحمل المسئولية أمام شعبه، كما كان يحملها لسابقه محمد مرسي، رأى أن الهجوم على الحكومة منه، قد يخفف الضغط عنه ويمنع انتقاده، ويرسل رسالة إلى الإعلام والرأي العام «أنا معكم».

وفي نفس اليوم، بل في خطاب واحد، والفرق جمل، يقول السيسي إن تغيير الحكومة يدخل مصر في دوامة، يناقض نفسه، ليقول للبرلمان إياكم والتفكير في تغيير الحكومة.

الرئيس رأي أن مؤسسات الدولة بدأت في التناحر، الوضع يتفاقم بين أمناء الشرطة والقيادات، وأزمة بين القضاة، بالإضافة إلى خناقة نواب الشعب، والإعلاميين، وألمح إلى ذلك مرجحا أن مؤامرة تستهدف البلد ككل. استطاع بلغته الحادة، وتحذيراته المتكررة أن يصرف الإعلام والرأي العام عن التناحر الدائر، إلى السخرية العارمة، ومن هنا اتخذت مواقع التواصل الاجتماعي دورها، انتشرت الهشتاجات، وغرد المغردون، وجمعت المقاطع وركبت الصور، وبدأ المصريون بدورهم في المشاركة.

وعقب كل خطاب يظل الوضع على ما هو عليه، تصريح يثير ضجة، كلمات تستخدم في السخرية، مقاطع تقطع وتلصق، محللون، خبراء، بينما يقف المواطن المصري على أعتاب يومه يفكر فيما قدم هو، لا يهمه ماذا قال الرئيس أو ماذا ينوي أن يفعل، يسمع كلامه أو كلام غيره، يدخل من أذن ويخرج من الثانية، فهو في النهاية كلام جرائد، أو كالمثل الشعبي كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح.

كنا نظن أن للرئيس حلولا سحرية، غير تلك التي يطرحها في خطاباته، بعيدا عن«عايز أقولكم حاجة، ولازم نبقى كدا، ومحدش هيقدر يقف قدمنا» … إلخ من الجمل التي إن دلت فإنما تدل على أن العقل الأمني يحكم ولا يرى، يقود المركبة من ثقب صغير، ولا يخرج رأسه حتى يرى ما يدور حوله، يظن للحظات أن أموال الخليج، أو حتى التأييد الإعلامي الأعمى قد ينجيه من الموجة مهما ارتفعت.

في الحقيقة  قد يكون محقا في ذلك؛ فتلك السياسة نجحت معه لمدة عامين، إلا أنه لم يفكر، ولو للحظة أن شعبيته تنزف، فمؤيدوه لم يعودوا كذلك؛ أضناهم الفقر، وأثقلت كاهلهم أعباء الحياة، فلا رئيس يرى، ولا حكومة تخفف، فكل اهتماماتهما جمع المليارات من الفقراء؛ لضمان رغد عيش الأغنياء.

يبدو أن الرئيس يؤسس لحقبة جديدة من الخطابات الرئاسية، القائمة على قوة الكلمة، وليس قوة الفعل، يحكم بقوة الصوت، لا بإرادة الشعب، ينهر لمخالفة تعليماته، وهو في الحقيقة يعلم مسبقا ما يجري، فلا مشروع تم أو يتم، إلا بعلمه وبتوقيعه الشخصي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد