من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر!

كانت هذه كلمات السيد المسيح للدفاع عن باغية سقطت في أيدي بني إسرائيل، وكعادتهم كانوا كلابًا مسعورة أخذوا يرمونها بخطاياهم الخاصة، كان مع كل حجر يضربونها به، جريمة فعلها أحدهم تسقط عن كاهله، هل نحن نرجم الآخرين حتى نرحم أنفسنا؟! هذه فكرة لطيفة، نحن دائمًا في حاجة لتقديم التضحية وتعذيب أحدهم، فلماذا أعذب نفسي في حين بإمكاني سلخ جلدك عن عظامك؟! هي أخطأت لقد وقعت في الخطيئة وأنا لم أقع مثلها، أو لا أحد يعرف أني فعلت!

لكن ما تعريف الخطيئة؟ ولماذا إحساس القلق يصيبنا ولا يصيب آخرين حتى لو فعلنا نفس الجريمة بنفس التفاصيل؟

لماذا تعذب راسكولنيكوف بالرغم من تفكيره السليم الواعي وتخطيطه الدقيق لقتل العجوز؟

راسكولنيكوف شاب وسيم، طوله فوق المتوسط، رشيق، بنيته جيدة، لديه عينان سوداوان وشعر بني غامق وهو بالمناسبة بطل رواية الجريمة والعقاب للكاتب دوستويفسكي، وهناك حيلة صغيرة لنطق اسمه صحيحًا، بوضع المقطع توى في المنتصف ليصبح (دوس – توي – يف – سكي)، وشخصيات الكاتب معقدة أكثر من طريقة نطق اسمه، لذلك كان راسكولنيكوف شاب ذو عقل ذكي للغاية، لكنه فقير، توصل إلى أن هناك نوعين من البشر، الأول المتفوق أو الخارق وهؤلاء هم الأمراء، الأبطال والملوك مثل الإسكندر الأكبر، والنوع الثاني أي شخص آخر الطبيب والعامل.

والنوع الأول من الأشخاص مصرح لهم بفعل أي شيء يريدونه، لا قوانين ونصوص دينية تمنعهم من ذلك، ورغم ما يفعلونه من شرور، فإن النوع الثاني يحبهم ويقدسهم كما يميل لاتباعهم، من المؤكد أن الإسكندر قتل من البشر الألوف، وبالرغم من ذلك الجميع يحترمه ويقدسه إلى يوم كتبت فيه هذه الرواية وإلى يومنا هذا، وحتى يصل الأسكندر إلى مكانته، هذا تمتع بقسوة ولا مبالاة بالآخرين إلى حد كبير، فلا شيء منعه من الحصول على ما يريد.

كان في المدينة التي يسكن بها راسكولنيكوف عجوز مرابية تحمل كل الشرور، الجشع، الطمع والقسوة فكانت لا تبالي بآلام الآخرين، وتتاجر بحاجتهم كما كانت تتمتع بجهل وغباء كما شاكلة كل غني لا يستحق ماله الذي يملكه، راسكولنيكوف ذكي، متفوق، كما أنه قرر انتماءه للنوع الأول من البشر، ذلك النوع الذي يحصل على أي شيء يريده، كما قرر أنه يملك من القسوة ما يمكنه من قتل العجوز والحصول على مالها فقط لأنه يريد ذلك، وضع خطة دقيقة تمامًا، وتدرب عليها كثيرًا، ذهب ينفذها، وقتل بالفعل العجوز، وصادفته أختها غير الشقيقة الحامل، فقتلها هي أيضًا، وأخذ المال وهرب، لكن يفاجأ بإحساس من القلق وتأنيب الضمير يعجزه ويدخله في نوبات هستيرية ونهاية قاده ذلك القلق لتسليم نفسه للسلطات حتى يحصل على عقاب يستحقه، لكن هل قتل هذه السيدة جريمة فعلًا؟ إنها سيدة عجوز تستغل حاجة الناس، وتنشر الشر بينهم ولا تقدم المساعدة أو الخدمة لأي أحد هذا غير قسوتها على أختها، صحيح أن راسكولنيكوف قتلها، لكنه لم يخطط لهذا، بل كان مصادفة لذلك لن نحتسب هذا جريمة كاملة، يمكننا القول إن حظها سيئ!

يمكننا قول إن قتل هذه السيدة هو الخير بعينه، هل إزالة القمامة شر؟ حسنا هذه أيضًا قمامة، لكن قمامة بشرية، شيء واحد يمنعنا من قتلها، من الذي يضع قوانين الخير والشر؟ لا يوجد خير أو شر هنا فقط كل شخص وقدرته على أخذ ما يريد وحسن قراءة قدراته، راسكولنيكوف فشل في إتمام المهمة وهي التمتع بالنقود؛ لأنه لم يحسن معرفة نفسه وتقدير قدراته، لكن ضع أحدًا غيره مكانه وستجده يصرف الأموال المسروقة على كل ما تشتهي نفسه، وعندما تنفذ سيجد امرأة عجوز أخرى ليقتلها.. نحن قتلة والجشع صفة متأصلة في نفوسنا، هناك فقط من يستطيع أن يعترف بذلك، ويخرج نيته للعلن، ليقفز من شجرة لشجرة، ومن جريمة لأخرى، وهناك من يقفون على الخط، بين ما يجب فعله ورغباتهم، من يتبعون القوانين دون معرفة واضعها، ويحترمون القانون وهم يرون بعيونهم من يكسره دون خجل، هؤلاء هم الودعاء، خراف الرب الحيارى من يصيبهم القلق والندم قبل النوم، أما أمثال الإسكندر الأكبر فقد جعلوا من رجل الدين دابتهم ومن النساء بغايا ومن الطبيعة فراش، هم آلهة صغار، يطمحون بغزو العالم حتى أن وقف أحدهم وكل الأرض ملكه نظر إلى السماء، وقال: لا يوجد ما يكفيني على هذه الأرض!

بينما يرضى المساكين بامتلاء نصف معدة، ونصف دفء ونصف مأوى، يقفون على حافة المعركة وآخر الصف وآخر الدنيا يستعطفون الملك في حق الحياة.

نحن الأبناء غير المرغوب فينا خشية من الحياة ذاتها، قدومنا خطيئة وحياتنا مزعجة، فخير ما نفعله هو الصمت حتى لا نزعج حضرات النوع الأول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد