رمزيات داوود عبد السيد في أرض الخوف، بين الذكريات مع الأوهام مع الأحلام مع الحقائق!

لا يمكن لشخص عاقل إنكار عبقرية فيلم أرض الخوف، لكن السؤال الذي يسأله الكثيرون لماذا هو عبقري؟ تلك الجملة التي نسمعها بعد كل فيلم يناقش فلسفة المخرج «الفيلم جيد لكني لم أفهمه».

هذه مجرد محاولة أخرى يائسة للإلمام بفلسفة أرض الخوف، وأنا لدي اقتناع شخصي أن هذا الفيلم لا يمكن تلخيص كل جوانبه في مقال أو مراجعة واحدة؛ لذلك ببساطة عليك مشاهدته مرة أخرى.

في كل الأعمال السينمائية يوجد صراع «conflict»، وينقسم إلى صراع خارجي، وهو صراع البطل مع أسباب خارجة عن شخصيته مثل الحكومة، المجتمع، أو رجل آخر يسعى لخطف حبيبته، أو صراع داخلي وهو صراع الإنسان مع نفسه وأفكاره.

لدينا الشخصيات المركبة، والتي لديها صراع خارجي وصراع داخلي، لكن هنا في أرض الخوف الوضع مختلف تمامًا، الفيلم مبني بشكل رئيسي على أكثر من خط عمل: قصة الفيلم الرئيسية- إسقاط سياسي- البعد الفلسفي- البعد الديني.

قصة الفيلم تدور حول مهمة رسمية توجه ضابط شرطة شريف يدعى يحيى المنقباضي (أحمد زكي) للدخول في عالم تجارة المخدرات، يصبح جاسوسًا يخبر الشرطة بتقارير دورية عن أعمالهم، لكن لن تكون مهمة لفترة محددة، هذه المهمة هي حياته كلها، هو لن يمثل كونه تاجر مخدرات، هو بالفعل تاجر مخدرات تطارده الشرطة ويتعرض لإطلاق النار داخل عالم تجارة المخدرات، سيتحول من يحيى المنقباضي ليصبح يحيى أبو دبورة، إشارة لعمله السابق كضابط، ويعيش بشخصيتين ضابط البوليس، وتاجر المخدرات. والحق يقال إن هذه القصة وحدها تكفي تمامًا للإعجاب بالفيلم وتضمن نجاحه.

ثاني بعد هو الإسقاط السياسي

أول مشهد في الفيلم عبارة عن شاشة مكتوب عليها القاهرة 1968، وهو تاريخ محدد ومكان محدد، صاحب صفات معينة مختلفة عن غيرها، هذا التاريخ بعد النكسة بسنة واحدة، ومن المعروف وقتها استغلال الدولة للفنانين والمغنيين لتغييب الشعب.

لذلك في آخر مشهد توكيل يحيى بالمهمة، ظهر كادر صورة على الحائط للفنان عبد الحليم حافظ، دلالة على أن الفترة السابقة كانت مخدرات الشعب هي الأغاني، لكن في بداية هذه الفترة انتشرت المخدرات، خاصة الحشيش.

وفي الوقت نفسه هذا هو تاريخ الثورة الطلابية في مصر، وأول جملة حوارية في الفيلم بين أحمد زكي وأحد العمال هي:

– اتأخرت ليه يا أستاذ يحيى؟

– إيه، السكة واقفة والطلبة عاملة مظاهرات.

الثورة الطلابية كانت أول ثورة معارضة للحكومة وسياساتها بعد النكسة، بعد قمعها أدركت الحكومة أن استخدام الأغاني الوطنية لتغييب الشعب لم يعد ممكنًا، وأن هناك جيلًا جديدًا لن يؤمن ويصدق هذه الشعارات بعد ما رآه من هزيمة، لذلك كانت المخدرات هي الحل الفعلي والعملي لتغييب الشعب!

بعد ذلك، وفي أوائل الثمانينيات تنتشر المخدرات البيضاء ليصبح هناك صراع جديد داخل أرض الخوف بين التجار أنفسهم، أصبح للسوق قواعد جديدة وقوى مختلفة، المحرك الرئيسي لها هو رأس المال، لدرجة رفض تجار الحشيش لهذا الصنف الجديد، ووصف هذا الفعل بالاجرام.

«أعيش بدون القدرة على التعبير عن مشاعري وأحاسيسي بدون أهل أو صديق».

 البعد الفلسفي

يناقش داوود عبد السيد فلسفة الوجودية بوضوح تام، ويتدرج في الصراع النفسي للبطل درجة درجة. في أول المهمة تجد سؤالًا واضحًا أمامك: هل الغاية تبرر الوسيلة؟ ثم بعد قبولها تسأل ما هو الصواب والخطأ، الخير والشر؟ ما الفرق الفعلي بين ما هو جيد وما ليس كذلك؟

أصبح يحيى يحمل كل أسباب الصراع مع النفس بعد قبول المهمة، ويظهر هذا من خلال حديثه مع نفسه ومراجعتها، لتظهر جمل تعبر عن مدى معاناته وتخبطه. الإحساس بالغربة والوحدة، وعدم القدرة على التعبير «أعيش بدون القدرة على التعبير عن مشاعري وأحاسيسي بدون أهل أو صديق». الشك في الصواب والخطأ :«هل أخطأت أم أصبت في الاختيار؟».

الشك في الذات ودوافعها «هل أنا حقًّا ضابط شرطة؟ أم تاجر مخدرات؟» مرورًا بالشك في وجود مهمة، وانتهاء بالشك في الوجود ذاته، ويظهر في مشهد يرفع يده أمام عينه ليتأكد من وجوده وأنه حقيقي!

ثم الوصول إلى قمة الصراع النفسي الذي يظهر في تلك الجملة الشهيرة «الذكريات اختلطت مع الأحلام مع الأوهام مع الحقائق»، لإعلان واضح بعدم قدرته على التمييز مجددًا!

الجانب الآخر للصراع النفسي هو الحب في حياته، فقد تزوج يحيى ثلاث مرات في الفيلم، في أوله من الراقصة رباب، التي لم يحبها يحيى المنقباضي، ولكن أراد أن يتزوج منها يحيى أبو دبورة، وحرص على ألا ينجب منها!

الثانية هناء التي زوجها له المعلم هدهد بمبلغ مالي، ويمكن أن ينفصل عنها في أي وقت، وهي تمثل وهم الراحة ليحيى أبو دبورة، وخيالًا لا يمكن أن يعيش فيه يحيى المنقباضي.

و أخيرًا فريدة، جسدها داوود شخصية قوية وذكية، وهي تمثل الحقيقة، رفضت شخصية يحيى أبو دبورة تاجر المخدرات، لكنها أحبت يحيى ذاته، وهي الوحيدة التي وجد عندها الراحة والطمأنينة.

رابع بعد هو الديني 

وظهر هذا في اختيار الأسماء والرمزيات:

اللواء الذي كلفه بالمهمة اسمه مأمون، الاسم الحركي ليحيى في المهمة آدم، الإنسان الأول على الأرض، والمهمة أرض الخوف تمثل خوف آدم عند الهبوط من الجنة للأرض، في مشهد التوكيل بالمهمة أخذ يحيى تفاحة لتكون هذه أول خطيئة له، وفي أول مشهد للقتل كانت الكاميرا مرتفعة دلالة على وجود من يراقب كل ذلك، واعتراف يحيى بأن القتل كانت رغبة محببة لنفسه، تاجر المخدرات الذي تبنى آدم اسمه هدهد، وكان مطمئنًا لا يعاني من صراع داخلي ومؤمن بالله، موسى الموظف بالبريد وهو يردد جملة «أنا رسول أنا مجرد رسول».

الإشارة للصراع بين الشيطان أو إبليس في الصراع وإمداده بالعون السريع حين طلب مساعدة في الشر لتهريب مجرم، والاختفاء تمامًا عند طلبه اليقين أو إشارة للتأكد أنه على صواب، ومع تطور الأحداث ظهر في شخصية عمر ضابط شرطة آخر يرفض تمامًا خروج يحيى من عالم الجريمة، ويريد القضاء عليه أو الاعتراف بأن آدم أفضل منه والسجود له.

للأسف لم يوف هذا المقال كل جوانب الفيلم الصوتية والبصرية، كل مشهد في الفيلم هو لوحة يمكن أن تعلق ورمزية يمكنك شرحها. والموسيقى كان لها دور لا يقل عن تمثيل أحمد زكي دون أي مبالغة.

نحن أمام عمل سينمائي من أعظم الأعمال في تاريخ السينما العالمية لذلك أدعوك أن تشاهده مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد