يعد حسن الجوار من الأبجديات الأساسية التي تقوم عليها العلاقات بين الدول المتجاورة من أجل تحقيق الاستقرار وضمان توفير الشروط المثلى للتعاون والتكامل الإقليمي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أنه مبدأ عام من مبادئ القانون الدولي؛ إذ يجبر الدول على أن تكيِّف سياساتها بما يمس بمصالح دول الجوار، وعليه فإن الإخلال بهذا المبدأ يؤدي بشكلٍ طبيعي إلى التأزم، و الصراع وحتى الصدام في بعض الأحيان، لأن كل دولة سيدة مثل الجزائر لا يمكنها بأي حال القبول بأن يتحول جوارها إلى مصدر تهديد وخطر على مصالحها وأمنها الوطني، ويحفل التاريخ بنماذج عديدة حول هذا الموضوع، أي كيف يمكن أن يؤدي سوء الجوار إلى نتائج سلبية على العلاقة بين الدول واستقرار كل واحدةٍ منها، ونذكر في هذا الصدد النموذج السوري العراقي؛ حيث يبقى مثالًا عمليًّا على التأثيرات العكسية لمحاولة زعزعة الاستقرار في دولةٍ مجاورةٍ.

بين سوريا والعراق جغرافيا وتاريخ وديموغرافيا وثقافة مشتركة، وحتى في المجال السياسي فقد خضع البلدان لحكم منظومة أيديولوجية شمولية واحدة مع اختلاف التجسيد الطائفي والمناطقي والشخصي لها (تكريت والقرداحة)، بيد أن التوتر بقي هو السمة السائدة للعلاقة بين البلدين على مدة عقود من الزمن.
و جاء الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003 ليفتح فصلًا جديدًا مأساويَّا في كتاب العلاقة بين الجارين الشقيقين، إذ عمل النظام السوري على إفشال التجربة الأميركية على حساب استقرار العراق، وظلت سوريا على مدى سنوات منذ 2003 إلى 2010 إحدى المقرين الأساسين لانطلاق وتوجيه عمليات العنف التي تسببت في تهييج الحرب الاهلية الطائفية في المدن العراقية، والمقر الآخر لا يخفى على أحد وهو إيران الجار الشرقي السيئ للعراق، وقد حاول الكثيرون تبرير الدور السوري في دعم الزج بالجهاديين والسيارات المفخخة في الساحة العراقية على أنه سلوك مقاوم ضد الاحتلال دون الاهتمام بنتائجه العملية، وبغض النظر عن الموقف من النظام السياسي في عراق ما بعد الغزو ومدى صلاحيته، ما يهمنا في هذا الحديث هو التأكيد على عواقب محاولة زعزعة الاستقرار في دولةٍ مجاورةٍ، حيث ما فتئ أن غيرت شرارة العنف اتجاهها من خط دمشق – البوكمال – الأنبار – بغداد إلى الجهة المعاكسة، وأصبحت الأراضي السورية هي الساحة المفضلة للحرب الأهلية، وبالأدوات نفسها التي كانت يستعملها نظام الأسد ضد جاره العراقي، الذي صار للمفارقة أحد حلفائه الذين يستجديهم ضمن المحور الإقليمي المنخرط في دعم النظام السوري.

إن الدرس السوري العراقي يمكن أن يشكل قاعدةً يستند إليها الأشقاء المغاربة في مراجعة نظرتهم في العلاقة مع الجزائر، والتخلي عن الطموحات التوسعية التي تدفع إلى تبني سياسة عدائية تعمل على زعزعة الاستقرار والإساءة لحسن الجوار، حيث إن دعم المنظمات والكيانات الانفصالية التي تتبنى بشكلٍ زائفٍ شعارات الديموقراطية وحقوق الانسان قد تترتب عليه نتائج عكسية سيئة على المغرب نفسه، وهذا ما حدث مع النظام السوري عندما حاول توظيف التنظيمات الجهادية بذريعة المقاومة.

وفي الختام، نذكر أن باحثًا أمريكيًّا يدعى جراهام إليسون قد تحدث عن ظاهرة في العلوم السياسية مستوحاة من التاريخ اليوناني القديم تدعى فخ ثوقيديدس، عندما تتصارع قوتان حول النفوذ مثل الجارتين إسبرطة وأثينا، وإن كان استعمال المفهوم حاليًا يأخذ بعدًا عالميًّا للإشارة إلى احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، إلا أن التطبيق الإقليمي لهذا المفهوم والمرتبط بحسن الجوار يبقى صالحًا ويشكل إطارًا لتذكير الدول أن السعي وراء تحقيق طموحاتها لا يجب أن يسقطها في فخ تهديد مصالح الآخرين في الجوار، لأن نتيجته ستكون المواجهة المدمرة او ارتداد الآثار السلبية للسياسات الخطأ على أصحابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد