منذ ثلاثين عامًا أعني بضع وثلاثين عامًا، برز اسم إيران، برز محاطًا بهالة من الصخب، هالة من نور القداسة الإسلامية الأصولية، التي تجعل كل المسلمين يقفون في صف صاحبها عن سذاجة وجهل، برزت إيران بعد الثورة الخمينية باعتبارها حامي حمى الإسلام والدرع الحصين للإسلام الذي بدا متضعضعًا باعتماد الدول العربية وتركيا مسار العلمانية السياسية والاشتراكية، وإدغام المملكة العربية السعودية في حلف متين وقوي مع الولايات المتحدة الإمريكية التي يعدها المسلمون الشيطان الأكبر والعدو التاريخي الأسوأ، في هذه الظروف بالذات ظهرت إيران الإسلامية، تحمل لفظ الجلالة في صورة تاج على رايتها، فسلبت الباب المسلمين وظنوا أنها دولة الحق في مواجهة باطل الكفر.

حينئذ كانت جدلية السنة والشيعة، ومسميات الرافضة والنواصب شبه مضمحلة، فقد اتجهت مذاهب أهل السنة والجماعة لمقارعة الأفكار اليسارية والرؤى العلمانية الليبرالية للحياة، مغفلة بتلك المعارك معركة الوجود الأهم التي بدأت في زمن مبكر منذ ظهور الفرق الشيعية المتطورة. حينئذ كانت إيران لا تخفي هويتها الشيعية، لكنها لا تبدو وكأنها تحمل ضغينة للدول الإسلامية الأخرى، ذات الأغلبية السنية.

أعجب بها جل البسطاء المسلمين منهم «كاتب هذه السطور في طفولته» ورأوا في إعلانها العداء الصريح لأمريكا وإسرائيل نصرة للمسلمين ونصرة للحق الذي طالما خذل من الأقربين قبل الأبعدين. بل أن إيران أتقنت استغلال القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني وشرعية المقاومة الفلسطينية من أجل فرض ذاتها باعتبارها قوة إسلامية تغلغلت في لب الضمير العربي والإسلامي.

حينئذ كانت دول الخليج والدول العربية باستثناء اليمن مذعورة من خطر الرؤية القومية التي صورت بالهمجية والتي تذرع بها صدام لغزو الكويت، فرأت في العراق الصدامي* عدوًا لدودًا يجدر بها التخلص منه ولم توفر غاليًا ولا نفيسًا إلا وبذلته من أجل التخلص من هذا النظام المشاكس الذي بدا وكأنه خطر ماحق على عروش الحكم فيها، أفلحت الدول العربية في النهاية في استعداء الغرب على صدام حسين، وتمكنت خلال بضعة سنوات من إنهاك صدام ونظام صدام وعراق صدام ثم إزالته من الخارطة.

كانت تلك الخطوة هي الكارثة التي صنعتها الدول العربية ودول الخليج بالذات على نفسها، إذ أن العراق الصدامي الذي رأت فيه خطرًا عليها، كان هو الحامي الحقيقي لها، إذ كان هو السد المنيع الذي يمنع إيران من بسط أذرعها الإخطبوطية، لتنفيذ مشروع توسعي وضع العالم العربي في إتون حرب لا أحد يعلم متى نهايتها، ووضع دول الخليج وسط حرب، لا تعلم كيف تنتهي بها.

سقط الجدار إذا فتحت إيران بمعاول دول الخليج والدول العربية وباستخدام قوة التحالف الغربي ثغرة كبيرة في وجه الجدار العربي الذي كان يمثله العراق، تقوضت أركان السد الكبير الذي ثنى الساسانيون عن الحيرة، وانتعشت بذلك السقوط المدوي أحلام كسرى أنو شروان، حلم بأن يعيد باذان في صنعاء إلى حياض الطاعة فأيقظ حسين الحوثي وذكره بحكم سلالته الذي اغتصبه الجمهوريون فقام حسين ملبيًا، وأيقظ حسينًا آخر في لبنان، ولم يتوان في دعم التشيع في سوريا وإيقاظ الروح العلوية في الثلة الأسدية الحاكمة فغدت سوريا خاتمًا طيعًا في يده، أما العراق أسلمتها أمريكا إلى يد إيران دون قيد أو شرط، فغدت طرفًا من أطراف إيران وحدًا من حدودها.

ويا لسخرية القدر كيف تدفع دول عربية تكاليف الحرب على العراق الصدامي، ثم يصبح عراق ما بعد صدام، عصا في يد الد أعدائها وأشرس خصومها، بالعربي إني لأعجب كيف يهنأ لدول الخليج أن ترى نتيجة حرصها على إسقاط حكم صدام وقد غدا سببًا يهدد وجودها وكيانها وأمنها القومي؟، كيف يهنأ لها أن تدفع تكاليف حرب خلصت العراق من صدام لتسلمه إلى إيران؟

إن إيران أشبه بطائر اللقلاق، الطائر الذي يضع أفراخه في أعشاش الطيور الأخرى، فتغذيها وتربيها، دون أن تعي وتترك أفراخها يموتون جوعًا. لقد أتقنت إيران وضع أفراخها في أعشاش دول الخليج فلم تتوان الأخيرة في تغذيتها وتقويتها، لتصبح في النهاية خطرًا يهدد وجودها والأمن القومي.

فعلت ذلك حين صرعت النظام الصدامي في العراق بخلفيته الصارمة المعادية للنفوذ الإيراني، لتسلم العراق في النهاية هدية باردة لإيران، بلهجة البدو، كانت العراق عطية من ورائها جزية. ومثل ذلك فعلت دول الخليج بخصوص الحوثي، كان الحوثي هو أشرس فرخ لقلاق رُبي في أعشاش دول الخليج وتحت بصرها.

إذ لم تتوان دول مثل المملكة والإمارات عن دعم الحوثي خلال مسيرته لاقتحام المدن اليمنية بدعوى التخلص من الوجود الإخواني أو حكم الإخوان، الذي كان فزاعة كبيرة لدول الخليج عن قضيتها الأهم، وجعلها تصنع السلاح الذي سيحاربها، والذراع الذي ستضربها دون هوادة.

استفادت إيران من ضبابية السياسة التي تمضي عليها دول الخليج العربي، وصنعت لنفسها المكانة التي تطمح إليها. وضعت لها في كل شبر من الوطن العربي بؤرة، وفي كل وطن بقعة التوكؤ عليها، وهذا الأمر بحد ذاته قصة نجاح تحسب لهذة الدولة التي تحلم أن تعيد كسرى أنو شروان مرتديًا عباءة علي بن أبي طالب.

بلغة السياسة ما تفعله إيران ذكاء شاء من شاء وأبى من أبى، وبلغة العاطفة ما تفعله إيران نذالة، وبلغة الحوثيين ما تفعله إيران وحي من الله، وإلهام من الأئمة الأطهار.

في النهاية إيران دولة تجمع بين البساطة والخبث، بين القسوة والليونة، فهي تعرف تماما متى تنبطح وتعرف تماما متى تستقيم بصلابة رمح. إنها دولة أفلحت في جعل حروبها المصيرية في أراضي أعدائها وأراضي حلفائها، وجنبت جغرافيتها الكبيرة الحرب وهذا لعمري ذكاء.لكنه لن يمنع عنها خطر الهزيمة الماحقة التي إن كتبت عليها فسيندثر نظام الحكم القائم فيها للأبد ودون عودة.

*العراق الصدامي: العراق إبان فترة حكم صدام حسين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد