لنا في التاريخ عبرة، فهو صاحب القول الفصل في صحة أية نظرية أو رأي. فبين كلام مُنمق فصيح ولكنه ذو أصل واهٍ، يقنع من يسمعه أو يقرأه لفصاحة صاحبه وبلاغته وقوة بيانه، وبين كلام يبدو ركيكًا أو صعب التصور لبعده عن الناس لكنه قوي الحجة والأقرب للصواب يظل التاريخ هو أقوى حكم ولا تعلو كلمة على كلمته.

هذه قصة بلدين من أغنى وأكبر الدول الإسلامية. تشابهت ظروفهما إلى حد كبير جدًا يومًا ما، ثم ونتيجة حدث واحد في كل دولة منهما ظلت الفجوة والهوة تزداد يومًا بعد يوم حتى وصلت إحداهما لقمة الجبل وانحدرت الأخرى حتى صارت في غيابة الجب. تشابهت ظروف إيران والعراق بفارق زمني يقارب 20 سنة، وتشابهت المقدمات واختلفت النتائج.

المقدمات المتشابهة

محمد رضا بهلوي – صدام حسين

إيران

كان حاكم إيران هو الشاه محمد رضا بهلوي – والذي حكم منذ 1941 وحتى عام 1979 – وكان مثالًا للحاكم المستبد الظالم، يعذب ويقتل معارضيه. ورغم حكمه لبلد غنية ومليئة بالإمكانيات الطبيعية والبشرية وذات تاريخ تليد. وإلا أن ما قام به أدى للإطاحة به في النهاية.

فقد وأد الديموقراطية وعمل على الإطاحة برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق والذي عمل على الحد من تدخل رجال البلاط في السياسة وشؤون الجيش، وسن قوانين لزيادة انتفاع المزارعين مما يزرعونه على حساب أصحاب الأرض الكبار. كما ألغى الحياة السياسية في إيران تقريبًا وبدأ عهد الحزب الواحد، واعتمد اعتمادًا كبيرًا على القوات المسلحة في كل أمور الدولة. كما أعاد الشرطة السرية – السافاك – للعمل مرة أخرى. وكان التعذيب والقتل مصير المعارضين على اختلاف أطيافهم من أقصى اليسار لأقصى اليمين، وفوق ذلك محاولته لفرض الثقافة الغربية بالقوة في كل مناحي الحياة. بالإضافة لاستيلائه على أموال معارضيه بعد اعتقالهم وتقليص دور النقابات وتقييده لحرية الصحافة.
وعلى الرغم من استبداده السياسي كان عصره عهد انتعاش اقتصادي، وذلك نتيجة لعائدات النفط وتعدد مشاريع التنمية الاقتصادية وزيادة الاستثمار. ولكن ذلك الانتعاش لم يعد بنفس القدر على الفقراء والذين كونوا القوة الضاربة للثورة فيما بعد.

العراق

كذلك كان صدام حسين – والذي حكم منذ 1979 وحتى عام 2003 – رجلًا سفاكًا للدماء، لا يتوارى من جرائمه ولا يحاول حتى نفيها أو التنصل منها. وقد حكم إحدى أكبر الدول العربية مكانة وأعرقها تاريخًا، وقد بدأ حكمه والعراق دولة غنية بالموارد الطبيعية والبشرية وتملك قوات مسلحة متقدمة. ولكن كان كل شيء مسخرًا لخدمته وخدمة رجال حزبه. وانتشرت في عهده حوادث الاختفاء لأي شخص يعارضه سرًا أو جهرًا. وعمل حتى على تصفية معارضيه من داخل حزب البعث.

وبالمثل أيضًا كان الاقتصاد العراقي في بداية عهد صدام منتعشًا بسبب الارتفاع الكبير في عائدات النفط، ولكن ذلك لم يدم بسبب حروب صدام العبثية والتي لم تسفر عن أي شيء سوى ضياع الدولة.

النقاط الفاصلة

ثوار إيرانيون يحملون صورة الخميني

إيران

مع تفاقم مساوئ حكم الشاه قامت ضده ثورة عارمة، ثورة لم تُبق حجرًا في مكانه. كان للثورة مقدمات طويلة ومحاولات متعددة وكثيرة. وبسبب الظلم الواقع على الجميع – من أقصى اليسار لأقصى اليمين – انفجر الجميع، وقاتلوا ضد الشاه ورجاله. وفي الثورة الإيرانية والطريق إليها أحداث وعبر كثيرة جدًا جدًا بداية من المحاولات الدؤوبة وعدم الكلل في السعي للثورة، وحتى كيفية حشد الناس وجعلهم يتبنون مطالب الثورة ويضحون في سبيلها.
كانت الثورة هائلة وذات تأثيرات كبيرة ومستمرة حتى الآن، فقد غيرت الثورة كل شيء في إيران بداية من طريقة الحكم، والنظام السياسي بأكمله، وشكل القوات المسلحة، وحتى نظم التعلم والمناهج الدراسية، بل وحتى المنظومة القيمية ذاتها.

العراق

وعلى الجانب الآخر ظل العراق على حاله من القهر والاستبداد وأدى ذلك لتدهور كبير ملحوظ اجتماعيًا واقتصاديًا بسبب الحروب العبثية ثم الحصار الاقتصادي الطويل. مما أدى بعد ذلك لنتائج كارثية على البلد وأهله بل وعلى كل المنطقة. وجاءت النتائج مطابقة لقول بنجامين فرانكلين أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة:

من يضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أيًا منهما.

اختلاف النتائج

إيران

أصبحت إيران بعد الثورة رقمًا صعبًا سواء في المنطقة أو في العالم كله. فقد استطاعت مواجهة أمريكا سياسيًا بكل عنف، وبمنتهى الندية، بمجرد قيام الثورة في حادثة السفارة الأمريكية الشهيرة. وصارت قوات الحرس الثوري من أقوى الجيوش في المنطقة وتذهب الآراء إلى أنها تشرف على إنتاج أسلحة نووية بتكنولوجيا تم تطوير أغلبها محليًا، هذا فضلًا عن التصنيع الحربي الواسع من دبابات وسفن وبعض قطع الطائرات. كل هذا بعد أقل من 30 عامًا فقط على استخدامهم المولوتوف والأسلحة بدائية الصنع في حربهم ضد العراق، لدرجة أن كل فرد محارب كان مسؤولًا عن توفير السلاح الذي سيحارب به في كثير من الأحيان في بداية الحرب. فصارت إيران دولة محترمة لها هيبة. تستطيع التفاوض مع الدول الكبرى وتعلم متى ترخي الحبال معهم ومتى تجذبها. كل هذا بالإضافة إلى تفوق علمي ملحوظ وناتج بحث علمي كبير.

العراق

وفي الجانب الآخر نرى العراق بعدما تورط في حربين عبثيتين، الأولى ضد إيران لمدة ثمان سنوات وانتهت بنتيجة وحيدة هي: “لا شيء” غير الخسارة الاقتصادية والبشرية. والثانية ضد الكويت وانتهت بقصف العراق من قبل تحالف عربي دولي، ثم حصار اقتصادي طويل أدى لوفاة وإصابة العديد من العراقيين بالأمراض، وذلك فضلًا عن انهيار الاقتصاد العراقي.

ثم بعد ذلك دُك العراق دكًا من عدة دول وعلى رأسهم أمريكا، وتم احتلال العراق، إحدى أقوى الدول الإسلامية على الإطلاق قبل 15 عامًا فقط. وانهار جيشها في لمح البصر وسقطت عاصمتها في ليلة واحدة رغم مقاومة ميناء صغير يُدعى ميناء أم قصر لأكثر من أسبوعين.

والوضع الحالي لا يخفى على أحد من:

تقسيم فعلي للدولة العراقية لثلاثة دويلات: بين عملاء لإيران وأكراد وداعش.

01- تقسيم فعلي للدولة العراقية لثلاثة دويلات: بين عملاء لإيران وأكراد وداعش.
02- أحدى أكبر الدول المصدرة للنفط تنقطع عنها الكهرباء دائمًا.
03- هروب العديد والعديد من الكفاءات البشرية.
04- القتل على الهوية.
05- صار يُضرب المثل بالعراق في التفتت والتشرذم بعدما كانت إحدى أقوى دول المنطقة.

بين فوضى الثورة وركود الاستبداد

النقطة الرئيسية الفارقة في مسار الدولتين هي الثورة. فبين من رفضوا الظلم وتحملوا مشقة الفوضى بعد الثورة، ومن خضعوا للظلم فذاقوا العذاب أضعافًا مضاعفة بعد ذلك نرى الفارق بين البدايات والنهايات.

ولربما حاول أهل العراق كثيرًا رفع الظلم والاستبداد عن كاهلهم، لكنهم فشلوا على عكس ما حدث في إيران بعد العديد من المحاولات.

ونرى الآن الأمثال تُضرب بالعراق، فيقول أحدهم إن الثورة والفوضى المتخلفة من ورائها ستجعلنا كالعراق. كذبوا والله بل الرضوخ والخضوع والخنوع للظلم هو الذي يؤدي لذلك.

لربما لم تكن إيران هي الدولة المُثلى التي نطمح أن نصبح مثلها، ولكن الثورة هي المنهج. ولربما قاوم أهل العراق صدام فعلًا وبعضهم قد أعذر نفسه أمام الله، لكنهم كما قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد):

لكي يستمر الاستبداد لا يكفي أن يكون هناك حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، بل لا بد من وجود شعب يقبل هذا الاستبداد، لأن الاستبداد طريق واحد ذو اتجاهين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد