برزت خلال الفترة الأخيرة في الساحة الدولية دولة إيران كلاعب أساسي، من خلال تحركاتها الجيوسياسية في دورها الكبير في احتلال العراق، سنة 2003م، هذا الأخير الذي كان بدوره يخوض معها سجالا ترك ما ترك من آثار، مازالت توابعها حتى اليوم، إضافة إلى سجال برنامجها النووي مع الغرب، وهو ما اختتم في النمسا، وهو ما يراه البعض فوزا لإيران، وذلك برفع الحصار عليها، ومن يراه استسلاما لها ورضوخا لليد العليا للغرب، وبكل هذا فإن المتتبع لأخبار الشرق الأوسط يجد أن الساحة فرغت لإيران، لتظهر بثوب أحد القوى الدولية المشاركة في صنع القرار السياسي في المنطقة. هذا الأمر أدى إلى تخوف الجبهة العربية بقيادة السعودية، خاصة لما وجدت هذه الأخيرة حدودها مع اليمن معرضة للخطر الحوثي المساند من طرف إيران، الأمر الذي جعلها تستبق لقيادة قوى عربية أخرى، بمسمى عاصفة الحزم.

ماهي العوامل التي جعلت إيران تقدم على هذه الأدوار الاستراتيجية؟

*العامل الأول المتمثل في الولايات المتحدة الامريكية

التي يرى المحللون أنها تراجعت عن دورها المعهود في المنطقة؛ لعدة أسباب: فهناك من يرى تصاعدا في قوى المعسكر الشرقي الروسي، وبالتالي بروز الثنائية القطبية، وهناك من يربط التراجع بضعف الإدارة الأمريكية الحالية, والرأي الثالث يرى بأن هناك رؤيا من أوباما الذي لا يريد التورط في حروب جديدة، خاصة مع الهدوء النسبي الذي تنعم به حليفتها إسرائيل بالمنطقة.

وأمام هذا الغياب ظهرت إيران بعنتريات القوة العليا في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن العلاقة الإيرانية الأمريكية تغيرت نحو الأحسن، بعد مفاوضات الاتفاق النووي؛ من خلال محاولة الولايات المتحدة الامريكية مشاركة إيران كإحدى أهم الأدوات في محاربة تنظيم داعش، وغض الطرف عن التخوفات الإسرائيلية من جدوى مفاوضة البرنامج النووي الإيراني، وهو ما أدى إلى توتر إسرائيلي أمريكي بعد اكتشاف تجسس الموساد على المفاوضات.

*العامل الثاني – العلاقة بين إيران وروسيا

-التدخل الروسي في سوريا غير موازين الصراع نحو كفة الأسد باعتبار جيشه يقاتل إلى جانب الروس مع وحدات من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، إضافة الى الكتائب الشيعية العراقية والمقاتلين المأجورين من دول أخرى.

-ليست هذه فقط مصالح روسيا بالمنطقة، حيث تعتبر إيران السوق الأولى للسلاح الروسي، إضافة الى المصالح الجيوسياسية في منطقتي آسيا الصغرى والقوقاز.

-إيران دولة حدودية لمناطق النفوذ والعمق الاستراتيجي الروسي.

-التعاون وصل إلى رفع الحظر الروسي عن توريد المعدات إلى منشأة فوردو النووية، والتخطيط لافتتاح الوحدتين الثانية والثالثة في محطة بوشهر، ونية الاتحاد الأوراسي إقامة منطقة تجارة حرة مع طهران.

*العامل الثالث: الاتفاق النووي

من الواضح أن إيران تأثرت من العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا منذ 2002م، وحصل بفعل ذلك تضرر للاقتصاد, حيث تراجعت صادراتها من النفط بنسبة 40% ووصل معدل التضخم إلى 25% والبطالة إلى 20%.

لكن النقطة الإيجابية التي حصلت عليها إيران من جراء تلك العقوبات هي الاعتماد بشكل كبير على التكنولوجيا المحلية, والتي سيتم تطويرها أكثر بعد رفع العقوبات، وتدريب كوادر وطنية وأيدي عاملة، ولو بشكل نسبي، مقارنة مع دول خاضت نفس التجربة، والجدير بالذكر أنها استطاعت تطوير صناعات عسكرية زودتها بترسانة حربية، على الرغم من العقوبات المفروضة عليها.

انتشت إيران على أثر الاتفاق النووي, وشعرت أنها ولدت من جديد، وبذلك ستصبح إيران، على المدى القريب، منافسة لدول الاقتصاديات الناشئة، مثل: تركيا، هذا إلى جانب الإفراج عن الأموال المجمدة في الخارج، وفتح مشروعاتها النفطية في الخارج، وبالتالي تعزيز التبادل التجاري بينها وبين دول العالم، وهو الأمر الذي سيجعلها قطب شرطي، وقوة إقليمية مؤثرة في المنطقة.

*العامل الرابع

-التواجد الشيعي في الخليج

البحرين/معظم التقديرات تتراوح ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي السكان، هذا إضافة إلى الجمعيات السياسية الناشطة في البلاد كجمعية الوفاق التي تعتبر الواجهة السياسية لشيعة البحرين المشاركة بشكل دوري تقريبا في الانتخابات المحلية بشكل معارضة، ومقاطعة أحيانا.

الكويت/ يشكل الشيعة نسبة 30% من عدد السكان، حيث يذكر الباحث الكويتي الدكتور فلاح المديريس في كتابه: “الحركة الشيعية في الكويت” الصادر عام 1999م، أن شيعة الكويت ينقسمون على أساس عرقي، إلى: شيعة من أصل عربي، وشيعة من أصل إيراني، فالشيعة العرب ينحدرون من شرق الجزيرة العربية، والذين يطلق عليهم “الحساوية”، نسبة إلى منطقة الأحساء بالسعودية، أو “البحارنة” نسبة إلى البحرين، وفئة قليلة منهم جاءت من جنوب العراق، ويطلق عليهم “البصاروة” أو “الزبيرية”، نسبة إلى البصرة أو الزبير بالعراق.

أما الشيعة الذين جاءوا من إيران فيطلق عليهم “العجم”، وهم يشكلون نسبة كبيرة من شيعة الكويت، وقد توالت هجرة هذه الجماعات منذ القرن التاسع عشر؛ وأبرزها عائلات معرفي وبهبهاني وقبازرد. ويشكل الائتلاف الإسلامي الوطني عددا كبيرا من القوى والتجمعات الشيعية، ويعتبر مشارك في العملية السياسية في البلاد.

السعودية/ تقرير “المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية”، الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (ICG) في بروكسل عام 2005، يقدر نسبتهم بـ 10-15 في المائة من إجمالي السكان، ترجع شيعة المملكة إلى أصول وجذور عربية، ويعود تاريخ وجودهم في شرق الجزيرة العربية إلى أواخر القرن الثالث الهجري، حين أقام القرامطة (وهم من الشيعة الإسماعيلية) في هذه المنطقة دولتهم. ومنذ ذلك التاريخ، وحتى تأسيس الدولة السعودية الحديثة، مثلت هذه المنطقة مركزا شيعيا روحيا مهما، فكانت القطيف تسمى “النجف الصغرى”؛ لكثرة الحوزات العلمية فيها.

ولا يتبع شيعة الإمامية في السعودية، مرجعية دينية واحدة؛ فمنهم من يقلد آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنهم من يقلد آية الله علي السيستاني في العراق، ومنهم من يقلد آية الله صادق الشيرازي في قم، أو آية الله محمد تقي المدرسي في كربلاء، أو آية الله محمد حسن فضل الله في لبنان.

هذه عينة التواجد الشيعي في المنطقة، ضف إليهم الإمارات وقطر وعمان، وبهذا ستحاول إيران ممارسة ألاعيبها الطائفية والسياسية بواسطة هذه الفئة، التي هي جزء من المجتمع العربي، لا يمكن بأي حال من الأحوال التخلي عنه، وسيكون من الصعب معالجة هذه المشكلة على الحكومات العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد