إيران بدأت مبكرًا في العراق، لكن السعودية واكبت الأحداث في سوريا، في أثناء بحثي لكتابة تلك المقالة قرأت خبرًا يرجع إلى عام 2010 بعنوان «تركيا وإيران النفوذ الأكبر في الشرق الأوسط وسط غياب العرب»، هذا في 2010 أي قبل أحداث الثورة السورية، فالعرب اليوم أصبحوا مواكبين للأحداث، والدليل نفوذ السعودية وقطر في سوريا، وهناك إرادة قوية من المملكة العربية السعودية للفاعلية بنشاط في الدول المحيطة، ومناصرة القضايا التي توافق مبدأها ومبدأ شعوبها، وفي المنظمات الأممية توجت بفوز السعودية بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع لمجلس الأمن، ومعها مصر وتونس والعراق، وهو تمثيل عربي له وزنه في أروقة الأمم المتحدة، لذا «وجود نفوذ لإيران في بعض الدول العربية لأنها بدأت مبكرًا عن السعودية وحلفائها»، إلا أن ذلك لا يعني أن السعودية لن تفوز في منافسات مع إيران؛ ستفوز لكن بعد فترة كما فعلت إيران في العراق وبدأت مبكرًا، فقط ذلك يتطلب منها نفسًا طويلًا، وظهيرًا شعبيًّا لتوجهاتها في القضايا المختلفة، وهذا ما تملكه السعودية، السعودية تستطيع أن تلاحق بفضل سرعتها المتوسطة المعتدلة وطول نفسها، فمهما حدث من اتفاقيات بين الخليج العربي وإيران ستظلان ندين لبعضهما، لم أقل عدوتين، بل ندين تتنافسان وتفوز إحداهما مرة، وتفوز الأخرى مرة أخرى، وهما جارتان تتنافسان، إيران تسبق بخطوات لكن السعودية ومعها أشقاؤها في الخليج يلاحقونها في السباق، لكن السعودية استطاعت أن تجعل لليمنيين اليد العليا في اليمن حين تدخلت باكرًا.

 

دول الخليج أثقل من كفة إيران في الميزان التركي

 

دول الخليج على قلب رجل واحد، فعندما تختار الاقتراب من حليف ما فإنها تتقرب جميعها منه بثقلها، فالإمارات وإن كانت قد تأخرت قليلًا عن ركب الدول الخليجية في التقارب السياسي مع تركيا، بينما التقارب الاقتصادي هي فيه من 2015، إلا أنها وصلت في النهاية إلى مبتغى الرأي الخليجي الواحد، وذلك من أجل التقرب من الحلفاء المشتركين بينها وبين إيران من الطبيعي في توازن القوى أن تميل للدول ذات العدد الأكبر، فتركيا لو خيرت بين دول الخليج مجتمعة فإنها تختار الخمس دول (السعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان) أمام دولة وحيدة وهي إيران؛ لكن هذا لن يحدث فتركيا تحافظ على علاقة طيبة مع الجميع، وعلى لسان وزير خارجيتها فإن «تركيا مستعدة للوساطة بين السعودية وإيران عندما تطلب السعودية ذلك». السعودية التي تتفق رؤاها مع تركيا في سوريا والعراق واليمن، والإمارات التي زار وزير خارجيتها الشيخ عبد الله بن زايد تركيا في أكتوبر 2016، وعقد مؤتمر مع وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو، وقابل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والكويت التي وصل أعداد سياحها لتركيا 70 ألفًا في عام 2013، مقارنة بـ 20 ألفًا في 2010، وقطر التي تتمتع بعلاقات وصلت حد التعاون العسكري بين البلدين، كما أن دبي تقربت لتركيا بما تحب، فقد اعتقلت اثنين من كبار جنرالات الانقلاب الفاشل، وسلمتهما لتركيا.

 

السعودية تتقدم بحذر نحو روسيا

 

السعودية تسعى لتحييد روسيا في صراع المملكة مع إيران، وذلك بزيارة الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى روسيا، والاتفاق على 19 مفاعلًا نوويًّا لتوليد الطاقة لاستخراج النفط، والاتفاق على 60 طائرة ميغ- 35 من روسيا، وإعلان الكريملين عن احتمال شراء السعودية 5 سفن حديثة مزودة بصواريخ «كاليبر»، وتوقيع استثمارات بقيمة 10 مليارات سعودية في روسيا.

 

جددت روسيا دعوتها للملك سلمان بن عبد العزيز لزيارة روسيا الاتحادية في أكتوبر 2016، وقالت إنها تنتظر الرد السعودي، لكن للملك سلمان حق التريث، فالرئيس بوتين انتهز فرصة زيارته لتركيا ليعلن عن قاعدة طرطوس البحرية في المياه الإقليمية لسوريا في نفس اليوم، بقرار من مجلس الدوما الروسي، وليس بقرار حتى من مجلس النواب السوري غير الممثل للثورة السورية، لأنهم لو فعلوا وكان القرار من مجلس النواب السوري، فيمكن إلغاؤه بقرار آخر من مجلس نواب قادم في سوريا تمثل فيه المعارضة، لكنهم فرضوا أمرًا واقعًا في سوريا، فقيام الرئيس الروسي بقرن توقيت زيارته لتركيا ليبسط نفوذه في سوريا أمر غير متقبل من صانع القرار السعودي، وخصوصًا مع تعاطف السعودية الكبير مع الثورة السورية، فلهذا السبب الملك سلمان أحجم عن زيارة روسيا لئلا تستخدم روسيا تلك الزيارة لنفوذ آخر في سوريا، وخصوصًا مع وصول السفن النووية لروسيا في أواخر شهر أكتوبر، وهو الوقت الذي جددت فيه روسيا دعوتها لخادم الحرمين لزيارة روسيا الاتحادية.

 

السعودية تنوع مصادر طاقتها النووية بين روسيا والصين

 

السعودية أكبر شريك تجاري للصين في غرب آسيا، فهي تحافظ على استثمارات متزايدة في الصين كوسيلة لتأمين وضع المملكة كمزود رئيسي للنفط في الصين، لكن تظل الصين مثل تركيا تحافظ على تقارب مع إيران لتنوع شركائها النفطيين، حيث استلمت الصين رسميًّا في أكتوبر 2016 أول شحنة من النفط الإيراني بعد رفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية، وهنا يبرز أنه من الصعب أن تكون الصين وتركيا للخليج العربي فقط، لكن استطاعت المملكة السعودية على الأقل تحييد تركيا والصين في صراع الخليج العربي والخليج الفارسي، وحافظت على تركيا كحليف يستطيع تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران وقت الحاجة، العلاقات العسكرية الأخيرة بمشاركة 25 من القوات الخاصة هو تعتيم على انتشار خبر وصول أول شحنة نفط من إيران للسعودية.

 

السعودية كانت قد أعلنت في سبتمبر استعدادها لتلبية كافة احتياجات الصين من الطاقة على لسان وزير الطاقة والصناعة، وأن «الشركات السعودية وفي مقدمتها أرامكو السعودية وسابك على استعداد للاستثمار في جميع مناطق الصين، بالشراكة مع الشركات الصينية»، مشيرًا إلى قطاعي الطاقة والكيماويات على وجه الخصوص.

الصين تنوع حلفاءها النفطيين لأن السعودية اتجهت لتنويع حلفائها النووين بين روسيا والصين، واعتمدت على 19 محطة نووية من روسيا مقابل واحدة فقط من الصين، لذا فالصين تنوع هي الأخرى حلفاءها النفطيين بين السعودية وإيران، فالصين تتنافس مع روسيا في مناقصات عروض الطاقة النووية التي عرضت على مصر على سبيل المثال.

«السعودية استطاعت كسب تركيا في صفها بثقل أشقائها في الخليج، واستطاعت تحييد الصين الشعبية وروسيا الاتحادية».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد