يبدو أن العرب لم يستوعبوا تاريخهم بشكل جيد، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقتهم مع إيران التي كانت تسمى «بلاد فارس»، واشتهر أهلها بـ«الفرس»، والتي أضحت اليوم تشكل تهديدًا لوجود العرب.

سقوط الإمبراطورية الفارسية في أيد عربية

يجب التأكيد على أن الصراع العربي – الإيراني ليس وليد اليوم، وكانت المناوشات بين العرب والفرس حاضرة، وكان الفرس يمثلون مع الروم قطبي القوة في العالم في تلك الفترة، في حين كانت الدولتان العربيتان آنذاك: المناذرة في الحيرة (العراق)، والغساسنة في الشام، تدوران في فلك هذين القطبين، فدولة المناذرة حليفة للفرس، ودولة الغساسنة حليفة للروم، وكان العراق يمثل المركز السياسي والاقتصادي للإمبراطورية الفارسية.

وسجل عام 609 ميلادية أول صراع مباشر ومسلح بين العرب والفرس شهدته أرض العراق أيام الجاهلية وفي زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبل البعثة النبوية، وانتصر فيه العرب.

ويعد الفتح الإسلامي لفارس سلسلة من الحملات العسكرية شنها المسلمون على الإمبراطورية الفارسية لحدود دولة الخلافة الراشدة، وقد أفضت هذه الفتوح إلى انهيار الإمبراطورية.

بدأت تلك الفتوحات زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بغزو المسلمين العراق، المركز السياسي والاقتصادي للإمبراطورية، سنة 633 ميلادية، بقيادة خالد بن الوليد، فبقي حتى استكمل فتح العراق بالكامل، ثم نقل خالد بعد ذلك إلى الجبهة الرومية بالشام لاستكمال الفتوحات، فتعرض المسلمون في العراق لهجوم مضاد من قبل الفرس مما أفقدهم ما فتحوه مع خالد بن الوليد.

بدأت الموجة الثانية من الفتوحات تحت قيادة سعد بن أبي وقاص سنة 636، فكان النصر الحاسم في معركة القادسية التي أنهت سيطرة الساسانيين على الجبهة الغربية لفارس، فانتقلت الحدود الطبيعية ما بين الدولة الإسلامية الفتية والفرس من العراق إلى جبال زاجرس، ولكن بسبب الغارات المستمرة للفرس على العراق، أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتجريد الجيوش لفتح سائر بلاد فارس سنة 642، ولم تمض سنة 644 ميلادية، حتى استكمل القضاء على تلك الإمبراطورية وفتح فارس برمتها.

بداية النفوذ الإيراني في المنطقة العربية

المد الإيراني مصطلح سياسي ظهر فعليًا إلى حيز الوجود بعد الثورة الإيرانية عام 1979، تميزت هذه الثورة بوصول رجال الدين المحافظين إلى السلطة في إيران وإزالة نظام الشاه.

اتبع القادمون الجدد بعد توليهم السلطة سياسة تصدير الثورة إلى خارج حدود الدولة الإيرانية عن طريق استنهاض الروح الطائفية عند شيعة العراق والبحرين بالإضافة إلى الأقليات الشيعية في باقي دول الخليج العربي واليمن والترويج إلى فكرة أن الطائفة هي الأساس وليس القومية التي يتبعونها والدعوة إلى ولاية الفقيه وحفز ولائهم لإيران بطريقة غير مباشرة وهي كون إيران الدولة الإسلامية الشيعية الوحيدة والاستفادة من التضييق والاضطهاد الذي يتعرض له الشيعة في عدة دول عربية.

كانت الحرب الإيرانية العراقية واحدة من أهم نتائج تصدير الثورة، والتي اعتبرها العراق تخريبًا خطيرًا لبنيته الاجتماعية لما في المد الإيراني من بعد طائفي خطير أظهر على السطح ظواهر لم تعرفها المجتمعات العربية قبلاً كتعبير السني والشيعي، وانتشار أفكار دينية جديدة ذات طابع قومي فارسي حتى لدى الشيعة العرب.

لم يكن للمد الإيراني أثر قوي في عهد الرئيس العراقي صدام حسين، حيث إن العراق شكلت عمليًّا جدارًا قويًا في طريق هذا المد، إلا أن هذا لم يمنع إيران من الوصول إلى مناطق داخل العمق العربي عن طريق إنشاء ما يسمى حزب الله في لبنان وسيطرة مريديها على سياسة هذا الحزب وبروز الخلل الطائفي بين المسلمين في لبنان بعد أن كانت معدومة تمامًا، واستمرت أيضًا في دعم أحزاب شيعية بحتة تنادي بسيادة الطائفة الشيعية باعتبارها حزبًا الدعوة في العراق، بالإضافة إلى إثارة القلاقل الطائفية داخل البحرين والكويت.

هذا النشاط ظل محدودًا حتى العام 1990 الذي تعرض فيه العراق إلى حملة عسكرية أمريكية ضخمة أثرت على البنية العسكرية العراقية بشكل كبير، ثم فرض حصار اقتصادي شديد أضعف من قدرات العراق في مواجهة المد الإيراني.

بعد سقوط النظام العراقي وبروز النفوذ الإيراني في العراق، امتد أثر ذلك على بقية دول الخليج، حيث بدا صوت الشيعة هناك يعلو لدرجة الدعوة إلى الانفصال في مناطقهم، خصوصًا في البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية التي تسكنها أقلية شيعية، بالإضافة إلى تزايد نفوذ حزب الله في لبنان، والذي بدا وكأنه يمثل ذراعًا لإيران في المنطقة.

إيران والجزر الإماراتية

ثلاث جزر استراتيجية تقع شرقي الخليج العربي، وبينما تقول الإمارات إنها جزء من أراضيها وتطالب إيران -التي تسيطر عليها منذ 1971- بإرجاعها، تؤكد طهران أن ملكيتها للجزر «غير قابلة للنقاش».

جزيرة طنب الكبرى: تبلغ مساحتها ما يقارب تسعة كيلومترات مربعة، وتقع شرقي الخليج العربي قرب مضيق هرمز، وتبعد حوالي 30 كيلومترا عن إمارة رأس الخيمة التي كانت الجزيرة تتبع لها قبل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
استولت عليها إيران في 30 نوفمبر 1971، بعد أيام من انسحاب قوات الاستعمار البريطاني منها، وقبل يومين من استقلال الإمارات عن بريطانيا، وكان يسكنها آنذاك نحو 300 نسمة يعيشون على صيد السمك ورعي الماشية.

جزيرة طنب الصغرى: ذات أرض رملية وصخرية مجدبة وتتكاثر فيها الطيور البرية والبحرية، ولا تتوافر فيها مياه صالحة للشرب، ولذلك كانت تضم أسرة واحدة عند استيلاء إيران عليها مع طنب الكبرى، وكانت وقتها تتبع لإمارة رأس الخيمة. تقع طنب الصغرى على بعد حوالي 12.8 كيلومترا غرب جزيرة طنب الكبرى، وهي مثلثة الشكل وتبلغ مساحتها نحو 2 كيلومتر مربع.

جزيرة أبو موسى: هي كبرى الجزر الثلاث إذ تبلغ مساحتها 20 كيلومترًا مربعًا، تبعد عن طنب الكبرى بعشرين كيلومترا، وتقع على بعد حوالي 43 كلم من شاطئ الإمارات، و67 كلم عن الشاطئ الإيراني وسط ممر ناقلات النفط المصدّر من الخليج العربي إلى العالم، وكانت مأهولة عند احتلالها بنحو ألف مواطن إماراتي يعملون في حرفة صيد السمك.

إيران والربيع العربي

عندما انطلقت شرارة الربيع العربي وأطاحت بالأنظمة في تونس ومصر واليمن وليبيا، بدأت إيران بالترحيب بهذه التغيرات على الساحة العربية واعتبرتها «متعلقة بكرامة الشعوب» وأنه «سيأتي يوم وتشتعل هذه البلدان التي نارها لا تزال تحت الرماد»، تعني بذلك بطبيعة الحال دول الخليج العربي. وعنونت جميع تحركاتهم بالكرامة القومية والعدالة الاجتماعية والحرية وجميعها تحت ظل الدين الإسلامي.

لم يقف الترحيب الإيراني الكبير بهذه التغيرات على الساحة العربية عند هذا الحد، بل ربط ذلك بما أسماه بـ«الصحوة الإسلامية» وأن هذه التطورات استلهمت حِراكها السياسي من الثورة الإيرانية عام 1979، وأن «الصحوة الإسلامية هي الكلمة الثابتة والمتأصلة، وتريد الشعوب الإسلامية العدالة والحرية والديموقراطية وكذلك يريدون الاهتمام بهويتهم الإنسانية التي يرونها في الدين الإسلامي، وليست في المدارس الأخرى».

التدخل الإيراني في أزمات العرب

الأزمة السورية

بدأت طهران بإمداد دمشق بالمال والرجال والسلاح منذ عام 2011، وقد برز تدخلها بشكل رئيسي منذ صيف 2012 حين بدأت كتائب المعارضة تطبق على العاصمة دمشق وظهور علامات تضعضع شبكة النظام العسكرية والأمنية، مما استدعى تدخل إيران المباشر في المشهد الميداني في سوريا.

ساعد الإيرانيون على تدريب أنصار النظام السوري وميليشيات قوة الدفاع الوطني، التي يُقدّر عدد أفرادها بـ100 ألف شخص من مختلف الطوائف وذلك ضمن معسكرات إيرانية، كما أن حزب الله منذ مستهل الأزمة السورية كثّف تجنيد وتدريب عناصره في السرايا وأرسل آلاف الرجال ممن تتراوح أعمارهم بين العشرينات والخمسينات إلى إيران لتدريبهم، ليقوم لاحقًا بإرسال أعداد كبيرة من عناصره إلى الداخل السوري.

الحرب فى اليمن

لليمن خصوصية دينية وتاريخية لدى إيران، وترتكز الخصوصية الدينية على ما تسمى «الثورة السفيانية» التي روّج لها العلامة الشيعي علي الكوراني العاملي في كتابه (عصر الظهور)، ومضمونه يتحدث عن ثورة ستكون في اليمن، ووصفها بأنها «أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق»، وتحدد الروايات الشيعية وقتها بأنه «مقارب لخروج السفياني في شهر رجب، أي قبل ظهور المهدي ببضعة شهور»، وأن عاصمتها صنعاء، أما قائدها – المعروف في الروايات باسم (اليماني) – فتذكر روايةٌ أن اسمه (حسن) أو (حسين)، وأنه من ذرية زيد بن علي، أما التاريخية، فاليمن كانت ولاية تابعة للإمبراطورية الفارسية قبل أن يحررها الإسلام.

لذلك استخدمت الحركة الحوثية؛ حيث تلعب الحركة العامل الأبرز في تمدد إيران وتوسعها في اليمن.

لطالما سعت إيران جاهدة لتصبح قوة إقليمية رائدة لذلك سارعت بالاستفادة مما يحدث فى الدولتين، فقامت بإعلانها في أواخر نوفمبر الماضي عن عزمها إنشاء قواعد بحرية لها في سوريا واليمن اعتبرتها إحدى الصحف المملوكة لحكومة طهران «قد تكون أكفأ بعشر مرات من قوة نووية» لأنه من شأن إقامة قاعدة بحرية هناك منح طهران منفذا إلى البحر الأحمر وجعلها في وضع مواتٍ أكثر لتهديد المملكة العربية السعودية «خصمها اللدود في المنطقة».

ولعل قاعدة من هذا النوع ستتيح لإيران نقل إمداداتها ومساعداتها المنتظمة الأخرى إلى حزب الله دون الحاجة لتوصيلها عن طريق البر أو الجو عبر العراق وتركيا ،هذا إلى جانب أن هذه القاعدة ستجعل إيران تستغني عن السودان، الذي ظل لأمد طويل يمثل ميناء لدخول الأسلحة الإيرانية إلى البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا قبل أن يدير هذا البلد الأفريقي ظهره لطهران مؤخرًا ويتقارب أكثر مع السعودية.

نظرة إيران للعرب

كشف المفكّر الإيراني البارز الأستاذ بجامعة طهران صادق زيبا كلام، عن نظرة الإيرانيين الفرس تجاه العرب والشعوب الأخرى بشكل عام وإزاء القوميات غير الفارسية في بلاده بشكل خاص، مبينًا جوانب النظرة الدونية من الفرس لغيرهم وخاصة العرب، مرجعًا ذلك إلى أسباب تاريخية بعيدة.

وفي إشارة إلى الأسباب التاريخية لكره العرب يقول زيبا كلام: «يبدو أننا كإيرانيين لم ننس بعد هزيمتنا التاريخية أمام العرب ولم ننس القادسية بعد مرور 1400 عام عليها، فنخفي في أعماقنا ضغينة وحقدًا دفينين تجاه العرب وكأنها نار تحت الرماد قد تتحول إلى لهيب كلما سنحت لها الفرصة».

وردًا على ما إذا كانت لديه إثباتات بهذا الخصوص قال المفكر الإيراني البارز: «لديّ الكثير بهذا الشأن، فهذه الأمور ليست من صنع الوهم.. فكلما اتخذ جيراننا في الإمارات والبحرين وقطر والكويت موقفًا ما ضد إيران ستجدون رد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عنصريًا أكثر منه موقفًا سياسيًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الحوثية في اليمن.. الأطماع المذهبية في ظل التحولات الدولية، مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث، صنعاء. بالتعاون مع المركز العربي للدراسات الإنسانية، القاهرة، الطبعة الأولى 2008م، ص 87.
عرض التعليقات
تحميل المزيد