يبدو أن الأجهزة الاستخبارية الأمريكية اليوم أصبحت على دراية واسعة بالتهديدات الاستراتيجية والعملياتية، التي قد تحدث نتيجة الهجمات السيبرانية، ولعل ما يفسر هذه الأهمية، إفراز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2018، لفصل كامل عن أهمية الأمن القومي السيبراني، باعتباره جزءًا من الأمن القومي الأمريكي، كما أن التغيرات الأخيرة في الهيكلية العسكرية الأمريكية، أشارت إلى مدى أهمية الأمن السيبراني في أمريكا؛ وذلك من خلال تحويل جهاز أمن المعلومات التابع لوكالة الأمن القومي الأمريكي، إلى القيادة المركزية للأمن السيبراني، على غرار القيادة المركزية الأمريكية الوسطى المسئولة عن منطقة الشرق الأوسط ومصر، أو القيادة المركزية في آسيا الباسفيك؛ بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تضع ضغوطًا خاصة على تعزيز «قدراتها القتالية» في الفضاء الافتراضي؛ لذلك لم تبدأ وكالة الاستخبارات المركزية فقط ، ولكن وكالة الأمن القومي، والبنتاغون في الحصول على موارد كبيرة على أساس سنوي، حتى يتمكنوا من إنشاء أكثر الأسلحة الإلكترونية شيوعًا.

ففي عام 2013 قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتخصيص 685 مليون دولار لوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA؛ وذلك من أجل رفع الجاهزية القتالية للقوات السيبرانية الأمريكية، في مواجهة التهديدات التي يمكن أن تعترض أمن الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى تمكينها من القيام بعمليات قتالية هجومية خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، وتطوير العديد من البرامج التجسسية السيبرانية مثل Flame و Duqu وStuxnet، والتي أثبتت فاعلية كبيرة عندما استخدمتها الولايات المتحدة، من أجل اختراق الأنظمة الإلكترونية، والقيام بعمليات تجسسية ناجحة في دول مثل الصين، وإيران، وكوريا الشمالية، بل أنها وبواسطة هذه البرامج التجسسية تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الحصول على الكثير من المعلومات الاستخبارية عن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب البرامج الخاصة بتطوير الصواريخ البالستية الكورية الشمالية.

فضلًا عن ما تقدم، ومن أجل تقنية الإمكانية العملياتية للوحدات القتالية العاملة في القيادة المركزية للأمن السيبراني الأمريكي؛ قامت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون، في تشكيل وحدات عسكرية خاصة ومتخصصة، تعمل على برامج محددة، تتعلق بشن عمليات هجومية على أهداف معينة خارج الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ يقع المقر الرئيسي لهذه الوحدات العسكرية في قاعدة فورت ميد العسكرية في ماريلاند، وبسبب نجاح هذه الوحدات العسكرية السيبرانية في شن العديد من الهجمات الناجحة، كما أشرنا في أعلاه، مما أجبر البلدان التي تستهدفها العمليات السيبرانية للولايات المتحدة على زيادة القدرات الدفاعية الخاصة بها، وخلق وحدات سيبرانية مضادة ومماثلة.

وبالحديث عن إيران، لا بد من القول بأنها أكثر الأطراف تعرضًا للهجمات السيبرانية الأمريكية، هذا إلى جانب أن المظاهرات الإحتجاجية لعام 2009، جعلها مكشوفة أمام العالم، وهو ما دفعها إلى تشكيل المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، والذي يرتبط برئيس الجمهورية مباشرة، من أجل مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، كما تمكنت إيران من تشكيل العديد من الوحدات العسكرية السيبرانية الداخلية والخارجية، من أجل رفع الكفاءة القتالية لمنظومتها العسكرية، خصوصًا وأنه في ظل الفوارق الفنية والتقنية الكبيرة بينها وبين جيرانها من جهة، وبينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، فإن إيران أولت أهمية كبرى للأمن السيبراني، ولا بد من الإشارة هنا أن إيران تمكنت من شن العديد من الهجمات السيبرانية الناجحة ضد أهداف مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وإسرائيل، هذا بالإضافة إلى تمكنها من تعطيل الكثير من المواقع الإلكترونية مثل تويتر وتليجرام وغيرها، خلال المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها في العام 2009، وكذلك في 2017.

إن تطور عقيدة الأمن السيبراني في إيران، أخذت تفرض نفسها في إطار استراتيجية الأمن القومي الإيراني، ولا بد من القول أن الركيزتين الرئيسيتين لهذه العقيدة هي؛ الأولى تتمثل بحماية الأمن الوطني الإيراني، من خلال بناء بنية تحتية علمية- تكنولوجية- استخبارية، تعتمد على استراتيجية وقائية أثناء الدفاع، واستراتيجية استباقية أثناء الهجوم، أما الركيزة الثانية فتتمحور حول تطوير العديد من المفاهيم والتقاليد القتالية الخاصة بها، وذلك من خلال تشكيل شبكة معقدة من الجيوش الإلكترونية، القادرة على شن هجمات سيبرانية متعددة على أهداف محددة في آن واحد، هذا إلى جانب تفعيل قدراتها الاستخبارية في نشر المعلومات المضللة، وإجهاض المسيرات المناهضة للحكومة الإيرانية.

ولتحقيق هذه الأهداف؛ عقيدة الأمن السيبراني في إيران، أنشأت إيران مؤخرًا شبكة متطورة من المؤسسات التعليمية والبحثية، بالإضافة إلى ذلك، أنشأت وزارة الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، ومركز أبحاث الاتصالات الإيراني، الذي يلعب دورًا رئيسًا في الأبحاث المتقدمة في مختلف مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك أمن المعلومات، علاوة على ذلك، تم إنشاء منصب مسئول التعاون التكنولوجي المرتبط بمكتب رئيس الجمهورية، حيث يتم تأسيس الرقابة على مشاريع البحوث في مجال تكنولوجيا المعلومات على أعلى مستوى في الحكومة الإيرانية، ولضمان تنفيذ هذا الغرض؛ أوجدت إيران منظومة الإنترنت الحلال «مشروع إنترنت وطني تديره وزارة الاستخبارات، والأمن الوطني الإيراني»، كما أن هناك مركزًا مختصًّا بأمن المعلومات الذي يعمل تحت إشراف وزارة الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات.

إن الجزء الأكثر نشاطًا في العمليات السيبرانية الإيرانية اليوم، تقوم به قيادة الدفاع السيبراني الإيراني «Gharargah-e Defa-e Saiberi» ، الذي تأسس في نوفمبر 2010، والذي يعمل تحت إشراف منظمة الدفاع الوقائي، وهي وحدة مستقلة ضمن هيئة الأركان الإيرانية المشتركة؛ إذ يتم تنفيذ الجزء الأفضل من العمليات السيبرانية من قبل الجيوش الإلكترونية الإيرانية، التي توظف أخصائيين مؤهلين تأهيلًا عاليًا في مجال تكنولوجيا المعلومات، واحدة من الوحدات الأكثر نشاطًا في هذا الجيش هي فريق الأمن الرقمي، والذي أصبح معروفًا بالتزامه الأيديولوجي تجاه الحكومة الإيرانية، في حين أصبحت القدرات الفنية للقوات السيبرانية الإيرانية واضحة جدًّا؛ حيث إنها تمكنت من التسلل مرارًا إلى الحكومات الغربية، وشبكات الاستخبارات الإقليمية، فعلى الرغم من كل الإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها في ديسمبر 2011، أشار المدير التنفيذي لشركة Google «إريك شميدت» في مقابلة مع شبكة CNN الأمريكية، إلى أن الإيرانيين موهوبين على نحو غير معتاد في الحروب السيبرانية الحديثة؛ وذلك لأسباب تجهل الولايات المتحدة في فهمها تمامًا.

ففي مايو 2009، أطلقت شركةAmerican Security اسم إيران بين الدول الخمس التي تتمتع بأقوى قدرات إنترنت في العالم، فضلًا عن ذلك تستخدم إيران وحدات تكميلية أقل كفاءة إلى حد ما من وحدات الإنترنت المركزية الإيرانية، فإلى جانب جيش الباسيج الإلكتروني للعمليات الداخلية، أوجد مجلس الأمن القومي الإيراني العديد من الوكالات الإلكترونية، التي تعمل ضمن إطار المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، ومن أبرزها:

1. قيادة الدفاع السيبراني.

2. الجيش السيبراني الإيراني.

3. مركز تنسيق المعلومات.

4. جيش قوة القدس السيبراني (العمليات الخارجية).

5. الجيش السوري السيبراني .SEA

6. مجموعة مقاتلي القسّام الإلكترونية.

7. مجموعة سيف العدل.

8. كتائب حزب الله الإلكترونية.

9. مجموعة بارستوا الإلكترونية.

10. جهاز الشرطة (الأمن السيبراني الداخلي).

11. لجنة تحديد ومتابعة المواقع غير المصرح بها.

وفي هذا الإطار أيضًا، قال الدكتور «براندون فاليريانو» وهو باحث في جامعة كارديف، ومؤلف كتاب «حرب الإنترنت مقابل الحقائق السيبرانية»، الذي نشرته مطبعة جامعة أكسفورد في عام 2015، أمام لجنة الأمن الداخلي والشئون الحكومية بمجلس الشيوخ الأمريكي في 10 مايو 2017، إن قدرات إيران في الحرب السيبرانية والتجسس، هي أقل شأنًا مقارنة بقدرات دول مثل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وروسيا، والصين، وتلك الخاصة بعدد من الدول الأوروبية.

لكن بالنسبة للدكتور «فاليريانو»، فإن الخطر الحقيقي في العمليات السيبرانية الإيرانية لا يكمن في قدراتها وإجراءاتها المباشرة، بل في استخدامها السائد للوكالات السيبرانية، ففي شهادته أمام أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، قال: «إن الخطر الرئيسي من إيران، تمامًا كما هو الحال في مداخل التهديدات الإرهابية، بأن تستخدم إيران الجهات الفاعلة بالوكالة لمهاجمة أهداف غربية، إن تمكين هؤلاء الفاعلين، أي الجيوش الإلكترونية المرتبطة بها، قد تكون خطيرة إذا كانت إيران ستنقل التكنولوجيا إلى هذه الجماعات، التي يمكنها عندئذ استخدام نقاط ضعف معروفة في عملياتها».

وتأكيدًا على هذه المخاوف الأمريكية، فبعد تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من شن هجمات سيبرانية على العديد من المواقع الإلكترونية في إيران يوم 7 أبريل (نيسان) 2018، تمكنت إيران وفي اليوم التالي من شن هجمات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، عبر كتائب القسّام الإلكترونية، والجيش السوري الإلكتروني.

كما حذر «جون هالتكويست»، كبير محللي الاستخبارات لدى شركة فاير آي العالمية، في تقرير نشرت نسخة منه جريدة الاتحاد، من هجمات إلكترونية إيرانية بعد قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاق النووي، وأضاف: «هذه المساعي بالكامل لم تختف بوجود الاتفاقية، ولكن مع الانسحاب من الاتفاقية، فقد أعادت التركيز على دول الجوار في الشرق الأوسط، ونتوقع أن تهدد الهجمات الإلكترونية الإيرانية البنية التحتية الغربية الحساسة مجددًا».

تبرز الحرب السيبرانية باعتبارها السلاح المفضل لطهران للتعامل مع الخصوم المحليين والأجانب، ولأكثر من عقد من الزمان، شنت الجمهورية الإسلامية حملة قهرية ضد المعارضين للنظام، علاوة على ذلك، في أعقاب اكتشاف الهجمات الإلكترونية على برنامجها النووي عام 2010، وفرض عقوبات جديدة على قطاعيها النفطي والمالي في عام 2011 وما بعده، نفذت هجمات إلكترونية انتقامية ضد أهداف قطاع النفط في المملكة العربية السعودية، وضد القطاع المالي الأمريكي، في الوقت نفسه، زادت بشكل كبير جهود الاستطلاع الإلكتروني ضد المسئولين الأجانب المشاركين في السياسات العدائية ضد إيران، وخاصة في الولايات المتحدة؛ إذ تؤكد هذه الأحداث على الأهمية المتزايدة التي تعلقها طهران على قدراتها الإلكترونية، والتي من المحتمل أن تضطلع بدور أكبر في السنوات القادمة.

ترى الجمهورية الإسلامية في الإنترنت باعتباره وسيلة للتحكم بسكانها، والدفاع ضد الحرب الناعمة وشنّها، وجمع المعلومات الاستخبارية، وردع الهجمات في المجال السيبراني، والمجال المادي، وضرب الأعداء من أجل تحقيق آثار نفسية وجسدية، إن الاعتماد المتفشي للاقتصاديات المتقدمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يضمن في أن إيران ستكون دائمًا لديها أهداف ضعيفة للهجوم عليها، ومن أجل أن تكون مصدر إزعاج أو فرض تكاليف على الأعداء، قد تسمح لها الحرب السيبرانية بأن تضرب بقوة، وعلى الفور، وعلى أساس مستمر، بطرق غير ممكنة في المجال المادي.

وأخيرًا، تحتاج الولايات المتحدة إلى مواصلة الجهود لوضع معايير تحظر الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية، وتضمن استخدام الإنترنت وفقًا لقانون النزاع المسلح (على سبيل المثال، تسترشد بمبادئ التمييز والضرورة العسكرية والتناسب)، في حين من المؤكد أن إيران ستنتهك بالتأكيد أي مدونة سلوك إلكترونية توافق عليها، تمامًا كما انتهكت بشكل متكرر التزاماتها بموجب القانون الدولي، من خلال مهاجمة السفارات، والمشاركة في دعم الإرهاب، وكسر التزاماتها بعدم الانتشار النووي، فإن وجود مثل هذه المعايير سيوفر للولايات المتحدة قوة للضغط، من أجل فرض عقوبات إذا فعلت إيران ذلك، هذا إلى جانب مواقف أقوى للردع عبر الفضاء السيبراني والقوة العسكرية تجاه إيران، والتي يمكن أن تساعد على الأقل في تقييد سلوك الجمهورية الإسلامية في المجال السيبراني؛ وبالتالي يقلل من فائدة هذه الإمكانية التي قد تؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة بين إيران من جهة، والغرب من جهة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد