كان جواد ظريف .. وزير الخارجية الحالي .. ومندوب إيران لدى الأمم المتحدة وقتها .. يجلس في منزله – بنيويورك – برفقة خليل زاده، ودبلوماسيين أمريكيين آخرين في مفاوضات لتقييم الوضع في أفغانستان، وسبل دعم الحكومة الوليدة التي يترأسها الزعيم القبلي المغمور حامد كرزاي ضد الطالبان – العدو المشترك لكل من الولايات المتحدة وإيران – التي كانت تعرض بصدق خدماتها من أجل مكافحة الإرهاب السني في الجارة الشمالية أفغانستان.

شمل العرض الإيراني أيضًا تسليم مجموعة من الأعضاء الخطرين في القاعدة والطالبان ممن فروا في اتجاه الحدود الإيرانية وألقى الحرس الثوري القبض عليهم – إضافة إليهم – كان هناك جائزة كبرى عرض الإيرانيون تسليمها كبادرة حسن نية .. وهو القائد الأفغاني قلب الدين حكمتيار، الداعم للجهاد الأفغاني ضد الأمريكان.

سار الرئيس جورج دبليو بوش في ال29 من يناير (كانون الثاني) لعام 2002 بخطا واثقة تدعمها شعبيته التي بلغت – حسب استطلاعات الرأي وقتها 85% – ليلقي خطاب حالة الاتحاد السنوي.

في نفس الوقت الذي كان ظريف مجتمعًا فيه بالأمريكيين عارضًا خدمات دولته، من أجل مكافحة خطر الإرهاب السني الذي ضرب الولايات المتحدة في الصميم، وكان المنفذ له هو أسامة بن لادن، السعودي الجنسية. أعلن الرئيس مباشرة وصفه الذي سيلقى صدى واسعًا بعدها عن دول محور الشر، وكانت إيران واحدة من هذه الدول.

قال الرئيس: إن إيران بسعيها القوي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل تمثل خطرًا جسيمًا ومتزايدًا، وأنهم يصدرون الإرهاب بفضل القلة القليلة الحاكمة غير المنتخبة، والتي تقمع آمال الشعب الإيراني في الحرية.

شعر ظريف والفريق الإصلاحي في إيران – وعلى رأسه الرئيس خاتمي – بخيبة أمل كبيرة؛ فمرة أخرى أحسوا بالغدر من قبل الولايات المتحدة، والتي كان يلقبها المحافظون وتلامذة الخميني بالشيطان الأكبر. وبدت اتهامات بوش واسعة وفضفاضة .. فقد كان الإيرانيون يعتقدون أن النظام السعودي أكثر منهم ديكتاتورية .. وهو المتحمل الأول للوم جراء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، لكن إدارة بوش أرادت أن تضعهم هم في خانة الأشرار. انتهت مفاوضات ظريف وعروضه تمامًا، أخلى الإيرانيون سبيل حكمتيار، وابتعد الأمل في أي تقارب جديد بسبب الشك الذي يسيطر على أقطاب كل فريق في الدولتين.

الخميني والجحر القديم

كان لدى الخميني – رأس الثورة والمرشد الأعلى فيما بعد – حساسية خاصة ضد الولايات المتحدة؛ إذ كانت ذكرى فشل انقلاب مصدق عام 53، وإعادة الشاه إلى الحكم، ماثلة أمام عيني الزعيم الجديد، وبدت السفارة الأمريكية في طهران رمزًا للخطر في أعين تلامذة الإمام المتحمسين، ولم يكن ينقص سوى ذريعة قوية للاقتحام، وهي ما وفرتها لهم حكومة الرئيس كارتر في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1979 بسماحها للشاه المصاب بالسرطان بالدخول إلى الولايات المتحدة من أجل أغراض انسانية.

لم يصدق أحد في إيران – حتى أتباع حزب توده الشيوعي – حجة الأمريكان هذه، وجرى اقتحام السفارة الأمريكية من قبل إسلاميين متعصبين اعتراضًا على دعم الولايات المتحدة للشاه، لتصور كاميرات التلفزة والصحافة مشهد الدبلوماسيين الأمريكيين، وهم أسرى من قبل طلبة إيرانيين مجهولي الهوية. ولم يحرك الخميني وقتها ساكنًا.

وقع الرئيس كارتر وفريقه في ورطة كبيرة، فقد كانوا أمام نوع جديد من الحكومات لا يهتم كثيرًا بالأعراف الدبلوماسية، ولا يملك تفهمًا واسعًا للألاعيب السياسية. طالب الإيرانيون – قبل الاقتحام بوقت قليل – الأمريكان مواصلة إرسال شحنات عسكرية كان قد تم الاتفاق عليها أيام الشاه، لكن الحكومة الأمريكية – التي كانت تشك كثيرًا في نوايا الخميني – رفضت هذا الطلب، وباقتحام السفارة وقع الطلبة المتشددون على كنز من المعلومات التي تؤكد رؤية الخميني، التي طالما صرخ بها في شرائطه الحماسية عن أن أمريكا هي الشيطان الأكبر والعدو الأول للإسلام.

ثابر الطلبة المقتحمون شهورًا على تجميع قصاصات الأوراق المفرومة على عجل، وتمكنوا من اكتشاف خطط الولايات المتحدة لدعم الجيش الإيراني، الذي لم يتمكن الخميني من جذبه تجاهه بصورة كاملة بعد.

حاول الأمريكان عن طريق وسطاء – كألمانيا وسويسرا – التفاوض مع أتباع الخميني، وإقناعهم بأن الخطط والمنشورات التي وجدت لم تكن أكثر من اقتراحات تقابلها اقتراحات أخرى عكسية، وأنها ليست بالضرورة موضع تنفيذ. وهي الطريقة التي تتعامل بها دولة عظمى، كالولايات المتحدة مع جميع الأزمات. لكن الملالي المفتقرين لأية حنكة سياسية لم يصدقوا أكاذيب الشيطان الأكبر، وأمام ورقة ضغط الرهائن، اضطرت حكومة الولايات المتحدة لتقديم الكثير من التنازلات والأسلحة في سبيل إخلاء الرهائن الذين مثلوا صداعًا رهيبا في رأس الرئيس كارتر؛ حرمه من الفوز بدورة انتخابية ثانية.

إيران كونترا

لم يكن الشيعة في بداية ثمانينات القرن الماضي يمثلون رقمًا كبيرًا في المعادلة السياسية اللبنانية، وباستثناء نبيل بري وحركة أمل لم يكن لدى الشيعة كيان نظامي يمثلهم أمام الكيانات المتعددة في لبنان. وحينما اقتحم آرييل شارون بيروت لم يكن هو ولا قادته العسكريون يضعون مقاومة شيعية في حساباتهم، ولم تكن المخابرات الأمريكية، ولا الموساد تدري الكثير عما يفعله فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بدعم من حافظ الأسد داخل الضاحية الجنوبية ببيروت.

وجد الحرس الثوري – الذي شكله الإمام الخميني من مجموعة من الشباب الذين لا يملكون أية ميزة سوى شدة الإخلاص له ولثورته – ما ينشدونه في لبنان، حيث شدوا الرحال لنشر أفكار الأمام الثورية وسط مجموعة من الشباب المتحمسين أمثالهم الباحثين عن وسيلة لمقاومة العدوان الإسرائيلي. وقد وجد الإيرانيون لقيتهم في شابين متدينين أحدهما فقيه هادئ حسن اللسان مبتسم الوجه سريع البديهة يدعى حسن نصر الله، والثاني مقاتل متميز لديه من الذكاء في وضع الخطط ما يفوق مدربيه في فيلق القدس أنفسهم وهو عماد مغنية، وقد شكل هذان الاثنان نواة ما سيعرف فيما بعد باسم حزب الله.

هاجم انتحاريو حزب الله معلنين عن تواجدهم سريعًا مواقع لقوات حفظ سلام أمريكية، ومقر السفارة الأمريكية ببيروت. ردًا على الدعم الأمريكي لإسرائيل، وردت الولايات المتحدة على ذلك بقصف مواقع تدريب تابعة للحزب.

لكن الغنيمة الكبرى التي غنمتها إيران وقتها تمثلت في موظف المخابرات المركزية الأمريكية الكبير وليام باكلي حيث اختطفه أتباع عماد مغنية من شوارع بيروت. عذب باكلي بوحشية من قبل خاطفيه وأجبر على كتابة مخطوط طويل حول أنشطته التجسسية، كما وجدوا صحبته أوراقًا تحوي أسماء فريق المخابرات العامل في لبنان؛ مما أدى لوقف جميع عمليات المخابرات المركزية هناك. وأصبحت حمى اختطاف الرهائن – خصوصًا الأمريكان الخالون من أي دعم – منتشرة في شوارع بيروت. ولم يكن الرئيس ريجان يرغب في تكرار سيناريو كارتر؛ فسارع هو وفريقه – عن طريق وسطاء – لحل أزمة الرهائن بصورة سرية. وافقت الحكومة الإيرانية على التوسط لدى خاطفي الرهائن من أجل الإفراج عنهم في مقابل شحنات من صواريخ TOW ترسلها الولايات المتحدة إلى إيران.

كان على إدارة ريجان أن تتحايل على قوانين حظر بيع الأسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن طريق إدخال وسطاء في اللعبة، وحينما عرضت اسرائيل خدماتها على شريكتها لم تبد الولايات المتحدة أي اعتراض. وافق ملالي إيران أيضًا على الصفقة مجبرين، بعد أن بدأت حربهم مع الجارة العراق في الاشتعال، وطالما أن الصفقة كانت في إطار السرية.

وصلت لعبة القط والفأر ذروتها بين البلدين إبان اشتعال الحرب العراقية الإيرانية، فبينما كانت الولايات المتحدة تمد الإيرانيين عبر الإسرائيليين بصواريخ TOW كان صدام حسين يمول بطائرات أحدث وأنظمة رادار متطورة تجعل من شحنات الصواريخ المرسلة إلى إيران عديمة الفائدة.

أرادت إيران أن ترد الصفعة للولايات المتحدة؛ فحثت مغنية على خطف ثلاث رهائن جدد بادلتهم هذه المرة بشحنات صواريخ أكثر تطورًا تضمن لها الندية في حربها مع الجارة العراق. انكشفت أنباء الصفقة بين إيران والولايات المتحدة. واعترفت حكومة ريجان أنها بادلت الرهائن بأسلحة مع الإيرانيين، بوساطة إسرائيلية، ونجا ريجان وفريقه من مصير كارتر لكن الملالي في طهران بدوا منزعجين بشدة من فضح علاقتهم بإسرائيل أمام الملأ، وهو شيء أسعد الولايات المتحدة بأية حال. هدأت موضة الخطف في لبنان وسارت أمور البلاد بصورة هادئة، لكن موطئًا جديدًا للمشاكسة كان قد ولد للتو بين الولايات المتحدة وإيران، وكان ذلك الموطئ هو الخليج العربي، أو الفارسي، كما يقسم الإيرانيون.

ألغام الإمام

انقاد الإيرانيون لحرب مع الجارة الصغرى لهم مدفوعين بأصداء تاريخ فارسي عظيم وإرث حضاري كان على خط المنافسة دوما بالحضارات العربية جمعاء. لم يزن رجال الإمام الحرب بموازين واقعهم الحالي، وتناسوا أن جيش الشاه الذي كان يعد أقوى جيوش المنطقة بات شبه أطلال بعد أن هجره قادته وأوقفت الولايات المتحدة تصدير الأسلحة والأهم قطع الغيار للأسلحة المتوافرة التي باتت عديمة الفائدة. لم يكن قادة الجيش متحمسين كثيرا لهذه الحرب، واتهم أبناء الخميني في الحرس الثوري الجيش وقادته بالتخاذل. زاد من ضعف موقف الإيرانيين هذا الخلاف بين القوتين العسكريتين في الجمهورية الإسلامية الجيش والحرس الثوري. لكن صدام حسين – المتعطش للحرب والحالم بالسيطرة على مياه الخليج ومنصات البترول – دفع الإيرانيين دفعًا إلى الحرب.

وقفت الولايات المتحدة في البداية موقف الحذر، المراقب للأمور باهتمام دون تدخل مباشر. كان البنتاجون والمخابرات المركزية واثقين من أن موازين القوى في صالح العراقيين الممولين بأسلحة أمريكية أحدث من تلك التي يمتلكها الإيرانيون، ولولا سوء التخطيط والهجمات الغير دقيقة للجيش العراقي في بدايات الحرب لما كانت الأمور طالت في هذه الحرب وانتصر العراقيون. رأى الأمريكيون أن الأمور، بالرغم من ضبابيتها تجري في صالحهم؛ فنظام الملالي مستنزف في حرب طويلة الأمد يئن اقتصاده بسببها. كما أن نصرًا قويًا لصدام حسين – بالرغم من دعم الولايات المتحدة له – يظهره بمظهر البطل العربي لم يكن ليسعد الكثيرين في المنطقة. وبدا وأن استنزاف الدولتين حل يخدم مصالح الولايات المتحدة بصورة مرضية، دون أن تشارك بجندي واحد في هذه الحرب، لولا أن ألغام الإمام جعلت الجميع يصرخ بصوت عال.

بالرغم من أن العراقيين هم من بدأوا عملية مهاجمة السفن التجارية في الخليج، حيث استهدفت طائراتهم ناقلات النفط الإيرانية أو تلك المشحونة بالنفط من المصافي الإيرانية في بندر عباس، إلا أن هجمات الإيرانيين هي ما سبب إزعاجًا أكبر. لم يكن العراق يعتمد بصورة كبيرة على تصدير إنتاجه النفطي على البحر، وشعر الإيرانيون أن مسألة الرد بالمثل لن تكون مؤلمة لصدام حسين مثلما هو الحال معهم. فقرر الحرس الثوري أن يوسعوا من دائرة حربهم باستهداف المتعاونين مع صدام في حربه ضدهم. ووضعت خطة لاستهداف ناقلات النفط الكويتية والإماراتية والبحرينية والسعودية. فيما بدا أنه حرب سنية شيعية على مياه الخليج.

على العكس من صدام حسين، لم يكن الإيرانيون يمتلكون الطائرات القادرة على استهداف ناقلات النفط السائرة في المياه الدولية والعودة ثانية إلى قواعدها، دون التعرض لخطر الاشتباك مع الطائرات العراقية الأقوى أو للصواريخ طويلة المدى التي تمتلكها بعض دول الخليج. كان لدى الإيرانيون بعض من الصواريخ الكروز القادرة على استهداف السفن، لكنها كانت قليلة جدًا، وبدا أن استخدامها لضرب أهداف مدنية فيه إنقاص كبير من فائدتها. ظل الحرس الثوري يملك الحماسة لإشعال مياه الخليج بصورة متهورة، لكن كانت تنقصه آليات التنفيذ، حينما جاءتهم الهدية من حيث لا يحتسبون على يد زعيم غير ثابت الانتماء دومًا: العقيد معمر القذافي.

استخدم القذافي مجموعة من الألغام البحرية، كان قد حصل عليها من كوريا الشمالية في مياه البحر المتوسط عند مدخل قناة السويس، بهدف تعطيل حركة الملاحة بها؛ وتسببت الألغام في إعطاب بعض السفن العابرة من القناة، لكن سرعان ما انتبهت السلطات المصرية لهذه المغامرة، وسيطرت على الأمر. حصل الإيرانيون من القذافي على الألغام، وبدت فكرة تلغيم المياه مناسبة جدًا لهم؛ فهي غير مكلفة وضررها كبير. ليبدأ رجال الحرس الثوري في إشعال الخليج بألغامهم التي ألقيت قرب الموانئ الهامة على طول الخليج في الكويت ودبي والبحرين. رافقتها نوعية جديدة من الهجمات بدا وكأنها أقرب لعمليات القرصنة منها إلى معارك الجيوش، حيث امتلأ الخليج بالزوارق والبوغمارات الصغيرة السريعة المزودة بالرشاشات ورجال الحرس الثوري المسلحين التي تهاجم كل السفن المارة من الخليج بغض النظر عن انتمائها.

أرسلت الولايات المتحدة سفينتين عسكريتين إلى الخليج في محاولة لطمأنت حلفاءها الخليجيين وإرهاب الإيرانيين للكف عن أعمالهم الصبيانية، لكن ريجان – وفريقه المتورط في فضيحة إيران كونترا – بدا وأنه غير مستعد للدخول في نزاع مع تلامذة الإمام المتهورين .. لذا حرص على فرض قواعد اشتباك حذرة على سفنه الموضوعة في الخليج .. فبدت وكأنها هياكل ضخمة متواجدة في المياه، لا أكثر.

انزعجت الكويت – أكبر المتضررين من استهداف سفنها – من ميوعة الموقف الأمريكي، وهددت برفع العلم السوفيتي على ناقلاتها النفطية؛ مما يعني السماح للأسطول السوفيتي بالدخول إلى مياه الخليج من أجل حماية الناقلات الكويتية – وهو ما رحب به السوفييت بشدة – لولا أن الأمريكان تراجعوا عن حذرهم، وسارعوا مضطرين برفع علمهم قبل السوفييت على ناقلات البترول الكويتية. لتبدأ السفن العسكرية الأمريكية رحلة مرافقة ناقلات البترول الخليجية على طول مياه الخليج مهددة بالزوارق والبوغمارات الإيرانية.

زاد تدخل الأمريكان من حماسة شباب الحرس الثوري – الطامح للشهادة أو الانتصار على الشيطان الأكبر – وتسببت ألغامهم العشوائية في إعطاب أكثر من سفينة عسكرية أمريكية، وازدادت حدة المناوشات بين الطرفين، وصارت السفن المدنية هي المتضرر الأكبر في هذه المعركة.

في أبريل (نيسان) من عام 1988 بلغت المعارك ذروتها بين السفن الأمريكية والإيرانية، في وقت كانت انتصارات صدام حسين تزداد في حربه معهم، وهددت صواريخه العشوائية حياة الملايين من سكان العاصمة طهران. دمر الأمريكان في معركة السفن تلك أكبر فرقاطتين تمتلكهما البحرية الإيرانية: شهند وسبلان، كما أصاب صاروخ إحدى سفنها طائرة مدنية ايرانية كانت متجهة إلى دبي – ظن الأمريكان بالخطأ أنها طائرة حربية تنوي مهاجمتهم – قرر الإمام الخميني في النهاية الرضوخ للأمر الواقع والموافقة على قرارات الأمم المتحدة الداعية لإنهاء الحرب الدائرة منذ سنوات. وبدا وكأن الملالي قد هزموا أخيرًا وعرفوا حجمهم بالنسبة للشيطان الأكبر.

توقفت المحادثات بين الطرفين سنوات عديدة، لكن شك كلا الطرفين في الآخر لم يتوقف، نجح الإيرانيون في تفكيك شبكة تجسس كبيرة للمخابرات الأمريكية على أراضيهم، وبالرغم من أن المتهمين اعترفوا أمام شاشات التلفزيون الإيراني بتعاونهم مع الشيطان الأكبر، إلا أن الولايات المتحدة لم تعقب بشيء.

كان الرئيس الديمقراطي الشاب الجديد للولايات المتحدة  بيل كلينتون على العكس من سابقيه الجمهوريين: ريجان وبوش الأب، لا يملك نزعة الشك الزائدة تلك تجاه الإيرانيين، وسعى بصورة هوليودية لاكتساب ثقة الرئيس الإيراني – الشره للمال والتجارة – هاشمي رفسنجاني، عن طريق السماح لشركات بترول أمريكية وشركات أخرى بالتعامل مع الإيرانيين، وجرت عدة مقابلات سرية بين الطرفين مباشرة أو عن طريق وسطاء تهدف إلى بناء جسر جديد للعلاقات بين البلدين، لكن المشكلة التي أرقت الأمريكان دومًا فيما يتعلق بإيران لم تكن قد اختفت بعد. فعلى حد وصف أحد عملاء المخابرات الأمريكية للإيرانيين: هناك أكثر من طرف في إيران يقوم بأعمال معاكسة لبعضها البعض في نفس الوقت، فبينما كان رفسنجاني يقوم سرًا بالتحاور الاقتصادي مع الولايات المتحدة، لم ينس رجال الحرس الثوري هزيمتهم في حرب السفن، وقرر فيلق القدس التابع للحرس الثوري والمسئول عن الأعمال العسكرية خارج البلاد الانتقام.

دخل السعودي أحمد المغسل بشاحنة صهريج غاز كبيرة معبأة بـ 5000 رطل من المتفجرات البلاستيكية إلى باحة مساكن الخبر التي كانت تحوي عسكريين أمريكان تابعين للقوات الجوية لتنفجر السيارة وسط العمارات موقعة تسعة عشر قتيلًا من الجنود الأمريكيين.

حينما نقل جواد ظريف أسفه لفشل التعاون مع الأمريكيين فيما يخص أفغانستان، لم يبد أحد من إدارة الرئيس بوش الابن ندمه على هذا الفشل، فقد كان الفريق المحيط بالرئيس يشك كثيرًا في جدوى هذه المفاوضات مقتنعين بأن الإيرانيين يتلاعبون بهم وفق المبدأ القائل: أعطهم القليل، ودعهم يعتقدون أن هذا كل شيء، وهو ما كان الأمريكان في غنى عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب The Twilight War: The Secret History of America's Thirty-Year Conflict with Iran المؤلف David Crist
كتاب The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America المؤلف Kenneth M. Pollack
عرض التعليقات
تحميل المزيد