بدأت قصة صعود نجم حزب الله مع الأنظمة العربية في الكويت التي تعرضت لموجة من العمليات «التفجيرية» استمرت خمس سنوات، اتهمت الكويت أجهزة الأمن الإيرانية بالوقوف وراء هذه الحوادث «الإرهابية»، تفجيرات استهدفت مقاهي شعبية وسفارات مثل السفارتين الفرنسية والأمريكية ومنشآت أجنبية، وخطف طائرات ومحاولة لاغتيال الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح أواسط عام 1985، يعتقد أن تنظيمات شيعية عراقية وغير عراقية ممولة إيرانيًّا وراء هذه الموجة من التفجيرات، وجهت أصابع التهمة لحزب الدعوة العراقي الذي كان يوجد في إيران، اتهم الحزب أيضًا بمحاولات اغتيالات وتفجيرات في العراق زمن صدام حسين، أحد هذه العمليات أصابت عدي الابن الأكبر لصدام بجروح خطيرة، ومحاولة اغتيال لطارق عزيز وشخصيات عراقية أخرى، سيصبح حزب الدعوة أحد أهم أحزاب العراق وأكثرها قوة بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، يمكن وصفه بأنه أصبح الحزب الحاكم، تتمتع الكويت بموقع استراتيجي على الخليج العربي، للكويت ذكريات سيئة في التاريخ الفارسي؛ ففيها هزم المسلمون الفرس في معركة ذات السلاسل زمن الخليفة الأول أبي بكر الصديق بعد انتهائه من حروب الردة، قاد المعركة خالد بن الوليد العربي ضد الدولة الساسانية التي حكمت الإمبراطورية الفارسية ثلاثة قرون ونصف حتى فتح المسلمون إيران، رغم أن إيران بلد إسلامي فإنها ما زالت تعتز بفارسيتها، ليس أقل من هويتها الدينية والمذهبية، بشكل يفوق الانتماء القومي العربي للعرب.

مغنية واختطاف الطائرات الكويتية

اختطفت طائرة تابعة لمؤسسة الخطوط الجوية الكويتية فيما يعرف في التاريخ الكويتي (طائرة كاظمة) في ديسمبر (كانون الأول) 1984 أثناء رحلة من الكويت إلى مدينة كراتشي الباكستانية مرورًا بدبي، كان على متنها 4 دبلوماسيين كويتيين ودبلوماسيين أمريكيين، تم اختطاف الطائرة من قبل أربعة أشخاص وأجبروا الطائرة على الهبوط في مطار مهر أباد في طهران، استمرت العملية ستة أيام قتل خلال العملية رهينتان يحملان الجنسية الأمريكية بعد اقتحام قوات الأمن الإيرانية للطائرة، وكانت مطالب الخاطفين الإفراج عن 40 سجينًا متهمين بالوقوف وراء موجة التفجيرات التي استهدفت الكويت منذ 1983، ظلت الطائرة محتجزة في المطار الإيراني بعد انتهاء العملية مدة 17 شهرًا، اتهم عماد مغنية بقيادة هذه العملية و3 رجال آخرين تحت إمرته بعد صعود الطائرة من استراحتها في دبي باتجاه كراتشي، سيصبح مغنية الظاهرة المرعبة مطلوبًا لكثير من أجهزة الأمن العربية والغربية والإسرائيلية، قال صحافي سعودي إنه كان بإمكان السعودية إلقاء القبض عليه أثناء رحلة من الخرطوم إلى طهران في طائرة توقفت في مطار جدة عام 1995 وعلم الأمريكان بذلك ورفض الأمير نايف نايف بن عبد العزيز الذي كان يشغل وزير الداخلية آنذاك وولي العهد الراحل اعتقاله أو تسليمه للأمريكان.

مرة أخرى سيقود مغنية نفسه حادثة اختطاف طائرة كويتية أخرى مع سبعة رجال هذه المرة في أبريل (نيسان) 1988 أثناء توجه الطائرة من العاصمة التايلاندية بانكوك عائدة أدراجها إلى الكويت، حيث اختطفت الطائرة أثناء وجودها في الأجواء العمانية، بعد التحليق لأكثر من ساعتين هبطت الطائرة في مطار مشهد في إيران أيضًا، غادرت الطائرة بعد أربعة أيام مشهد متجهة لمطار بيروت الذي أغلق الأجواء في وجهها، فتوجهت لمطار لارنكا القبرصي، هناك قُتل رهينتان كويتيتان من أجل الضغط على السلطات القبرصية للحصول على وقود للطائرة وهذا ما حدث، ثم توجهت للجزائر وهناك تم إطلاق سراح الرهائن الـ111 بعد رحلة اختطاف استمرت 16 يومًا مقابل توجه الخاطفين إلى مكان آخر بطائرة أخرى، وطلبات الخاطفين هي الطلبات نفسها عام 1984، لم يشعر أحد بالسعادة التي شعر بها الكويتيون يوم اغتيال مغنية في دمشق، كتب أحد الصحافيين الكويتيين أن قتل مغنية «انتقام إلهي»، الكويت حتى وقت قريب أعلنت عن إلقاء القبض عن خلايا جديدة لحزب الله الكويتي على صلة بحزب الله اللبناني ومعهم كميات أسلحة كبيرة مخبأة.

ماذا عن الشيعة الكويتيين؟

يشكل الشيعة ما نسبته 30% من مجموع الشعب الكويتي، ينظر شيعة الكويت كما غيرهم بإعجاب واسع إلى حزب الله اللبناني، القوة العربية الشيعية الوحيدة التي تحسب لها الأنظمة العربية «السنية» ألف حساب، اعتقل مئات الكويتيين الشيعة بتهمة الانتماء لحزب الله الكويتي أو الولاء أو نصرة حزب الله اللبناني الذي يعد مرشدًا وملهمًا ومعلمًا لكل المنظمات الشيعية في العالم العربي التي تحمل اسم حزب الله، كان من بين المعتقلين أحيانًا صحافيون وأعضاء برلمان سابقون تم استجوابهم شرطيًا، وطالت الاتهامات أعضاء برلمان كان على رأس مواقعهم، بعض المعارضين الشيعة هجر الكويت للبنان أو إيران أو لندن وسحبت منهم جنسياتهم، اتهم برلماني كويتي على خلفية مشاركته في تأبين في أحد الحسينيات الكويتية لعماد مغنية الذي اغتيل في دمشق 2008، تتمتع الكويت بحرية مقبولة في العمل البرلماني مقارنة بأغلب الدول العربية، أسقطت الكويت جنسية رجل الدين الشيعي الكويتي ياسر حبيب الذي يخرج على فضائية في لندن، حيث يهاجم ويشتم الصحابة من خلالها، ويهاجم الأنظمة العربية والعالم السني أو النواصب كما يحلو له تسميتهم، ويسمي المتطرفون السنة الشيعة بالروافض، يتحدث حبيب بقضايا حساسة جدًا في تاريخية الصراع السني- الشيعي، هناك فضائيات سنية مقابلة أيضًا ليست أقل سوءًا من ياسر حبيب، ينظر العالم العربي بعين الريبة لهذه الفضائيات المقلقة في بلد الحريات لندن، التي منحت حق اللجوء السياسي لحبيب بعد هروبه من الكويت عبر الأراضي العراقية بطريقة غير شرعية إلى إيرا،ن ثم استقر به الحال في لندن، شخصيات دينية وسياسية من الإسلاميين السياسيين سنة وشيعة لا يروق لهم ياسر حبيب وما يقابله من السنة، نصر الله في لبنان تحدث مرارًا عن رفضه لشتم الصحابة وألمح بشكل قوي عن استيائه من ياسر حبيب الذي تزيد استعراضاته حالة الاحتقان الطائفي في بلاد متفجرة مثل لبنان والعراق، عندما فجر مرقد الإمامين العسكري والهادي في سامراء العراقية حشد نصر الله الشيعة في الضاحية الجنوبية وحذرهم من الانجرار لأي فتنة طائفية تخدم إسرائيل في لبنان، حذر أن من يفتعل إشكالاً طائفيًا في لبنان من الشيعة في لبنان سيتم التعامل معه كعميل للاحتلال الإسرائيلي، كانت الطائفية طوال سنوات القرن العشرين مخبأة بقشورها بسبب السطوة الأمنية التي تتمتع بها الأنظمة البوليسية العربية، قد تكون هذه الميزة الوحيدة في الديكتاتوريات العربية، كثير من المدافعين عن الأنظمة الاستبدادية، خصوصًا أنصار النظام السوري يركزون على هذه الحيثية، إضافة إلى المقولة السطحية التي يتحفوننا بها دائمًا «الشعوب العربية غير جاهزة للديمقراطية» أو «هذه شعوب لا تحكم سوى بالخوف» ويعطوننا النموذجين العراقي والليبي وما حدث فيهما عقب انهيار نظاميها، أطلت الطائفية برأسها عقب سقوط بغداد وبدأت الموجة من التفجيرات والاختطافات وعمليات التصفية والاغتيال التي اجتاحت عاصمة الرشيد.

هل التفجيرات التي طالت الكويت مصدرها فقط إيران وحزب الله؟

المتتبع لتاريخ الكويت الحديث سيكتشف أن موجة من التفجيرات اجتاحت البلد منذ عام 1972، أي قبل الثورة الخمينية في إيران وقبل بزوغ حزب الله اللبناني، ثم استمرت فترة هدوء ثلاث سنوات، في فبراير (شباط) قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التنظيم الماركسي الراديكالي الذي ينظر لدول الخليج العربي كدول رجعية وحليفة للإمبريالية العالمية وفق المفاهيم الثورية اليسارية، بالسيطرة على السفارة اليابانية وحجز 12 رهينة بما فيهم السفير نفسه للمطالبة بإطلاق سراح اثنين من رفاقهم، بالإضافة إلى عضوين في الجيش الأحمر الياباني الماركسي شريك الجبهة الشعبية في نضالاتها، تجاوبت الحكومة اليابانية معهم وأطلق سراح الرفاق ووصلوا اليمن الجنوبي، يبدو أن مغنية قرأ أو عرف عن هذه العملية الناجحة للجبهة الشعبية، سبع عمليات تفجيرية أخرى سيقوم بها الفلسطينيون والشيعيون اللبنانيون حتى عام 1980، بعضها له علاقة بالصراع الفلسطيني- الفلسطيني عقب انشقاق صبري البنا أبو نضال الذي مولت العراق انشقاقه إلى أن قتل في بغداد ودفن فيها بمكان مجهول، قبيل الغزو الأمريكي للعراق، أبو نضال من الشخصيات الفلسطينية المرعبة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، لكنه أقرب ما يكون للقاتل المأجور؛ حيث استخدمته دول عديدة لتصفية خصومها بحسب تقارير عربية وغربية، أحد الذين نجوا من اغتيالات أبو نضال الرئيس الفلسطيني اليوم أبو مازن، حسبت له دول كثيرة حسابًا كبيرًا سواء الغربية منها والعربية، لعب أبو نضال دورًا كبيرًا في الصراع بين صدام حسن وحافظ الأسد، لقد أنهك دمشق بتفجيراته وأنهك مطارات الدول العربية وأجهزة مخابراتها من اغتيالاته المركزة التي طالت شخصيات فلسطينية وعربية رفيعة، عمل أبو نضال كذراع ضارب لصدام حسين وأجهزة الأمن العراقية، وبعض هذه التفجيرات لها صلة بالصراع البعثي-البعثي السوري العراقي، وبعضها له علاقة بالصراع العراقي- الإيراني، أرسلت إيران صاروخًا للكويت في حربها مع العراق ضرب مصفاة نفط كويتية.

هل يقتصر وجود حزب الله في لبنان فقط؟

لا يقتصر وجود اسم حزب الله في لبنان، كثيرًا ما أعلنت الدول العربية خلايا شيعية في بلدانها باسم حزب الله، السعودية والكويت والبحرين والعراق والأردن ومصر والمغرب واليمن وحتى تركيا وأفغانستان والباكستان وأخيرًا نيجيريا التي شهدت السنوات الأخيرة اشتباكات طائفية سنية- شيعية التي يوجد فيها جماعة بوكو حرام التي يمكن وصفها بداعش أفريقيا، كل هذه الخلايا تعلن هذه الدول أنها على صلة بحزب الله اللبناني وتخدم الأجندة الإيرانية، بعض هذه الخلايا في مصر والأردن ألقي القبض عليها على خلفية الصراع العربي- الإسرائيلي أو دعم المقاومة الفلسطينية، وصل بعضهم الأراضي الفلسطينية، حكم على منتسبيها بالسجن، فيما يوجد سجناء في سجون الدول العربية المختلفة على خلفة انتمائهم لحزب الله اللبناني أو تنسيقهم أو تدريبهم على يديه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد