الطائفية غير موجودة في ثقافة وتركيبة المجتمع الفلسطيني العلماني، مجتمع مسلم سني في هوية أغلبه الدينية والطائفية مع تعدد للأديان والطوائف بنسب غير كبيرة، لا يأبه الشعب الفلسطيني بهويته الطائفية، كثيرون لا يعرفون أنهم سنة المذهب في فلسطين، نظر الشعب الفلسطيني كباقي الشعوب العربية والإسلامية بإعجاب إلى الثورة الخمينية في إيران، للخميني سيرة حسنة في الشارع الفلسطيني نسبيًّا، رفعت الثورة الخمينية شعار حمل لواء القضية الفلسطينية، دعمت إيران الثورة الفلسطينية، مع تطورات الأحداث السياسية في لبنان والعالم العربي والحرب العراقية- الإيرانية بدأت علاقة منظمة التحرير التي تهيمن عليها فتح بالتراجع مع إيران، تدهورت العلاقات عقب توقيع منظمة التحرير اتفاقية أوسلو، بدأ الدعم الإيراني ينصب على تيارين إسلاميين فلسطينيين هما: حماس، والجهاد الإسلامي الذي لا مصدر تمويل آخر له غير إيران، لحماس مصادر أخرى متعددة.

ألهمت الثورة الخمينية الكثيرين في العالم العربي والإسلامي، ألهمت بشكل علني تنظيمًا فلسطينيًّا «سنيًّا» الجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين، وقد أسسه الدكتور فتحي الشقاقي أواخر السبعينات وبداية الثمانينات ويتبنى الثورة الخمينية، للجهاد الإسلامي علاقات وطيدة مع إيران وحزب الله، حتى لباس جناحه العسكري في غزة ووسائل الإعلام الحربي متشابهة إلى حد بعيد مع حزب الله اللبناني.

لا يتمتع الجهاد الإسلامي بالحضور الذي تتمتع به حركة حماس، لحماس حضور ووزن تجلى ذلك باكتساحها الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي رفض الجهاد الإسلامي الانخراط فيها، ومن قبل اكتسحت حماس انتخابات النقابات ومجالس اتحادات الطلبة في الجامعات الفلسطينية.

لم تغب فلسطين عن شعارات حزب الله اللبناني منذ انطلاقته بدايات الثمانينات وليومنا هذا، خرج أنصار حزب الله في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 في نفس اليوم الذي وقع اتفاق أوسلو بمظاهرة صاخبة في الضاحية الجنوبية، ما إن وصلت المظاهرة أسفل جسر المطار حتى أمطرها الجيش اللبناني بالرصاص فسقط 5 شهداء من أنصار حزب الله، كان يومها رفيق الحريري رئيسًا للوزراء في لبنان، يبدو أن كان صحيحًا أن من قتل الحريري هم قادة في حزب الله، فإن هذه اللحظة العصيبة لم تغب عن مخيلة من قتل الحريري وأعطته مبررًا ودافعًا نفسيًّا لقتله، هاجم حزب الله بشدة اتفاق أوسلو، قال نصر الله قولته الشهيرة «لا يملك أحد حق التخلي حتى عن شبر واحد من أرض فلسطين، أو حرف واحد من حروف فلسطين».

عقب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994، شنت حماس موجة من العمليات الاستشهادية والتفجيرية، نظرت السلطة الفلسطينية بقلق بالغ لعمليات حماس التفجيرية، اعتبرتها تخريبًا للجهود السياسية والدبلوماسية التي تجريها السلطة على أمل الحصول على دولة عام 1999، وفق اتفاقية أوسلو، وهي السنة المقررة للحل النهائي مع إسرائيل، اتهمت كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية إيران بتمويل عمليات حماس بهدف تخريب عملية السلام، بدأ اسم إيران يتردد بقوة في الشارع الفلسطيني، نظر الشارع الفلسطيني بإعجاب إلى إيران، أعجب الشعب الفلسطيني بالنقيضين والعدوين اللدودين إيران والعراق آنذاك، على قاعدة «عدو عدوي صديقي» فكل عدو لإسرائيل هو صديق للشعب الفلسطيني، تحيي إيران كل سنة آخر يوم جمعة في رمضان يومًا للقدس «يوم القدس العالمي»، وعقدت عدة مؤتمرات لدعم الانتفاضة الفلسطينية، عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب في شرم الشيخ حضرته إسرائيل عام 1996، وأدانوا الدعم الإيراني «للإرهاب».

في فبراير (شباط) 2000، زار رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان إسرائيل والأراضي الفلسطينية، صرح عند الجانب الإسرائيلي أن حزب الله تنظيم إرهابي، ساقه حظه السيئ زيارة جامعة بيرزيت أهم الجامعات الفلسطينية، كان برفقته القيادي الفلسطيني نبيل شعث، ودعه طلاب الجامعة بمظاهرة صاخبة ضد تصريحاته ضد حزب الله ورشقوه ورشقوا موكبه بالحجارة وكل ما وقع في أيدي الطلبة، هتف الطلاب: «من رام الله لبيروت شعب واحد لن يموت»، وهتفوا: «حزب الله يا عيوني اضرب كريات شمونة» (مستوطنة إسرائيلية على الحدود اللبنانية)، في وقت لم يعلق حتى حزب الله نفسه على تصريحات جوسبان ولم تعلق الحكومة اللبنانية، شعر الداخل اللبناني بالإحراج أمام دفاع طلبة بيرزيت عن حزب الله وصمت الداخل اللبناني؛ فانطلقت بعدها مظاهرة كبيرة في بيروت، شعر الرئيس الفرنسي جاك شيراك آنذاك بالصدمة بحسب تصريحه، فيما اعتذر عرفات شخصيًّا لجوسبان، وقام بتوصيله بنفسه لمطار غزة، اتهم الطيب عبد الرحيم التيارات الإسلامية بالوقوف وراء الحادث، والحقيقة غير ذلك، فكل القوى السياسية في الجامعة بما فيها فتح شاركت في الحادثة، واعتقل 15 طالبًا إثر ذلك، وفتحوا إضرابًا عن الطعام في سجن أريحا، وتم إطلاق سراحهم جميعًا بعد أسبوع أو اثنين.

شكلت الانتفاضة الثانية فرصة قوية لإعادة الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية، لم يقتصر الدعم هذه المرة على الحركات الإسلامية، لقد غمروا الجميع بأموالهم، كل الفصائل الفلسطينية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بما فيها حركة فتح، وحتى أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين قاتلوا ببسالة في الانتفاضة الثانية، والجديد دخول حزب الله بقوة على الخط، كانت تتدفق الأموال الإيرانية عبر حزب الله الذي أرسل أسلحة كثيرة ومعدات وخبراء إلى قطاع غزة، وصل أحد مقاتلي حزب الله مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية حيث اعتقله الاحتلال وأطلق سراحه في إحدى صفقات تبادل حزب الله مع إسرائيل، قتل قبل أقل من عامين في معارك سوريا، تجلى ذروة الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية في شراء شحنة الأسلحة من إيران أو التي تبرعت بها كهدية لياسر عرفات، والتي ألقت القبض عليها إسرائيل بعملية خاصة في قلب البحر الأحمر فيما عرف بسفينة (كارين A) عام 2001، والتي كانت في طريقها إلى قطاع غزة عبر قناة السويس، مصادر إسرائيلية وأمريكية قالت إن هذه السفينة التي قررت إسرائيل من بعدها – بموافقة أمريكية- إزاحة عرفات أو قتله، وهي التي قطعت الثقة الأمريكية نهائيًّا بعرفات.

في ذروة اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وبعد 10 أيام من انطلاقها تقريبًا، قام حزب الله بعملية عسكرية في جنوب لبنان خطف فيها ثلاثة جنود إسرائيليين قتلى، رفعت من معنويات الفلسطينيين واعتبروها دعمًا مباركًا من حزب الله للانتفاضة الفلسطينية، بلعت إسرائيل التي تواجه الفلسطينيين في بداية انتفاضاتهم ولم تشن حربًا على لبنان، بعد أسبوع من عملية خطف جثث الجنود عقدت دورة طارئة مشتركة للمؤتمرين القومي العربي والقومي الإسلامي في فندق الكارلتون في بيروت، فأعلن نصر الله على الملأ اختطاف عقيد في المخابرات الإسرائيلية «الحنان تننباوم»، اعتبره الفلسطينيون هدية ثانية من نصر الله الذي فقد ابنه البكر «هادي» في معارك تحرير جنوب لبنان للشعب الفلسطيني، قالت إسرائيل إن المختطف تاجر مخدرات تم استدراجه عبر فلسطيني من مدينة الطيبة في الداخل المحتل، ويعمل تاجرًا للذهب اسمه «قيس عبيد»، حفيد عضو الكنيست الإسرائيلي ذياب عبيد في مطلع السبعينات، سوف يتولى عبيد إدارة الملف الفلسطيني في حزب الله الذي بات جزءًا من تركيبته الهيكلية الأمنية، لحزب الله نفوذ أمني وسياسي وإداري واسع في لبنان، بحيث يستطيع لبننة أي مواطن غير لبناني يهمهم أمره، نظر الشارع الفلسطيني باحترام واسع ومنقطع النظير إلى حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله، أسفرت عملية ضابط المخابرات الإسرائيلي وجثامين الجنود عن إبرام عملية تبادل للأسرى بين حزب الله وإسرائيل عام 2004 بوساطة المخابرات الألمانية «رون أراد»، أفرجت إسرائيل ضمن الاتفاق عن حوالي 400 أسير فلسطيني ممن بقي لهم أيام أو أسبوع أو يزيد قليلًا.

دخل الفلسطينيون عقب تشكيل حماس حكومة فلسطينية 2006 في نفق الاشتباكات الداخلية حتى الانقسام 2007، شعرت إيران وحلفاؤها في بيروت ودمشق بفرحة غامرة عقب فوز حليفتهم حماس في الانتخابات الفلسطينية التشريعية، بعد بدء التوتر بين فتح وحماس عقب ما عرف بحرب الصلاحيات، وصل الرئيس محمود عباس فيديو عن إعداد حماس خطة لاغتياله في حال زيارته غزة، اتهمت فتح حماس بمحاولة اغتيال الرئيس على طريقة اغتيال رفيق الحريري في بيروت، قال عزام الأحمد إنها «نفس الخطة ونفس المعلم»، تم التلميح إلى إيران والنظام السوري، وحدثت أزمة بين السلطة الفلسطينية والحلفاء الثلاثة إيران وسوريا وحزب الله، خصوصًا على الدعم المتواصل لحماس، طال الاتهام دولة قطر أيضًا التي على صلة قوية بحماس، حيث اختارت حماس قطر بعد أحداث سوريا.

كثيرًا ما اتهمت السلطة الفلسطينية حزب الله بالعبث في الساحة الداخلية الفلسطينية لتخريب أي جهد سياسي لحلحلة الأمور عن طريق الهدن المتعاقبة مع الاحتلال، وكثيرًا ما تراشق الطرفان الاتهامات المتبادلة، كان يهتف نشطاء فتح ضد حماس في غزة قبيل الانقسام «بالشيعة»، فيما كان الاتهام المتواصل من قبل حركة فتح وأنصارها لحماس بالارتماء في أحضان النظام السوري واختطافه لقرارها، بعد تدهور العلاقات الحمساوية مع النظام السوري انقلب فجأة جزء لا بأس به من قاعدة فتح وأيدوا النظام السوري! السلطة الفلسطينية من ناحيتها فضلت أخذ موقف محايد مما يجري في سوريا، وحاولت بكل جهدها تحييد المخيمات الفلسطينية في سوريا عن الصراع الدائر هناك، إلا أن جهودها باءت بالفشل، اتهمت حركة فتح مرارًا حركة حماس بزج المخيمات في سوريا في محرقة الحرب الأهلية السورية.

في يونيو (حزيران) 2006 قبل الانقسام الفلسطيني بسنة واحدة، تمكنت مجموعة مسلحة في قطاع غزة من اختطاف جندي إسرائيلي «جلعاد شاليط» شنت إسرائيل هجمات ضارية ضد قطاع غزة، بعدها بأسبوعين ويزيد قام حزب الله بقتل جنود إسرائيليين في جنوب لبنان، وقام بخطف جثثهم وكان الهدف مبادلتها مع سمير القنطار الذي وعده نصر الله بالإفراج عنه؛ لذلك سميت العملية «الوعد الصادق»، حرفت هذه العملية أنظار الاحتلال عن غزة وخففت الضغط بشكل شبه نهائي على غزة التي تأسر جنديًا حيًّا بادلته عام 2011 مع إسرائيل بوساطة المخابرات المصرية.

خرج القنطار في صفقة مماثلة عام 2008 بوساطة المخابرات الألمانية مع ثلاثة مقاتلين من حزب الله أسرتهم إسرائيل في حربها على لبنان 2006، تم استقباله استقبال الأبطال في الضاحية الجنوبية ببيروت، صرح منذ أطل على الجماهير المستقبلة قائلًا: «والله ما خرجت من فلسطين إلا لأعود إليها»، في إشارة إلى نيته معاودة درب النضال القومي والوطني، وليس التقاعد والجلوس في البيت، قام القنطار وفق معلومات الصحافة الإسرائيلية بإعادة الاتصال مع أصدقائه الفلسطينيين من الأسرى المحررين، استطاع تشكيل خلية مسلحة شمال الضفة الغربية قتلت مستوطنًا إسرائيليًّا، نشر فيديو للقنطار فيما بعد أثناء تلقيه تدريبات عسكرية في لبنان، بثته وسائل الإعلام الإسرائيلية، قررت إسرائيل اغتيال القنطار في أول فرصة، تزوج القنطار من إعلامية وأنجب منها فتى سماه «عليّ»، قيل إن القنطار غير هويته الدينية والطائفية والتحق بالطائفية الشيعية الاثني عشرية، إلا أن قتل في غارة إسرائيلية في حي جرمانة قرب دمشق قبل عامين.

في 2009، أثيرت قضية سامي شهاب القضية المعروفة بـ«خلية حزب الله في مصر»، اعتقلت السلطات المصرية أحد قادة حزب الله، سامي شهاب، والذي اتهمته بالتخطيط لعمليات «تخريبية» في مصر بتخطيطه لقتل سياح إسرائيليين في سيناء واستهداف السياحة في مصر، من الواضح أن شهاب كان يهرب السلاح للمقاومة الفلسطينية في غزة عبر أنفاق رفح، ويبدو أن اعتقاله كان سياسيًّا أيضًا وليس بمعزل عن تدهور العلاقات السياسية المصرية- السورية عقب اغتيال الحريري، وتدهور العلاقات المصرية مع حزب الله عقب اجتياح بيروت في مايو (أيار) 2008، لم يكن هناك علاقات رسمية بين مصر وحزب الله، تمكن الرجل من الهروب مع بدء ثورة 25 يناير وفوضى الدولة والسجون، اتهم الإعلام المصري والسلطات المصرية حماس بتهريبه، فيما نشر أيضًا أنه هرب بمساعدة السفارة السورية في القاهرة، لم تكن سوريا قد اشتعلت بعد، حيث أمنت له جواز سفر وسافر إلى الخرطوم، ومن ثم إلى بيروت التي تم استقباله فيها استقبال الأبطال، تعرض سامي شهاب لانتهاكات وسوء معاملة أثناء فترة التحقيق معه واعتقاله.

بعد الثورة السورية وموقف حماس منها، تدهورت العلاقات الإيرانية- السورية- حزب الله مع حماس، بعد مغادرة قيادات حماس دمشق متوجهة للدوحة التي قادت حملة سياسية ودبلوماسية عالمية شرسة لعزل النظام السوري سياسيًّا، أصبحت هذه القوى الثلاث أقرب إلى فتح من حماس، لكن شعرة معاوية مع إيران وحزب الله لم تنقطع، تم تعزيزها مؤخرًا، يقود الزهار أحد أبرز صقور المكتب السياسي لحماس تيارًا ضد التوجه إلى علاقات حميمة مع قطر وتركيا، والبقاء في حلف مع إيران لأنه لا دولة في العالم ممكن أن تدعم حماس بالسلاح والذخيرة، مؤخرًا تم تعزيز العلاقات بين حماس وإيران وحزب الله عقب المصالحة الفلسطينية التي تخشى إيران أنها مقدمة لعمل سياسي لمحاصرتها.

بعد تدخل حزب الله بثقله العسكري ودفاعه الإعلامي المستميت عن النظام السوري تراجعت شعبية حزب الله بشكل ملموس في الأراضي الفلسطينية، مع ذلك لا زال يتمتع بحضور لا بأس به، لم يهتم الفلسطينيون كون سوريا في حال رحل نظامها ستكون مقتل لحزب الله الذي سيكون حتمًا مصيره المقصلة، مع وجود قاعدة ليست قليلة لا زالت تؤيده وتؤيد خطوته في سوريا تحديدًا نشطاء اليسار الفلسطيني، وقسم كبير في تنظيم الجهاد الإسلامي، وقسم ليس كبيرًا في حركة فتح، فيما باتت شعبيته في قاعدة حماس منخفضة جدًا، الشارع الفلسطيني بطبيعته غير منغلق في تعددية الآراء، كل شيء خاضع للنقاش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد