فيما تقترب الموصل من إعلان ساعة الصفر لبدء معارك تحريرها من قبضة داعش، يحتدم السجال حول مشاركة الحشد الشعبي الذي تحظى بعض فصائله برعاية وتوجيه إيراني، محدثًا انقسامًا كبيرًا ليس في المشهد السياسي العراقي فقط، وإنما على الصعيد الإقليمي والدولي، في وقت بدأت فيه المؤسسة العسكرية النظامية بالتعافي شيئا فشيئا خصوصا بعد انتصار الفلوجة.

وبينما تتعالى الأصوات الداعية إلى منع القوات غيرالنظامية «الحشد الشعبي» من دخول المدينة والمشاركة بالقتال، تتردد أنباء وتقارير إعلامية عن وصول الجنرال الإيراني قاسم سليماني قرب الموصل، قادمًا من إيران عبر معبر المنذرية مصحوبًا بعدد من سيارات الدفع الرباعي التي تحمل سفره، كما نقل أحد ضباط المعبر الحدودي، الذي قال إنه اتصل بالجهات المختصة في بغداد وأجابوه لوحات تسجيل «إيرانية» متوجهة به صوب الموصل مرورا بكركوك من دون أن يظهر جوازًا بأن «سليماني هو مستشار عسكري للحكومة العراقية ويدخل بدون جواز متى شاء».

ظهور سليماني في هذا المكان و الزمان أثار جملة من مخاوف تكرار مشاهد الإعدامات الجماعية والدمار الذي لحق بالمدن التي تواجد بمعارك استعادتها من قبضة تنظيم الدولة كجرف الصخر ويثرب وبيجي والكرمة والصقلاوية والرمادي وحوض سنسل وجلولاء، والتي أثبتت بقاياها أنه حيثما يكون الجنرال الثوري يكون القتل والدمار والخراب، و لم لا وهو آلة القتل والانتقام كما تصفه الـ«نيوزوويك» الأمريكية.

ينظر سكان المناطق التي سيطر عليها مسلحو تنظيم الدولة إلى الحشد الشعبي بأنه تشكيل ذو طابع عقائدي مركوب إيرانيا بواسطة خيال بلاد فارس «سليماني» بحسب وصف الصحافة الأمريكية، ويهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي كبيرذي طابع مذهبي في مناطق العرب السنة لصالح تكتلات شيعية يخطط  لتعزيزها بمجموعات سكانية من الجنوب والوسط، كما يحدث في منطقة العاشق التابعة لسامراء حيث استوطن رعاة الجاموس القادمين من الجنوب تلك المنطقة مصطحبين معهم نحو 16 ألف رأس جاموس، على حد قول ابن سامراء السياسي ناجح الميزان.

في المقابل تعتبر إيران أن العراق يمثل عمقا أمنيا واستراتيجيا لها حيث تحاول ردع الخطر «السني» عن حدودها أولا ومحاولة ترميم الهلال الشيعي ثانيا والذي بدا أكثر هشاشة، بعد الثورة السورية، وسقوط الموصل وتكريت، لذا هي تفضل أن تقاتل هي بنفسها في العراق، كما صرح قادتها العسكريون في «مناسبات عدة خصوصًا عندما كانت قواتهم تجتاح شمال المقدادية وجلولاء والسعدية وسليمان بيك بديالى» من أنهم أبعدوا الخطر «الوهابي» عن حدودهم، إيران تريد أن تجعل أكبر مساحة ممكنة من الأرض والسكان تحت سطوة نفوذها وولائها.

ما أعتقده وتؤيده الوقائع على الأرض، هو أن إيران تخوض معركة «تشييع الأراضي» التي تهدف لإنتاج مناطق صافية طائفيًّا، وما جرف الصخر ويثرب وتخوم سامراء والمقدادية عنّا ببعيدة.

ما يعنيني في  هذا السياق ليس الحديث عن معركة الموصل ومتى ستنطلق، وإنما هذا الظهور العلني لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي تجمّله الحكومة العراقية بلفظة «مستشار» في هذا المكان والزمان تحديدا، هذا الظهور طرح تساؤلا مُلحًا عنوانه، ما الهدف من تواجد هذه الشخصية قرب الموصل والتي ارتبط اسمها «بالدمار»؟!

أعتقد أن هذا الظهور يهدف لإعطاء رسالة للموصليين مضمونها أن خصمكم هو إيران ولن تسمح لمدينتكم بالإفلات من قواتهم، وأن النصر «المقدس» سيكون على يد جنرالها «المخضرم سليماني»، الذي سيسطر على ديالي وكركوك والموصل، إلى أن يصل إلى حلب السورية، وما عليكم إلا أن تتحملوا تبعات سيطرة داعش عليكم كما تحملتها مدن أصبحت أثرا بعد عين.

إن أثمن هدية تلقاها نظام الملالي في طهران من هذا التنظيم الإرهابي، هو المبرر لدخولها عسكريا وعقائديا واقتصاديا وفكريا للمحافظات السنية التي لطالما كانت عصيّة على نفوذها. فالنظام الإيراني كان يتمنى أن يجد مثل هذا «العدو المرتجى»، والذي ساعدها على شحن النفوس طائفيا ليس في العراق فحسب بل بالشرق الأوسط برمته.

إن تأجيج المزاج المذهبي حول معركة الموصل المصيرية بدا واضحا بوجود سليماني ومساعديه. وها نحن بدأنا نسمع الأصداء، في الإعلام الواسع الانتشار والمنقسم بين من يراها المدينة الأسيرة بيد داعش، ومن يراها مدينة الإرهاب وحاضنة له. والرابح من هذا الضجيج هما داعش وسليماني.

وجود سلماني يؤكد إسباغ الظل الطائفي الكريه على مجريات الأحداث العراقية في لحظة مشتعلة، وممارسة مزيد من الضغط على السُنة العراقيين الذين يساندون جهود التخلص من «داعش»، ويشاركون فيها كما شاركوا من قبل في التصدي لموجات متوالية من الإرهاب، من خلال تجارب «الصحوات» ومن خلال الانتفاضات العشائرية ضد طغيان «داعش» ووحشيته، إذ سيشعر كثير من هؤلاء السُنة بأنهم يخوضون حرب سليماني وليس حربهم، وأن الاعتبارات الوطنية التي يُعلونها فوق الاعتبارات المذهبية وهم يواجهون «داعش» ستُغيّر في النهاية لمصلحة جماعات طائفية أخرى لا تقل تطرفا وسوءا.

إن تأجيج الهوس الطائفي وإعلاء كلمته والنفخ في نار التعصب سلوك يمكن إشهاره كلما علت الأصوات المطالبة بالمحاسبة والشفافية، والقضايا الحقيقية المتعلقة بالإصلاح وإيقاف نزف النهب والرشاوى والمحسوبية والاستيلاء على المال العام واستبعاد الكفاءات، كلها يمكن أن تخفت وتتوارى أمام صناعة الفتن المذهبية وتغذية غرائز العدوانية والكراهية، معركة الموصل تفتح شهية الطائفيين وأحزاب «الإسلام الرديكالي» التي تواجه خطر الشارع الشعبي بسبب فسادها وتخمة زعمائها، والتي ترى في هذه المعركة مخرجًا للتخلص من سخط الشارع العراقي، فلا شيء سيشغل العراقيين عنها سوى طوافة الأحداث، كلَ الأحداث.

يعرف قاسم سليماني أن العراق لا يمكن أن ينهض كدولة موحدة من دون نزعة استقلالية تحكم خيار الشعب والحكومة، هذه النزعة هي مفتاح خروج العراق من تحت ركام الحروب والاحتلالات، وبالتالي فإن أي خطوة نحو تبلور المشروع الاستقلالي ستصطدم بالنفوذ الإيراني، هذا النفوذ الذي لم يقتصر على تشكيل الحشد الشعبي ومحاولة تصديره من قبل إيران، بل إن النفوذ الإيراني وصل إلى مرحلة التحكم بمعظم التعيينات لمسؤولي المفاصل الأمنية والعسكرية في المؤسسات العراقية، إذ طالما اصطدمت حكومة العبادي بالعديد من العقبات الإيرانية على هذا الصعيد، فهو يسعى بكل قوة للتخلص من الوصاية الإيرانية على نظام الحكم في العراق، ومما لا شك فيه أن مهمته صعبة، ولكنها ليست مستحيلة.

المشروع الإيراني في العراق أصبح يلعب على «المكشوف» وهو قائم على ذهنية التحكم لا الصداقة أو الشراكة مع العراق، وعلى ذهنية فرض نظام أولوياته الأمنية والقومية على حساب مشروع الدولة العراقية، هذا المشروع بات نجاحه مشروطا بتحويل المكونات العراقية إلى مكونات خائفة من بعضها، ومحتمية بالخارج على تنوعه.

إيران تسير بوضوح نحو تجذير فكرة أن إيران هي التي تحمي الشيعة في العراق، وأن لا خيار أمام المكون الشيعي إلا الاحتماء بإيران، وإلا لماذا أسست «جيش التحرير الشيعي» كما أسمته، هذا ما أراد سليماني قوله في تحركاته المريبة قرب الموصل وفي ادعائه أن إيران وراء تشكيل الحشد الشعبي، وهي دعوة إلى المكونات الأخرى لا سيما المكون السني إلى المزيد من السعي نحو الانفصال باعتبار أن الطرف المقابل لم يعد عراقيا بل هي إيران التي لن تكون أرحم من داعش.

بهذا المعنى يضحك سليماني كما يضحك الخليفة البغدادي ضحكة مشتركة، إذ أن داعش، كما النفوذ الإيراني في العراق، لا يقويان إلا على إيقاع الفتنة والصراع المذهبي في العراق. فإيران التي أثبتت بالملموس أنها دعمت أكبر عملية فساد وإفساد خلال حكم رجلها نوري المالكي، كشفت كم أنها عاجزة عن تظهير أي خيار عراقي وحدوي يعزز من قوة الدولة وحضورها، وأظهرت للعالم كم أن السياسة الإيرانية لا تنطوي في كل ما تحمله من شعارات على أيّ خيار غير عسكري أو أمني، سليماني ليس لديه غير لغة القتال أما لغة السلام والوئام والنهوض الحضاري، فلا مكان لها في قاموس السياسة الإيرانية في العراق كما هو حال تنظيم داعش.

وأخيرا فإن ظهور قاسم سليماني إشارة إلى أن ما ينتظر العراق حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة «داعش»  من الموصل ومن غيرها لا يبعث على الاطمئنان، وإلى أن الظل الكئيب للطائفية التي تهيئ إيران أسبابها سيبقى جاثما على صدور العراقيين طويلا، ويبقى أن «النصر» أو «الصمود» سيحمل صورا جديدة ومختلفة عن حروب المراحل السابقة، تتمثل في مشهد المدن المدمرة والخالية بعد هزيمة «داعش» فيها. فـ «درء الفتنة» في أعقاب الهزيمة يتطلب بقاء المدن خالية من أهلها، وان ما أصاب الرمادي وبيجي و تكريت والفلوجة سيصيب الموصل.

باختصار شديد، أينما يتواجد سليماني فإن المدينة تحرر ثم تدمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران
عرض التعليقات
تحميل المزيد