بعدما صدّق مجلس صيانة الدستور الإيراني، على تطبيق الاتفاق الشامل لتسوية الملف النووي، الذي توصلت إليه طهران و«السداسية الدولية» في 14 يوليو الماضي، بعد أكثر من 10 سنوات من المفاوضات المضنية، وتوقيع الرئيس الأمريكي باراك أوباما على دخول الاتفاق حيز التنفيذ، أود أن أتناول في مقالي هذا مكاسب الجمهورية الإسلامية من الاتفاق والتي دفعتها إلى القبول به والتصديق عليه.

بداية، رغم أن الاتفاق المبرم يتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية تفتيش ومراقبة بعض المواقع العسكرية الإيرانية، وينص على حتمية إعادة فرض العقوبات على طهران في غضون 65 يومًا إذا أخلّت بأي من بنود الاتفاق، الذي رفع عنها عقوبات اقتصادية دولية أنهكتها طوال الأعوام الماضية، إلا أن الاتفاق ذاته يجيز لإيران مواصلة تخصيب اليورانيوم، وإن كان بنسب محددة.

وأرى أن الاتفاق يزيد من احتمال رفع العقوبات بشكل ملحوظ عن طهران بعد شهر أو شهرين على أبعد تقدير، ولكن من دون منعها بوضوح من اتخاذ الخطوات الضرورية للمحافظة على قدرتها على صنع أسلحة نووية، والتي تمكنها من بذل جهد في الخفاء لتطوير سلاح فعلي مستقبلاً، إضافة إلى أن معايير الاتفاق تترك للجمهورية الإسلامية ثلاثة عناصر أساسية لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب المطلوب لتزويد سلاح نووي بالوقود بشكل سري.

أولاً: تتيح لها تصنيع الوقود النووي: من خلال تعدين وفرز اليورانيوم وتحويله وتخصيبه. ثانيًا: تسمح لها كذلك بصنع أجهزة الطرد المركزي المتطورة والتكنولوجيا المرتبطة بها. ثالثًا: تساعدها على مواصلة أعمال البحث والتطوير وتخزين الوقود وأجهزة الطرد المركزي في مختلف مراحل استخدامها، الأمر الذي قد يدفع طهران من خلال ذلك إلى تحويل المواد والتقنية وطاقم العمل والخبرات إلى أي جهد سري موازٍ آخر.

ما ذكرته آنفًا يُجبر إيران على تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي المطلوبة لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، وهذا ما نصّ عليه فعليًا أحد بنود الاتفاق المبرم، وبهذا تظهر طهران وكأنها ملتزمة بتنفيذ بنود الاتفاق وشروطه، إلا أنها ستستغل هذا الشرط لصالحها، من خلال العمل على إنجاز هذه المهمة ضمن منشأة مطورة أصغر حجمًا، وبالتالي يمكن إخفاؤها بسهولة أكثر.

كثيرون منكم سوف يتساءلون: أين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ذلك وهي المسئولة عن التفتيش بصفة دورية عن أنشطة إيران النووية فيما بعد الاتفاق، وأنها من المؤكد أن تكشف هذه الأنشطة في تقريرها الذي سترفعه في الخامس عشر من ديسمبر المقبل؟

أقول لكم وببساطة شديدة، إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووكالات الاستخبارات الغربية مُجتمعة كانت قد جمعت من قبل قدرًا كبيرًا لا يستهان به من المعلومات التي تؤكد لهم جهود إيران المستمرة في الحصول على سلاح نووي، إلا أن طهران حتى اللحظة لم تُجبهم بشيء يُذكر يثبت لهم صحة المعلومات التي لديهم أو ينفيها، وتكتفي بالتأكيد في كل مرة على أن تحقيقات الوكالة الدولية ووكالات الاستخبارات الغربية تفتقر لأي أسس شرعية، وبالتالي وجب رفضها.

كما أن إيران تعتبر مسألة إخفاء جهودها الرامية إلى التسلّح النووي عن الجميع سوف يحافظ على قدرتها على النجاح في صنع قنبلة نووية مستقبلاً بعيدًا عن أنظار المفتشين الدوليين من مختلف الجهات.

من جانب آخر، علينا أن نعترف بذكاء إيران في العمل طوال الفترة الماضية على إلهاء المجتمع الدولي بملفها النووي، بينما عكفت على تطوير سلاح آخر لا يقل خطورة عن السلاح النووي، حتى أصبحت طهران الدولة التي تملك أكبر ترسانة للصواريخ البالستية الأكثر تطورًا بين الدول التي لا تملك أسلحة نووية، كما أنها تعمل في الوقت الحالي على صنع صواريخ بالستية عابرة للقارات.

ولمن لا يعلم، فإن العمل على صنع وتطوير الصواريخ البالستية الإيرانية تم استثناؤه من المفاوضات التي جرت وتُجرى ما بين طهران و«السداسية الدولية»، وبالتالي فإنه خارج أيضًا عن العقوبات التي فرضها كل من مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة على إيران.

وإذا كانت الولايات المتحدة وشركاؤها يهدفون دائمًا إلى منع الجمهورية الإسلامية من الإبقاء على خيار صنع الأسلحة النووية أو حتى تعزيز فرصه، ودفعها إلى تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم بالكامل وتفكيك معظم بنيتها التحتية النووية، إلا أن الواقع شهد بغير ذلك؛

حيث تنازلت «السداسية الدولية» خلال المفاوضات عن شرط تعليق التخصيب وهدف التفكيك، وعوضًا عن منع إيران من اكتساب القدرة على صنع أسلحة نووية، اكتفى هؤلاء بمنع طهران من بناء سلاح فعلي مع التنازل ضمنيًا عن تمتعها بهذه القدرة، باعتبار أن ذلك سوف يمنع إيران من تجاوز العتبة النووية لفترة عام واحد في منشآتها المعلنة طوال العقد المقبل، من خلال رضوخها الطوعي للقيود المفروضة على أنشطتها النووية، وفي الوقت نفسه زيادة أعمال التفتيش للتأكد من عدم سعيها وراء برنامج موازٍ غير معلن يهدف إلى إنتاج سلاح نووي.

واليوم، بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، من المستحيل أن تعود الولايات المتحدة و«السداسية الدولية» إلى مطالبة إيران بتفكيك بنيتها النووية التحتية أو التوقف، ولو مؤقتًا، عن تخصيب اليورانيوم، ولو قرروا مطالبتها بذلك، فإنه سيؤدي إلى فشل الاتفاق النووي برمته.

وبعدما أصبحت إيران بمعزلٍ عن العقوبات والتهديدات العسكرية، بموجب تنفيذ الاتفاق النووي، أؤكد لكم أن طهران ما زالت تمتلك خيار إنتاج سلاح نووي بشكل سري، فضلاً عن أنها ستصبح دولة على عتبة الحصول على سلاح نووي بشكل صريح ومعترف به فور انتهاء صلاحية القيود المفروضة بموجب الاتفاق الحالي، وهذا ما يزيد من احتمال سعي دول إقليمية أخرى إلى اكتساب قدرات تخولها صنع أسلحة نووية خاصة بها، مثلما فعلت إيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, نووي
عرض التعليقات
تحميل المزيد