مثّل الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى تطورًا تاريخيًّا بارزًا في ميدان العلاقات الدولية، وكسر حدة الدبلوماسية القسرية، وعلى الرغم من أنّ الاتفاق يُلزمُ سلميةَ البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الدولية التي انتهجتها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة، إلّا أنه خلقَ زلزالًا إستراتيجيًّا على المستوى الإقليمي للشرق الأوسط، فقد قُوبِل هذا الاتفاق وما حصل من تغييرات لسياسات الدول الكبرى مع إيران بتنشيط عمل اللوبيات المؤثرة في سياسة الولايات المتحدة.

إذ تُعَدُّ القوانين الأمريكية بمنزلة الأساس بالنسبة للعديد من الدول، ومثلت العقوبات الدولية الأمريكية الجدار العازل لأنشطة إيران الاقتصادية، فقد أدى الكونجرس دورًا أساسيًّا في تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران؛ لتخفيف العقوبات المفروضة على الأخيرة بعد تنفيذها ما يطلب منها كجزء من الاتفاق النووي، لكنْ قوبل هذا الاتفاق بمعارضة رفع العقوبات من بعض أعضاء الكونجرس؛ بسعي منهم لإفشال الصفقة؛ كنتيجة لعدم الثقة في النظام الإيراني، متأثرة بـ«اللوبي المؤيد لإسرائيل» المتمثل باللجنة العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» التي تتمتع بنفوذ مؤثرة لتجنيد القرار الأمريكي لصالح «إسرائيل» لعلاقاتها الوطيدة مع كبار المسؤولين في الولايات المتحدة/ مستخدمة مختلف الآليات والوسائل، كالصحف، والمجلات، والقنوات الفضائية، وكبرى الشركات، لتفرض نفسها كلاعب أساسٍ في السياسة الأمريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ تسعى «أيباك» للسيطرة على مراكز مهمة في مؤسسات صنع القرار الأمريكية، وتجنيدها لخدمة مصالحها ومصالح «الإسرائيليين» داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولا سيما في تحقيق منع أي صفقات بيع لأسلحة نوعية ومتطورة للدول العربية أو عرقلتها، ومنع الولايات المتحدة في الاستمرار في توقيع الاتفاقية النووية، والتي تردد أنها تنفق أكثر من (20) مليون دولار على حملة لمعارضة الاتفاق، لتبقى «إسرائيل» هي الدولة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط.

والجدير بالذكر أنَّ توقيع الاتفاق النووي الإيراني مثَّل انسحابًا تدريجيًّا للولايات المتحدة -حسب وجهة نظر «إسرائيل»- بقبول إملاءات «روسيا».

وحين النظر إلى مقدرة الكونجرس بعرقلة الاتفاق النووي الإيراني سنراه يأخذ صفةً محدودةً للغاية؛ لأنَّ السلطة التنفيذية برئاسة «أوباما» لها القدرة الكبيرة على التنازل، أو تعليق، أو تخفيف العديد من القيود الاقتصادية على إيران؛ وذلك بسبب قوانين العقوبات التي تُعطي الرئيس الأمريكي حق النقض ضد أي جهد من أعضاء الكونجرس المتأثرين «باللوبي الإسرائيلي»؛ لمنع الاستمرار في تنفيذ الاتفاق النووي، وفي هذا الصدد وقعت شركة (بوينغ) اتفاقًا تاريخيًّا مع إيران لبيع طائرات الركاب من طراز (109) بلغ قيمته (20) مليار دولار على الأقل، وبذلك ستكون أكبر صفقة بيع من البضائع الأمريكية إلى إيران منذ الاستيلاء على السفارة الأمريكية عام 1979، وتمثل بيع (بوينغ) علامة تطوّر عمليّ مربح بالنسبة للولايات المتحدة لكنْ ما تزال هذه الصفقة تُجابَه بأجواء مضطربة ومعارضة؛ كونها تطور العلاقة مع إيران.

بعد انتهاء الصفقة النووية الإيرانية قبل عام من اليوم، كانت إدارة «أوباما» تأمل أن يؤدي هذا الاتفاق إلى مزيدٍ من التعاون مع إيران لحلحلة الأزمات الإقليمية، ولا سيما في سوريا والعراق، إلّا أن لدى واشنطن نصيبها من منتقدي الصفقة لتجريد إدارة «أوباما» من النجاحات الدبلوماسية التي حققها، فبمنع «أوباما» تصويت الكونجرس لمنع بيع طائرات (بوينغ) -على الرغم من الفوائد الاقتصادية التي تتحقق من هذه الصفقة لإعطاء هذه الأنواع من الطائرات للنظام الإيراني- سيصبح الرئيس الأمريكي مدينًا لإيران، إذ تعهّد البيت الأبيض باستخدام حق النقض ضدَّ أي تشريع يعرقل بيع طائرات (بوينغ)؛ لكن المعارضين في الكونجرس منعوا أي تعامل مع إيران، واقترحوا مجموعة من التشريعات لجعل الاتفاق أكثر صعوبة بالنسبة لإدارة «أوباما» للوفاء بالتزاماته؛ وحاول الكونجرس أيضًا عرقلة الصفقة الثانية لإيران في يناير/ كانون الثاني عام 2015 مع شركة إيرباص الأوروبية بقيمة (27) مليار دولار بذريعة أنّ هذه الطائرات لديها أجزاء أمريكية، وكردٍّ على الاعتراض الأمريكي وصفت المحللة في مركز (نيو أميريكان سيكيوريتي) «إليزابيث روزنبرغ» جهود الكونجرس «بـاللعبة السياسية»، واعتبرتها وسيلة لبعض المعترضين أنَّ ينتقدوا الاتفاق بعد مضي عام واحد، فضلًا عن التأثير في الإدارة القادمة لإيران بنحوٍ، وهذا الاتفاق بنحوٍ خاصٍّ[1].

أشاد الرئيس «أوباما» بالدبلوماسية المبدئية لوقف انتشار الأسلحة النووية؛ وقال: «ما يزال لدينا خلافات خطيرة مع إيران، ولكنَّ الولايات المتحدة وشركاءَها في العالم أصبحوا أكثر أمنًا بعد هذه الاتفاقية المشتركة»، وقد أنتجت هذه الاتفاقية القدرة على إنشاء برنامج نووي سلمي مع إيران، فضلًا عن تواصل الضغط من قبل أوباما ومؤيديه للموافقة على توقيع صفقة طائرات بوينغ رسميًّا خلال الأشهر الأخيرة لرئاسة «أوباما».

مع اقتراب نهاية فترة حكم «أوباما» تتعالى تصريحات المرشحينِ للرئاسة «هيلاري كلينتون» عن الحزب الديمقراطي، و«دونالد ترامب» مرشح الحزب الجمهوري، إذا قالت «هيلاري» في كلمة خلال مؤتمر سياسي للجنة الشؤون العامة الأمريكية- الإسرائيلية «أيباك»: «إن الاستفزازات الإيرانية، مثل التجارب الصاروخية الباليستية الأخيرة، غير مقبول ويجب أن تكون الإجابة بحزم وبسرعة، بما في ذلك فرض مزيدٍ من العقوبات»، وتابعت بالقول: «إن الولايات المتحدة يجب أن تستمر بفرض العقوبات الحالية، وفرض عقوبات إضافية حسب الحاجة على إيران».

أما «دونالد ترامب» الذي تحدث خلال مؤتمر سياسي في «أيباك» أيضًا فقد ذهب أبعد مما ذهبت إليه «هيلاري»، حيث كان طلبه تفكيك الصفقة التي أسماها (بالكارثية) مع إيران، وقال «ترامب»: «اسمحوا لي أن أقول لكم: إن هذه الصفقة هي كارثة لأمريكا، وإسرائيل، وللشرق الأوسط كله»[2].

على الرغم من أقوال بعض ممن يوجد داخل الكيان السياسي الإيراني، بأنَّ الاتفاقية النووية لم تحدث التغيُّرات التي تتناسب مع حجم التنازلات بعد توقيع الاتفاق النووي، ورفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها، إلّا أنّ معاودة إيران رفع إنتاجها من النفط الخام، وإرجاع الصادرات إلى المستويات التي كانت تتمتع بها في عام 2012، فإن ذلك يثبت عكس ما قيل من المعارضيين، وبحسب ما تشير إليه توقعات شركة استشارات النفط والغاز النرويجية «رايستاد إنرجي» فإن إنتاج النفط الإيراني سيشهد نموًّا ملحوظًا بنسبة تزيد على 20% خلال عام 2017 بالمقارنة مع 2015، وسيكون هذا المعدل من النمو هو الأسرع في عشر سنوات، في الوقت الذي تؤكد فيه طهران أنها تستهدف العودة إلى مستويات ما قبل تفعيل العقوبات بمعدل إنتاج سيبلغ (3.4) مليون برميل في العام القادم، مرتفعًا عن إنتاج 2015 الذي كان يبلغ (2.8) مليون برميل في 2015، وعلى الرغم من التصريحات الرسمية المتواصلة من جانب طهران بضرورة رفع الإنتاج لما قبل عام 2012 «أي أعلى من 3.7 مليون برميل يوميًّا وكما موضح في الشكل رقم (1) في أدناه»، إلا أن الشكوك تقلص من إمكانية تحقيق ذلك على أرض الواقع؛ إذ ترى «رايستاد إنرجي» أن ضعف البنية التحتية، وتجهيزات للحقول، وجذب المستثمرين تحول دون تحقيق ذلك الهدف، إذ سيكون نمو الإنتاج هامشيًّا أو ضعيفًا حتى عام 2025[3].

 

 

 

مستويات النفط

شكل رقم (1): يوضح مستويات إنتاج النفط الخام في إيران

أما من الجانب التجاري؛ فقد فتحت إيران بعد رفع العقوبات نحو (300) حساب في أكثر من بنك من البنوك الأجنبية؛ بغية النهوض بجميع الأعمال التجارية، كون الاقتصاد الإيراني يأتي بعد الاقتصاد السعودي مباشرة في المنطقة، ويضعنه البنك الدولي في المرتبة (18) عالميًّا، وعلى الرغم من هذا كله إلّا أن اقتصاد إيران يواجه تحديات كبرى في أعقاب خروجه من الحظر، فبحسب دراسة لكلية «واتون» للأعمال التجارية بمدينة فيلاديلفيا الأمريكية، فإن الاقتصاد الإيراني يعاني من ارتفاع بحجم البطالة التي تصل إلى 17.0% بين الشباب، و39% بين الفتيات؛ مما يجعل الحكومة الإيرانية تواجه تحديًا آخر يكمن في خلق (8.5) وظيفة خلال العامين المقبلين لتقليل حجم هذه البطالة[4].

إنَّ مستويات تطور الاقتصاد الإيراني ضئيلة جدًّا، ولا تتناسب وحجم الصفقة التي وُقِّعَت دون تحقيق النمو الاقتصادي الموعود؛ وهذا بدوره سيكون خطرًا سياسيًّا كبيرًا يفقد نفوذ الحكومة الحالية في إيران ومستقبلهم في الصمود؛ والحقيقة إن المحافظين كانوا ينتظرون إخفاق رهان الرئيس «حسن روحاني» على التوصل إلى اتفاق مع الغرب حول الملف النووي، بسبب فرض مزيد من الضغوط عليه، لمنعه من فتح عدد من الملفات السياسية المهمة، على رأسها رفع الإقامة الجبرية عن كل من (مير حسين موسوي) و(مهدي كروبي)، وتوسيع هامش الحريات السياسية، وإجراء مصالحة وطنية بإعادة بعض القوى التي كانت منتمية للتيار الإصلاحي.

وبحسب وصف بعض المراقبين للاتفاق النووي؛ فإن وجود الإصلاحيين والمحافظين لا يؤثر بنحوٍ كبير مقارنةً بتيار المرشد الأعلى الذي يتخطى هذين التيارين معللين ذلك بتصريحاته بشأن الاتفاق النووي التي عدوها هو بمنزلة الاستهلاك المحلي، كونه يتظاهر بالتشدُّد ضد أمريكا؛ إذ إن ما موجود على أرض الواقع يبيّن خلاف ذلك؛ كون المرشد الأعلى قد بارك الاتفاق النووي، إلّا أنه وبحكم مكانته يعمل على عدم كسب أي جناح في السلطة أو خارجها ويجعله بمنزلة التحدي له.

وعلى الرغم من الآمال الكبيرة التي يعلقها المستثمرون الأجانب على إيران، إلا أن هذه الشركات تنظر إلى أنَّ الأعمال التجارية مع إيران تمثل حالة أخطر من العقوبات؛ وذلك لأن الشغل الشاغل لأية شركة في التفكير بفرص الاستثمار تكون تحت بند الاتفاقية المشتركة، ونجاح هذه الشركات مرتبط بإستراتيجية إدارة المخاطر كمخاطر السمعة لشركات قطاع الأعمال في الولايات المتحدة وأوروبا، وأخرى في منطقة الشرق الأوسط، حيث ما تزال تسيطر في إيران شركات مسيسة للغاية وحساسة، مثل: سيطرة «الحرس الثوري» على معظم اقتصادها في كل المجالات تقريبًا، بدايةً من النفط والغاز، وحتى البنى التحتية والإنشاءات والطرق والاتصالات وغيرها؛ فضلًا عن الرفض المتكرر لمسؤولين الإيرانيين الكشف عن المعلومات الاقتصادية الخاصة بالحرس الثوري التي تشكل أرباحهم ما يقارب (12) مليار دولار، أي: ما تمثل سدس الناتج الإجمالي المحلي لإيران؛ بسبب سيطرتهم على معظم قطاعات الأعمال وحصولهم على عقودٍ ضخمة دون مناقصات[5]، ولا سيما في قطاعات مهمّة كالقطاعات النفطية، وهذا يخالف توجهات الشركات المستثمرة التي تطلب تحديد إدارة أصحاب الهياكل الملكية الخفية للشركات الإيرانية من أجل الحد من تأثير في قيمة حقوق المساهمين؛ وهذا كله يدخل ضمن منظور السمعة والامتثال لتعزيز العناية الواجبة لهوية المستفيدين النهائيين لشركاء العمل الإيرانيين من أجل فهم ما إذا كان هناك ارتباط بين هذه الكيانات للأفراد؛ أو الشركات؛ وحتى المعرضين سياسيًّا لحركة الاستثمار؛ وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد اتهمت شركة النفط الوطنية في إيران بأنها ستار للحرس الثوري الإيراني، مُدلَّلةً على ذلك باختيار «رستم قاسمي» وزيرًا للنفط في إيران عام 2011، وهو أحد القادة والكوادر السابقين في «الحرس الثوري»، وبالطبع كان هذا قبل الاتفاق النووي[6].

على الرغم من الإقرار بالانفتاح الضئيل في المجال النفطي الإيراني إلّا أن خبراء في مجال الطاقة من ضمنهم (سارة فكشوري) قالت: إنه ومنذ «رفع بالعقوبات، لم تستكمل إيران أنظمتها الاستثمارية»، وألقت (سارة) اللوم على التنافس بين الجماعات السياسية الإيرانية، وعدم وجود قيادة بشأن السياسة الاقتصادية والصناعية[7].

بَذلَ المعسكرُ المناهض لإيران كثيرًا من الجهود لزيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني المقاوم الذي لا يحتمل مزيدًا من الضغوط، إذ إنه مع كل إعاقة جديدة على إيران من شأنها إضعاف أسس الاتفاق، وبالتالي تآكله.

إن معارضة المحافظين في إيران واللوبيات المؤثرة في سياسة الولايات المتحدة للاتفاق النووي كلّ حسب موقفه، سيعطي فرصة كبيرة للإصلاحيين بقيادة الرئيس الحالي لإيران «حسن روحاني» لاستغلال هذا الاتفاق إذ إن الإصلاحيين سيحصلون على الدعم من الجمهور بفتح الملفات الداخلية الشائكة، وتحقيق وعودهم الانتخابية بضرب المحافظين المتشددين؛ لأن للاتفاق النووي تداعياتٍ سياسيةً وأخرى اقتصاديةً مباشرة وغير مباشرة، فعلى المستوى الدولي والإقليمي يعيدُ الاتفاقُ لإيرانَ أنْ تكون قطبيةً ثنائيةً في الشرق الأوسط، وتوازن القوى أمام السعودية، ومواجهة حقيقية أمام «إسرائيل»؛ كون إيران تعد داعمة ومموّلةً لبعض الحركات الإسلامية، فضلًا عن ظهروها كلاعب أساسيٍّ في سوق النفط العالمية.

على الرغم من التسهيلات التي قدمتها إدارة الرئيس «أوباما» لإيران إلّا أنها لم تحقّق أدنى حدٍ مما تدّعيه مِن نهضة اقتصادية، ولا يبدو أن حالها في المستقبل القريب سيكون أفضلَ مع «هيلاري كلينتون» المتعارضة مع سياسة «أوباما»، فكيف سيكون الحال مع «ترامب»؟ إن مما تجدر الإشارة إليه هو أنّ التغيير بات ضرورةً حتميةً في إيران، في ظل ما يشهده الوضع الداخلي فيها مِن أزمات وتوترات بين حزبي الإصلاحيين، والمحافظين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد