توصلت إيران ومجموعة (5+1) وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية في إطار المُفاوضات التي عُقدت في لوزان السويسرية مطلع أبريل 2014 إلى المعايير الأولية لاتفاق شامل بشأن البرنامج النووي الإيراني، ذلك الاتفاق الذي تم انتظاره لمدة 13 عامًا من المُفاوضات بين إيران والقوى الغربية من أجل منعها من الحصول على أسلحة نووية، أو بالأحرى وصولها إلى مرحلة صنع القنبلة النووية, وهذا ما يزعج أمريكا بشدة من أن تكون هناك دولة صغيرة مثل إيران تهدد مصالحها أو مصالح حلفائها.

 

وتتمثل أهم نتائج تلك المُفاوضات في التوصل إلى اتفاق يقضى بمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية في مُقابل رفع العقوبات التي عانت منها الدولة والشعب الإيراني كثيرًا.

 

وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته القوى الغربية في المُفاوضات مع إيران, إلا أن هناك العديد من الشكوك المُثارة بشأن مدى التزام طهران ببنود الاتفاق, وبالنظر إلى الخبرة الدولية في المُفاوضات مع طهران يتضح أنها كثيرًا ما تلجأ إلى كسب المزيد من الوقت من أجل اتباع سياسة المراوغة وتحقيق أهدافها بالنهاية. وفي هذا الإطار توجد مجموعة من الدوافع الإيرانية والأمريكية لعقد مثل هذا الاتفاق وسوف نعرض لها على النحو التالي:

 

 

أولاً: الدوافع الإيرانية.

  • مُحاولة الخروج من حالة الركود الاقتصادي والعقوبات التي أرهقت الاقتصاد وأدت إلى زيادة عجز الميزانية وانخفاض قيمة العملة وارتفاع معدلات البطالة.
  • رفع العقوبات سوف يتيح لها استعادة معدل صادراتها الطبيعية للنفط والغاز, إلى جانب تدفق الاستثمارات الأجنبية واندماجها في الاقتصاد العالمي.
  • الاتفاق لا يمنع امتلاك طهران للتكنولوجيا النووية حتى مع تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي وتحويل مفاعلاتها الشهيرة مثل ناتانز وأراك للمياه الثقيلة إلى مراكز أبحاث, ومن هنا نلاحظ أن اتفاق الإطار لن يقضي على البرنامج النووي الإيراني تمامًا, حيث يمكنها أن تستأنف العمل فيه مرة أخرى بعد انتهاء المدة التي حددها الاتفاق، ولكن لا يمكننا أن نعرف ماذا يكون موقف الدول الغربية آنذاك؟ وما نية إيران في التعامل بشأن هذه القضية؟ هل ستخترق الاتفاق وتكمله بعيدًا عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟! أم أنها ستلتزم ببنوده.
  • الإفراج عن الأموال المجمدة في الخارج والتي تُقارب ال 155 مليار دولار.
  • انتزاع دور إيراني في المنطقة من خلال وجود ساحة واسعة للسياسة الإيرانية تشمل مناطق مثل سوريا, لبنان, العراق, اليمن والخليج العربي وهذا بدوره من شأنه أن يحد من الدور التركي في المنطقة.

 

 

ثانيًا: الدوافع الأمريكية.

  • محاولة الاستفادة من وقف الصعود الإيراني نحو إنتاج القنبلة النووية كما أنها مُستفيدة اقتصاديًا من استئناف الصادرات النفطية والاستثمارات الإيرانية.
  • يوفر التقارب بالنسبة لواشنطن مُحاولة لمواجهة المد السُني, حيث يمكن الاعتماد على إيران كأداة أساسية في هذا الإطار بعدما ثبت عجز الولايات المتحدة عن مواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش), وشكلت تجارب عديدة مثل العراق وأفغانستان مؤشرًا على إمكانية تحقيق تفاهمات بين الطرفين توفر للولايات المتحدة مزيدًا من الاستقرار لمصالحها في الشرق الأوسط.
  • رغبة واشنطن في قطع الطريق على إيران من الانضمام إلى الجناح الروسي الصيني الذى يُعد بمثابة المُهدد الأكبر للمصالح الأمريكية في المنطقة، إلى جانب أن إيران تعد من أهم الفواعل الرئيسية في حل الملف السوري وغيره من الملفات العربية.

 

 

يمكن تفسير قرار أوباما بإبرام مثل هذا الاتفاق من خلال العودة إلى بداية توليه منصب الرئاسة للولايات المتحدة الأمريكية منذ كان مُرشح الحزب الديمقراطي عام 2008,

 

حيث كانت فكرة الحوار مع إيران إحدى العناصر اللافتة للسياسة الخارجية لأوباما, فلقد أرسل أوباما إلى طهران مبعوثـًا شخصيًا وهو الدبلوماسي المُخضرم “ويليام ميللر” سفير سابق لواشنطن في أوكرانيا والدبلوماسي في السفارة الأمريكية في طهران في الفترة من (1959 – 1946 ) وكان العنوان العريض للرسالة “إذا ما انتُخبت رئيسًا لأمريكا فسيكون فتح صفحة جديدة في العلاقات بين واشنطن وطهران ضمن أولوياتي”

 

وبالفعل بدأ أوباما في تنفيذ ذلك وهو ما أكده للباحث الأمريكي “توماس فريدمان” متجسدًا فيما أطلق عليه الأخير “مبدأ أوباما” وظهر ذلك حينما سأله فريدمان عما إذا كان هناك قاسم مشترك بين قراره بالتخلي عن السياسات الأمريكية القديمة التي كانت تفرض العزلة على بورما وكوبا ثم إيران, والسياسات الجديدة التي تؤكد ضرورة رفع العقوبات المفروضة على هذه الدول الثلاث, فكان رد أوباما كالتالي “إن سياسة الانخراط يمكنها إلى جانب تلبية الاحتياجات الاستراتيجية الأمريكية الجوهرية أن تخدم المصالح الأمريكية في هذه البلدان الثلاثة أفضل بكثير من عقوبات وعزلة لا نهاية لهم”.

 

 

ثالثاً: مُستقبل الاتفاق.

وفي هذا الإطار يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات واضحة لمستقبل الاتفاق وهي كالتالي:

 

  • السيناريو الأول: حدوث التزام كلي من قبل إيران بالاتفاق؛ ومما يدعم هذا السيناريو وجود مجموعة من العقوبات الأبدية المفروضة على طهران بعد انتهاء ال15 عام مدة الاتفاق, إلى جانب أنه على الرغم من أن فترة الاتفاق تعد فترة قصيرة في حد ذاتها إلا أنها تعد فترة كاشفة لعمل إيران بالبرنامج النووي. علاوة على حق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تفتيش جميع المنشآت النووية الإيرانية إلى جانب حقها في طلب زيارة إلى أي موقع تشتبه فيه, ومن المفترض أن تتم هذه الزيارة خلال 24 يومًا.

 

وتعد فكرة العودة السريعة إلى العقوبات خلال 65 يوم في حال اكتشاف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود أية انتهاكات بشأن البرنامج النووي بمثابة قوة ردع توجه إيران دائمًا إلى الالتزام، إلى جانب وجود عدد لابأس به من المُحفزات التي تدفع إيران إلى الالتزام وهي أنه لم يتم القضاء على البرنامج النووي كليةً بل إن المنشآت النووية ستستمر في العمل ولن يتم التخلص من أي منها, وستواصل أبحاثها وتطوير أجهزة الطرد المركزي ولكن بصورة سلمية, علاوة على الفكرة الأبرز وهي مجرد الاعتراف بإيران كدولة نووية من قبل القوى الكبرى في العالم.

 

وما يؤكد التزام إيران هو تصريح الرئيس حسن روحاني على التلفزيون الإيراني “أن الشعب الإيراني معروف عنه الالتزام بوعوده, ولكن إذا التزم الطرف الآخر مؤكدًا أنه يمكن للاتفاق النووي أن يشكل أرضية لبناء الثقة بين الطرفين”.

 

  • السيناريو الثاني: يفترض هذا السيناريو الالتزام الظاهري والمراوغة الخفية المعروفة تاريخيًا عن الدولة الإيرانية, وذلك ما سيحدث أيضًا في تطبيق بنود اتفاق الإطار، وهذا ما تم بالفعل في حالة فرض العقوبات عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي اكتشفت الأخيرة بعد ذلك أنها اصبحت عديمة الفائدة، ومن هذا المنطلق استطاعت طهران بالفعل تخطي خرق العقوبات عن طريق بحثها عن الطرق غير الشرعية لتلبية احتياجاتها, إلى الدرجة التي وصلت بهم إلى حد وصف البعض بأن العقوبات كانت بمثابة نفع بالنسبة لهم؛ لأنهم تعلموا منها كيفية إدارة الأزمات وأصبحت إيران دولة صناعية، وإن كانت صناعاتها ليست بنفس التقنية الأوربية أو الأمريكية، ولكن يحسب لها أنها لم تقف عاجزة أمام تلبية احتياجات مواطنيها.

 

  • السيناريو الثالث: يفترض هذا السيناريو عدم الالتزام من جانب إيران باتفاق الإطار؛ ولقد بدأت مؤشرات احتمالية عدم الالتزام منذ أن أعلن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “على خامنئي” عن موقفه من الاتفاق النووي بقوله “إن عقد الاتفاق لا يعني فتح علاقات واسعة مع الأمريكان, فأمريكا ستعد هي العدو الأول لنا” وهذا ما أكده شريعت مدارى محرر صحيفة كهيان.

 

برزت المعارضة للاتفاق النووي من جانب قوى المحافظين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ويمكن من خلال ذلك إيضاح معارضة كل طرف على حدة وذلك على النحو التالي:

 

أولاً: المحافظون في إيران

يرفض المحافظون الاتفاق؛ لأنه يعد بمثابة تهديد كبير لمصالحهم الاقتصادية؛ لأن حالة فرض العقوبات وفرت لهم كثيرًا من الطرق غير المشروعة التي يستطيعون بمقتضاها توفير احتياجاتهم, وأيضًا عدم رضائهم عن تخفيض مستوى التخصيب. وتعليق البرنامج النووي. علاوة على وجود حالة من اللبس والغموض بشأن بنود الاتفاق بين الشعب الأمريكي والشعب الإيراني؛ حيث يدعى الإيرانيون أن هناك كثيرًا من الخطوط الحمراء التي تم تجاوزها بخصوص البرنامج, ووجود كثير من الشكوك حول إمكانية التزام القوى الغربية بعدم الرجوع مرة أخرى إلى سياسة فرض العقوبات.

 

ثانيًا: الجمهوريون في الولايات المتحدة الأمريكية

أما بشأن الجمهوريين فإنهم أيضًا يعارضون الاتفاق بسبب عدم ثقتهم في وعود الإيرانيين, علاوة على ضغوط اللوبي الصهيوني على الكونجرس الذى أصبح غالبيته من الجمهوريين. وكانت أبرز أسباب معارضتهم أن الدولة الإيرانية كانت ولا تزال من أبرز الدول الداعمة للإرهاب في الشرق الأوسط, فعندما تُرفع العقوبات سوف يزداد معدل التصدير والنمو وبالتالي يزداد دعمها للإرهاب, وفي هذا الإطار تم تشكيل حركة تابعة للكونجرس الأمريكي لمناهضة توقيع اتفاق الإطار مع إيران بعنوان

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد