يُعدّ اتفاق إيران مع الاتحاد الأوروبي من أهم الاتفاقات الدولية الموقعة هذا القرن. وهو حصيلةٌ لجهودٍ دبلوماسية استهدفت إيقاف طموح البرنامج النووي الإيراني ووضعه قيد المراقبة، امتدت اثنتي عشرة سنة. آلت إلى مفاوضات شبه مستمرة استغرقت ثمانية عشر شهرًا، انتهت إلى مفاوضات ماراثونية على مدار الساعة في لوزان استغرقت أسبوعًا كاملًا، من أجل نزع فتيل حربٍ وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.

يريد ترامب اليوم إعادة العالم إلى المربع الأول. ليس بسبب حصول خرقٍ للاتفاق بل على العكس، إذ شهد المراقبون أن إيران تتقيد ببنوده حرفيًا، وهو ما يدلّ على أنه يُؤتي أُكُله، إنما لأنه يشعر أن الاتفاق كان سيئًا.

ولكن السؤال هو سيءٌ لمن؟ لمن المصلحة في إبقاء التوتر مؤجّجًا في المنطقة؟ وفي إبقاء العقوبات والحظر التجاري على إيران وعلى كلّ شركة تخرق تعليماته معها حتى لو كانت صينية؟

أهو سيّءٌ بالنسبة للولايات المتحدة؟ لا، بل يعدّ بعضهم أنها أكبر الخاسرين بعد إيران نفسها، بسبب خسارة عقود طائرات البوينغ التي تصل قيمتها إلى عشرين مليار دولار ومعها مائة ألف فرصة عمل، عدا عن معاقبة الشركات الأمريكية التي تتحدّى الحظر. أهو سيّء لأيّة دولةٍ حريصة على مصالحها في العالم الذي أضحى قريةً صغيرة من تداخل الأنشطة فيه ببعضها؟ بالطبع لا.

هو سيءٌ فقط لمن يبحث عن ذريعةٍ لتأجيج المنطقة وحرق أهلها بيد بعضهم بعضًا، لإبعادهم عن التفكير بأنفسهم وبكيان إسرائيل الغاصب. علمًا أن البديل الوحيد للاتفاق هو تمادي إيران في نشاطها النووي دون رقيب.

ربما كان السيّء في الموضوع بالنسبة لترامب هو ألا تقوم حربٌ جديدة في المنطقة، فتخسر الولايات المتحدة تجربة أحدث ما لديها من وسائل الحروب الحديثة، على أيدي حلف الجزيرة الجديد القائم بين: إسرائيل والسعودية والإمارات وهي من ورائهم، الحلف الذي دفع ابن سلمان من أجل إقامته الغالي والنفيس لكي يصبح شرطي المنطقة الجديد وذراع الولايات المتحدة، خلفًا لشاه إيران الذي بقيت المنطقة من بعده دون شرطيٍّ يسهر على حماية أمنها!

وقد كتبت في هذا الصدد: موسم الحج إلى ترامب

ما يضحكني هو أن يعرب زعماء العالم قاطبةً عن انزعاجهم من انسحاب ترامب من الاتفاق التاريخي الذي نزع من إيران قدرتها النووي. فيما لا يعرب عن ترحيبها به سوى أذناب أمريكا في المنطقة العربية أسوةً بإسرائيل المستفيدة الأولى من عزل إيران.

ها قد فعلها ترامب وانسحب من هذا الاتفاق أيضًا دون مبرر، كما انسحب من اتفاقية المناخ من قبل. ترى أي خزيٍ جديد سيضيفه إلى سلسلة مخازيه ابتداءً من تسنّمه الرئاسة في تواطئٍ مع الروس بدأت تتضح خيوطه، مرورًا بالفضائح الجنسية التي تلاحقة، وباستقالات كبار مسؤوليه أو إقالتهم بما لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة، وانتهاءً بشهادة كبار الشخصيات عن عدم اتزانه عقليًا فضلًا عن أهليته للقيام بأعباء رئاسة دولة عظمى. ويكأنّي به يرى في كل مهزلةٍ جديدة انتصارًا لـ«عبقريته» التي يحسده عليها الآخرون!

أتساءل: ماذا لو اضطرت إيران إلى الانسحاب من الاتفاق إذ لم يعد لها ما يبرر الخضوع لبنوده، فعاودت نشاطها النووي بمستويات تعادل تلك التي كانت قبل الاتفاق أو تزيد عليها؟ وماذا لو تراكمت الاتهامات التي يتعرّض لها ترامب داخل الولايات المتحدة وأفضت إلى عزله، ترى ما سيكون موقف دول الخليج التي دعمت حماقته الأخيرة؟ هل ستواصل التذلل للرئيس البديل وهو يحاول جاهدًا العودة عن حماقات سلفه؟ أغلب ظني أنها ستتبرّع مجدّدًا بمئات المليارات من مواردها، مقابل حمايتها من الفزاعة النووية التي أطلقوا للتوّ عنانها.

لا يقول لي قائل بعد اليوم خليجٌ عربي، هو خليج ذو شاطئين: فارسي وعبري.

وكتبت أيضًا: حصل بعد مائتي سنة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد