السؤال «الغبي» الذي يرمي به في وجوهنا، كل من كان له مغزى سياسي، أو اقتصادي، أو انتهازي، يتلخص في التالي: أيهما أكثر إجرامًا، إيران أم إسرائيل؟

ثم تبدأ الإجابات، وتتكاثف الرؤية الإقليمية في الإجابات التي لا تقول شيئًا، وإنما في حقيقتها استجابة خفية للرؤية السالفة:

إيران أشد إجرامًا من إسرائيل!

بهذه الإجابة المبتسرة المتعجلة كان الحكم، لأن هذا الذي أجاب ينظر إلى الواقع لا إلى الخلفية التاريخية والأخلاقية، فضلًا عن المشتركات، وعدم المشتركات، بالإضافة إلى توجه المنطقة وما يردده الإعلام، وبعض الحُكام.

في رأيي إن الإجابة الواحدة ليست إجابة، وإن المعيار الواحد ليس معيارًا، أو بتعبير ماركيز: «انتهى زمن السبب الواحد». الصواب ليس في الواقع ومجرياته فحسب، لأن هذه المجريات تحمل أبعادًا سياسية لها دوافعها وأسبابها، منطقية كانت أو غير منطقية، ولكن الصواب في كل ما دون الواقع، أو فلنقل خلفياته، لأن تلكم الخلفية تستطيع إخبارنا وبشكلٍ جليٍّ عن مجريات الواقع، أفضل من الواقع ذاته.

الإشكال أن لغة الواقع أكثر فصاحة من خلفيته، بحسب تفاعل الغالبية مع الأسف، لكون الصور هي الأساس الحاكم على الذهنية، كما أن الاستقطابات نوع من أنواع الواقعية السياسية الدافعة في اتجاه واحد، ولعل الواقعية في الأدب أكثر ذكاءً لو أخذنا بزمامها؛ إذ هي لا تعني سرد ما وقع فعلًا، بل ما يمكن أن يقع.

إن الآلام الآنية الناتجة من السياسة، تطيش بها الآراء حتى لا يكاد يفكر أهلها فيما قالوا، وهذا حقهم، ولكن العدل قضية سياسية بتعبير أرِسطو، ولا عدل في السياسة بالضرورة، وما نبحث عنه هو الاعتدال في الآراء، لا التمخض النابع عن الاستقطابات الحادة، أو آلام الآخر التي نكتنفها كآلامنا حين ندبج رأينا السياسي زورًا وبهتانًا.

يُقال إن أشكل المشكلات توضيح الواضحات، وفي رأيي أنها أفضح الفاضحات لا أشكلها، فإيران القائمة على جرائمها، المتوسعة على أنهارٍ من الدماء العربية، هي ذاتها إسرائيل الغارقة في النهر ذاته، بيد أن الأخيرة تعمل في إطار ديني بحت، مع طفرة سياسية دافقة بغية تحقيق هدفها، في الوقت التي تتمدد حضاريًّا في الخارطة الإدراكية العربية بتعبير المسيري، كما لو أنها كائن حقيقي، يمكن التعايش معه، ومد يدي الإخاء الإنساني والديني، معتقدين أن هذه إسرائيل هي ذاتها بنت التوراة والنصوص القرآنية، وعلينا أن نتعامل معها من هذا المنظور الديني، كما لو أنها جزء لا يتجزأ من المنظومة الدينية، والحقُّ أن إسرائيل هذه هي النسخة الرديئة من إسرائيل التوراتية، الموافقة لكل نصوصٍ قرآنية ذامة ومدمدمة.

بينما الأولى تنطلق من منظور سياسي بحت، يرافقها حلمٌ فارسيٌ فخم، ورغبتها إحكام المنطقة العربية تحت ذراعيها، وأذرعها، ويبقى المد الشيعي والطائفي عاملًا من عوامل الحركة لتحقيق الغرض السياسي والإمبراطوري، والعامل هذا هو وقودها الأصيل في معاركها، كما هو وقود أذرعها في المنطقة، ولكنه ليس الأصل وليس الغاية في المسألة الإيرانية.

نجد أن الجرائم المنبثة هنا وهناك كنظرةٍ أولية جرائم إيرانية بامتياز، وهذه الجرائم في اتفاق تام وجرائم إسرائيل، مع اختلاف الخاص الفلسطيني، والعام العربي، مع الأخذ بعين الاعتبار العداوة الحقيقية بين إيران وإسرائيل، نظرًا إلى عامل الردع الذي تسعى إليه إيران، ونتحدث هنا عن القنابل النووية، في خضم رقعة جغرافية واحدة تجمعها مع إسرائيل.

لا بأس أن نسير في خلفية الجرائم الإيرانية سير السياسي الإيراني، سنجد ما أشرنا إليه آنفًا، مع «معطيات» سياسية ومخاوف إنسانية، فالأقلية في مدلولها النفسي تسعى في سبيل التوسع خشية من توسع الآخر في سبيلها، حتى يضيق بها، ومن المعلوم أن الظنون السائدة بين السنة والشيعة متعلقة ومعتركة في جلباب الخشية من تغول النقيض على النقيض، حتى وإن لم تكن الحرب في حقيقتها تهدف إلى توسيع الرواق الشيعي أو الرواق السني، ولكن ذلك يبقى سببًا داخليًّا وهاجسًا كامنًا، وأحيانًا يصير حجة يُحتج بها أمام النفس خوفًا من احتجاج النفس بالتقصير حيالها، خشية استئصال شأفتها.

إذا ما نظرنا إلى القرآن والسنة النبوية والتاريخ القريب منه والبعيد لن نجد مماجد إسرائيل وممادحها، أو التعويل على الشراكة السياسية أو التدابير الاقتصادية معها، بل العكس تمامًا بتمام، فما الحافز إذن إلى تهذيبها وكلها شوائب؟

يدرك السياسي العربي الذليل أن رضا واشنطن يبدأ من رضا إسرائيل، فيسهم في التقارب جهلًا أو علمًا، لغاية الحلم الأمريكي العامل على هدوء نومه، القادر على خلق كوابيسه.

بالنظر إلى إيران فالمشتركات كثيرة، دينية، وسياسية، وجغرافية، وتاريخية، ولكن هذا لا يعني أن صواب النسب صوابٌ للعمل، بل قد يعني العكس، ولكن الحقّ يُقال إن ثمَّة بوادر كامنة ومتحركة في النسق العربي والإيراني، يمكن الإقلاع بها إقلاعًا مسؤولًا نحو إحياء المشتركات ومدها، وتكثيفها، خاصة وأن ذلك الأمريكي يعمل على عداوة إيران وصداقتها في آن، وصداقته لغاية تفتيت المفتت وتقسيم المقسم، وعداوته لها لإرضاء دول الخليج وحلب أموالها وثرواتها؛ إذ التقسيم والتفتيت حتمية أمريكية للمنطقة، وقد نشرت وزارة الخارجية الأمريكية في سنوات سابقة مخططًا متكاملًا لكافة الدول العربية، جرى حذفه من موقعها في فترة قصيرة من يوم النشر.

ماذا أود أن أقول؟

الإجابات التي لا تقف عند حد، هي إجابات لا تجيب عن سؤالٍ واحد، وإنما عن سيلٍ من الأسئلة، والسؤال المطروح والمتكرر ليس له إجابة واحدة، ولا حتى إجابات متعددة قاطعة، حيث لا قطع في إجابات، ولا منطقية في ذلكم السؤال الواحد، ما لم يُقل الكثير، ولا يُقال شيء، ولنا أن ندرك أن هذا السؤال وأشباهه ليس سؤالًا بريئًا، إنه إجابة كاملة يريدها السياسي العربي أكثر منه سؤال مُقفل.

من المهم الإشارة إلى إن إسرائيل التي نراها في قبوها العنصري، ممتدة فكرًا، وحضارةً في أذهاننا، وعلى أجسادنا سيكون احتلالها.

السؤال: من يجرؤ على مشاهدة الواقع ثم يقول جازمًا إن الدول العربية ليست كفلسطين، وإن كان ذلك بالقليل من الدم، والكثير من الخيانة، والرخص، إزاء الذبح الإيراني الذي لا يتوقف نزيفه عن عروقنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد