يبدو أن الآمال الاقتصادية التي علقها الإيرانيون على الاتفاق النووي جاءت مخيبة، فالأزمات الاقتصادية التي أسقطت النظام الإيراني مرتين في النصف الثاني من القرن العشرين ها هي تتكرر، أولها أتت بحكومة مصدق والذي أطيح به عقب محاولته تأميم القطاع النفطي، وثانيها جاءت بالجمهورية الإسلامية. فانخفاض أسعار النفط حد كثيرًا من الطموح الإيراني، ومن ناحية أخرى تشهد إيران صراعًا مريرًا بين المحافظين والإصلاحيين، منذ 2009 حين قاد الإصلاحيون أضخم احتجاجات شهدتها البلاد بعد الثورة الإسلامية، وأفضت بالنهاية إلى إصلاحات سياسية نسبية، أوصلت الحركة الإصلاحية إلى السلطة مع روحاني الذي يوصف بالهادئ سياسيًا، وأعيد انتخابه مجددًا صيف 2017 وهزم على أثرها منافسه المحافظ إبراهيم رئيسي الذي لم يكتف بالتشكيك بنزاهة الانتخابات بل وصفها بـ«المخالفات السافرة» وأطلق تهديدات في أكثر من مناسبة ضد حكومة الإصلاحيين، ومن الواضح أن نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت عالية بحسب التقارير والتي تجاوزت 70% ممن يحق لهم الانتخاب، وذلك يؤشر إلى الرضا الشعبي العام عن النظام الحاكم، وأما إقليميًا فتعيش إيران في محيط عدائي، وذلك على خلفية صراعها مع السعودية وحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، والتي مارست دورًا ضاغطًا على الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات ضد إيران وإن لم تفلح إلى الآن.

وفي ظل هذه الظروف المعقدة وبعد إعلان مسودة الموازنة العامة التي أعلنها حسن روحاني في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 2017 الذي عنى للمحافظين المعارضين للاتفاق النووي فشلًا ذريعًا لحكومة الإصلاحيين، وما هي إلا أيام حتى انطلقت أول مظاهرة في مدينة مشهد وهي ثاني أكبر مدينة حجمًا بعد طهران العاصمة وثاني مدينة دينية بعد قم، بل هي من أهم الحوامل الشعبية للتيار المحافظ، كما تظهر الصور الأولى لمظاهرات مشهد نساء محجبات بعناية ومن واضح الخلفية الدينية التي ينطلقن منها، ولكن سرعان ما التقط الفرصة مدن أخرى فتحركت مظاهرات في المدن الغربية في كرمنشاه الكردية والأحواز العربية وأصفهان المتعددة إضافة إلى طهران العاصمة، لتتصاعد حدة لهجة الاحتجاج لتبلغ المطالب السياسية الموجهة ضد المرشد، كما حمّل المتظاهرون السياسات الحكومية الخارجية مسؤولية التدهور الاقتصادي، على اعتبار أن حجم الإنفاق العسكري في غزة ولبنان وسوريا أكبر من أن تتحمله الميزانية الإيرانية.

وطبيعي أن يثلج هذا المطلب صدور السعوديين وإسرائيل، ليصدر البيان الأمريكي الأول في 29 ديسمبر الذي نددت فيه الخارجية الأمريكية باعتقال المتظاهرين السلميين، لتعم المظاهرات أغلب المدن الإيرانية في اليوم الثالث، لتبدو الحالة الأمنية خارج السيطرة في اليوم الرابع الذي أغلقت فيه السلطات الإيرانية وسائل التواصل الاجتماعي مترافقة مع حملة اعتقالات شملت المئات وأطلق سراحهم في وقت قريب، مع أول تعليق للرئيس روحاني يؤكد على حق التظاهر في حدود القانون، لتتوالى في اليوم الخامس المواقف الدولية الغربية خصوصًا المؤيدة للحراك، في الوقت الذي اقترن بأعمال مسلحة وأدى إلى سقوط ضحايا، وتختفي مظاهرات مشهد ومدن الشرق وتتركز في الغرب الإيراني، لتتقلص الاحتجاجات في الداخل في ذات يوم انعقاد جلسة هيئة الأمم المتحدة بشأن إيران والتي دعت إليها الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الواضح أن تعليق المرشد علي خامنئي جاء متأخرًا وذلك في اليوم الخامس ومقتضبًا للغاية، في حين لم تتدخل الأجهزة التابعة مباشرة للمرشد، واكتفى جهاز الشرطة التابع للحكومة في التعامل مع المحتجين.

أما فيما يتعلق بالمعارضة السياسية الإيرانية فالمحافظون هم الأكثر تأثيرًا ولا سيما أنهم يمثلون الطرف المؤسس للجمهورية الإسلامية، وتركزت السلطات والأموال في أيديهم خلال 40 عامًا وهم في سدة الحكم، بالإضافة إلى أن المرشد الأعلى إلى جانبهم، فلم تصدر أي تعليقات مهمة باستثناء تعليق المرشد الذي أشير إليه سابقًا، بالإضافة إلى اجتماع مجلس الشورى الإيراني الذي يشكل المحافظون جزءًا كبيرًا منه.

ولعل ذلك يؤشر عن تواطؤ إن لم يكن مخططًا له من جانب المحافظين حتى هدد الحراك أسس النظام نفسه. فيما دعم حزب توده الإيراني الاحتجاجات الإيرانية في بيان أدان فيه النظام الثيوقراطي محذرًا من السقوط في الرجعية والانسياق مع المخطط الرجعي الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي موقف مطابق اتخذه حزب العمل الإيراني (طوفان) الذي دعم بدوره الاحتجاجات محذرًا من شعارات رجعية كـ(لا غزة لا لبنان حياتي في إيران) ومثيلاتها من الشعارات المرضية للإمبريالية العالمية، هذا من جانب المعارضة اليسارية الإيرانية أما الجانب اليميني الليبرالي فقد صرحت زعيمة منظمة مجاهدي خلق في المؤتمر السنوي للمقاومة الإيرانية الذي تتزعمه رجوي أيضًا بأن «إسقاط نظام ولي الفقيه بات في متناول اليد»، وذلك في الأول من يونيو (حزيران) من هذا العام من باريس، وكان قد حضر المؤتمر المذكور عمدة نيويورك السابق وأحد أبرز قيادات الحزب الجمهوري الأمريكي، رود جولياني، ورئيس مجلس النواب السابق الجمهوري نويت غينغريش، وعضو مجلس الشيوخ السابق عن الحزب الجمهوري جوزيف ليبرمان، كما حضر أيضًا وزير الخارجية الفرنسي السابق برنار كوشنار، والسفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي السابق لويس فري، ووزير الخارجية الكندي السابق جون بارد، ورئيس الأركان الأمريكي السابق، الجنرال جاك كين، إلى جانب عشرات المسؤولين الأوروبيين والعرب.

ومن الطبيعي أن تؤيد رجوي المظاهرات وتدعو لتوسيعها، ومن اللافت أن نجل الشاه الإيراني المخلوع دعا الإدارة الأمريكية إلى تشجيع الشركات الأمريكية على توفير خدمات الإنترنت في إيران كما حث إدارة ترامب على اتخاذ خطوات ملموسة تجاه الإيرانيين ومطالبهم. وفي سياق حلفاء أمريكا الإيرانيين أكد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه المسلح استعداده للدفاع عن أكراد إيران وذلك في بيان له منذ الأيام الأولى للاحتجاجات.

ومن الجدير ذكره أن شكل الديمقراطية الإيرانية ذو بعد واحد، بمعنى أنه لا يحق لغير الإسلاميين العمل السياسي وتجرى الانتخابات بين التيارات الإسلامية وحدها، ويحظر الدستور الإيراني الأحزاب العلمانية واليسارية، ومن الطريف أن النقاش النظري الذي ساد بدايات القرن العشرين في الأوساط الدينية الإيرانية كان يتمحور حول «هل يجوز العمل السياسي للإسلاميين في ظل غياب المهدي؟» لينقلب السؤال المطروح بعد الثورة الإسلامية ويصير «هل يجوز لغير الإسلاميين العمل السياسي؟!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بيان حزب العمل (توفان)
بيان حزب تودة
رئيس إيران يعرض ميزانية متحفظة لعام 2018
عرض التعليقات
تحميل المزيد