منطقة الشرق الأوسط كانت مند الأزل منطقة صراع، وستبقى كذلك، بالرغم من الحديث عن تحويل الولايات المتحدة الأمريكية لمركز اهتمامها، منها إلى مناطق أخرى في العالم، وعلى رأسها المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا.

فسوريا, تحولت حاليا إلى حلبة صراع بين الغرب وروسيا، بعد أوكرانيا وجورجيا، إلا أن الحزم الذي واجهت به أوروبا والولايات المتحدة، روسيا في نزاع جزيرة القرم، لا يوازيه نفس الحزم في سوريا، حيث غالبًا ما يتفق الجانبان على تدمير هذه المنطقة، أو تلك، مع الحديث عن تفاهمات لدحر الجماعات المتطرفة التي يعرف الجميع أن الهدف منها تصفية رعاياها الموجودين بتلك الجماعات؛ للحيلولة دون عودتهم، مهما كلف الثمن من المدنيين الأبرياء، نتيجة قصف سلاحه الجوي لمناطق مدنية.

هذا التكالب الغربي على المنطقة تزامن مع رفع العقوبات عن إيران الذي زاد من مستوى تخوف المماليك الخليجية من المد الشيعي في لبنان واليمن والعراق، وتدخلها في شؤونها الداخلية على أساس أنها المكلفة بحماية المذهب الشيعي بالعالم في كل من السعودية والبحرين، لدرجة تصنيف إيران كأكبر خطر يواجه المنطقة مكان الكيان الصهيوني الذي كان تاريخيًا في المراتب الأولى.

في الواقع، لا يمكن أن ينكر، إلا جاحد، دور إيران المتعاظم في المنطقة؛ فإيران كانت ترهب منطقة الخليج والعرب ككل، وهي تحت العقوبات الدولية، فما بالك، وهي خارجها، وستصبح لديها «مداخيل» مهمة من بيع البترول.

فالوضع الآن تغير، فإما أن تتحرك الدول الخليجية لمواجهة الدولار بالدولار، أو تستقوي عليه إيران. فالعزلة الدولية لسنوات مكنتها من تطوير بعض القطاعات بنفسها، والآن أصبح بإمكانها الوصول إلى التكنولوجيا الغربية بكل يسر في جل المجالات الحيوية، مقارنة بما كان عليه الأمر سابقًا. وبذلك ستدخل ـ إيران ـ في مرحلة تطور، ونمو سريع لن تستطيع دول المنطقة مواكبته؛ بسبب الاعتماد شبه الكلي على موارد النفط، وموارد قطاع الخدمات؛ لضمان مستوى مقبول للأسعار دعت الدول المصدرة للنفط إلى تجميد الإنتاج في حدود إنتاج شهر يناير (كانون الثاني) من السنة الجارية، إلا  تلك الدعوات اعتبرتها إيران «نكتة» على لسان وزيرها المكلف بقطاع النفط. منطقيًا، لا يمكن أن يتقبل الإيرانيون القرار، إذ إن العقوبات التي كانت ترزح تحتها، أدت إلى فقدانها لحصة سوقية مهمة لن تستردها، إلا بعد عدة سنوات من التجديد المستمر لوسائل الإنتاج، برصد ميزانيات سنوية ضخمة للقطاع. في مقابل، سيطرة السعودية والدول الأخرى على حصة الأسد من السوق الدولية للطاقة.

هذا التطور السريع لإيران، وسعيها المتواصل لاسترداد ملياراتها المجمدة بالخارج لعصرنة نسيجها الإنتاجي. يقابله ضعف وتقهقر لدول في العالم العربي السني، بالرغم من أنها تنصب نفسها كمدافع عن المذهب السني.

فمعظم دوله تمزقت، والباقي ينتظر دوره، وبعضها بينها مشاكل بينية مزكمة للنفوس. هذا الوضع فتح المجال أمام إيران لتصبح قوة إقليمية لها ثقل جغرافي واستراتيجي هام؛ أهلها لتلعب دورًا محوريًا في الصراعات التي يعرفها الشرق الأوسط، وعلى رأسها الصراع في اليمن، حيث تزعمت السعودية «التحالف العربي لدعم الشرعية» الذي انسحبت منه الإمارات حديثًا، لمواجهة الحوثيين المدعومين بدورهم من طرف إيران، فيما اعتبر مواجهة غير مباشرة بين الشيعة والسنة.

في نفس المنحى تدخلت إيران بكامل خبرتها العسكرية لحماية النظام السوري على أساس كون بشار الأسد من «العلويين» أو «آل البيت» عند الشيعة. هذا التدخل يوازيه دعم من مليشيات «حزب الله» اللبناني على الأرض. أما العراق فمند سقوط نظام «صدام حسين»، وهو تتقاذفه الطوائف المختلفة، إلا أن الوضع هناك مختلف، بالرغم من الزيارات المتتالية التي يقوم بها الزعماء الشيعة لإيران، نظرًا لبعض التوازن في القوى، وكون الجميع لحد الآن متفق على وحدة العراق، وتطبيق ما يسمى بالرئاسيات الثلاث المكرس للمحاصصة الطائفية.

دينيًا، إيران متهمة إقليميا باستعمال الطائفية لزعزعة استقرار دول المنطقة، والتدخل في شؤونها الداخلية. فإيران تعتبر أي شيعي أو منتسب للعلويين في العالم أحد مواطنيها، ويجب الدفاع عنه. وقد، ظهر هذا جليًا في طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع إعدام السعودية لـ«نمر باقر النمر»، حيث أدى ذلك إلى اضطرابات في المنطقة، واقتحام السفارة السعودية في طهران. في حادث آخر، نددت إيران بسحب الجنسية البحرينية من أحد النشطاء الشيعة، بل دعا أحد مسؤوليها إلى إعلان الثورة فيها، على اعتبار أن مملكة البحرين ليست إلا مقاطعة من مقاطعاتها. كما طفت إلى السطح مؤخرًا مشاكل مرتبطة بالحج؛ لرفض السعودية رفع الشعارات السياسية في موسم الحج، ومنع بعض الطقوس التي يؤديها الشيعة.

من جانب آخر، فالأنظمة التي تستمد شرعيتها من الدين تعتبر المساس بعقيدة الشعب خطًا أحمر يهدد وجودها. وبالتالي فهي تواجه بحزم كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة معتقدات رعاياها؛ لكون الدين يسهل عملية تدبير شؤون الجماعات ويوحدها، وغالبا ما يحترم الجميع الرؤى التي تستمد شرعيتها من الأسس التي بنيت عليها عقيدتهم، وهنا يكمن الخطر في المد الشيعي الذي يدين فيه المريدون لولاية الفقيه. إذ بتصريح واحد من الفقيه من قلب طهران يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة ككل.

الجزائر، نظرًا لسوء الفهم الموجود بينها وبين السعودية بخصوص أسعار النفط، قضية الصحراء وسوريا، قررت التخندق مع إيران، وعدم المشاركة في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، والتحالف العربي المساند لـ«عبد ربه منصور هادي»، ضد الحوثيين؛ بحجة احترام الدستور الذي يمنع ذلك. كما قام وزيرها المكلف بالشؤون المغاربية، والاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، بزيارة لسوريا؛ لعرض تجربة الجزائر في تصفية وقمع الإسلاميين إبان سنوات التسعينات. أو ما يعرف داخليًا بالعشرية السوداء. هذا التوجه يفسر بكون الجنرالات في الجزائر لا يتخوفون كثيرًا من المد الشيعي، كما أن جل السياسيين هم من ذوي الميول الاشتراكية الذين كانوا مع المعسكر الشرقي إبان الحرب الباردة.

أما المغرب، فهو تاريخيًا ينحو منحى السعودية؛ بحكم المذهب الملكي السني السائد بالمملكة، وكونها حليفًا استراتيجيًا في منطقة الخليج، بالإضافة إلى المساعدات المالية لدول مجلس التعاون لدعم السياسات المغربية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. بل يسعى المغرب لتعزيز الحضور الخليجي في المؤسسات الاستراتيجية للدولة؛ بتفويت حصص مهمة منها تحت غطاء تغطية عجز الموازنة العامة.

بالنسبة لمصر، فقد عانت، ولا زالت تعاني، من تبعات عدم الاستقرار الذي أثر على السياحة، المورد الأساسي للعملة الصعبة، كما يعاني الاقتصاد المصري من أزمة خانقة لضعف مداخيل قناة السويس؛ نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، وظهور طرق إمداد عالمية جديدة؛ مما أدى إلى شح الدولار، وارتفاع قيمته مقابل الجنيه؛ مما أثر على القدرة الشرائية للمواطن المصري بسبب التضخم المستورد. لإخراج مصر من المأزق أغدقت عليها السعودية المليارات على شكل مساعدات واستثمارات، فسرها البعض بالنهج الجديد للسعودية لتنويع مداخيل اقتصادها في أفق 2030.

في حين، اتهم البعض الآخر نظام السيسي، ببيع جزيرتي «تيران وصنافير» الاستراتيجيتين مقابل حفنة من الدولارات. بالنظر لهذا للدور المهم للسعودية في الشأن الداخلي مصر، فإنه من الطبيعي أن تكون مع الخليجيين لمساعدتهم في التغلب على مخاوفهم من إيران.

ختامًا، فإنه لا يسعنا إلا أن نقول إنه  من المخزي أن تخاف دول عديدة غنية لديها من السيولة النقدية ما لا يتوفر للكثير من الدول، من دولة واحدة لم تخرج، إلا مؤخرا من عقوبات دولية أنهكت بنيتها الاقتصادية، فهي على كل حال تدافع عن الشيعة بما استطاعت في حين إن هناك مجازر في «بورما» كما في الصومال، ومناطق أخرى في العالم، لم ينتفض ضدها أحد. وهناك مشاكل بنيوية في المنطقة، فلكل دولة مشاكلها الداخلية، ومشاكل مع الجوار أكثر إلحاحًا. هذا الواقع المبكي للمنطقة، لا تنبعث منها أية إشارات أمل، لبناء أي مستقبل يوافق تطلعات الحركات الشبابية الصاعدة، التي أصبح سقفها يرتفع يوما بعد يوم، مما ينذر باضطرابات جديدة تلوح في الأفق. فهل يحق للساسة والمسؤولين من المحيط إلى الخليج اعتبار إيران خطرًا داهمًا يهدد استقرار المنطقة؟
_________________________________________________________________________________________________

الهوامش :

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد