بعد مرور أسابيع على تسريبات نشرتها عدد من الصحف الأمريكية، أكدت السعودية، عبر مصدر في خارجيتها، حدوث مفاوضات مباشرة بينها وبين إيران. وذكر رائد كيملي، رئيس تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، أن هدف هذه المفاوضات هو خفض حدة التوتر بالمنطقة.

كل هذا يجري في ظل زيارات مكثفة ومهمة تشهدها المنطقة لتلطيف الأجواء بين الرياض وطهران، تمهيدًا لتفاهمات جديدة وإعادة ترميم العلاقة التي لطالما شهدت أزمات خطيرة عبرت منها بفضل الدبلوماسية وجهود الوسطاء. شدّ جواد ظريف الرحال إلى الدوحة، ثم توجه إلى بغداد، ومن ثم إلى عُمان، وختم زياراته إلى الكويت. وبدوره زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الدوحة، والتقى أميرها هناك. هذا بالإضافة إلى تصريحات إيجابية من الطرفين؛ آخرها ما أشار إليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأن إيران دولة جارة والسعودية تطمح لعلاقات جيدة معها. وتصريحات متقابلة جاءت على لسان العديد من المسؤولين في الجمهورية الإسلامية.

خرجت إلى العلن تسريبات جديّة حول دخول العراق وسيطًا لمحادثات سريّة بين إيران والسعودية لترميم العلاقة التي شهدت توترًا شديدًا في أعقاب هجوم بعض الإيرانيين وإحراق السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مدينة مشهد، إثر الغضب الذي ساد آنذاك بعد إعدام الشيخ السعودي الشيعي، نمر باقر النمر، في يناير 2016. منذ ذلك الوقت اقتصرت التعاملات الدبلوماسية بين البلدين على مستويات منخفضة للغاية في سبيل تنسيق أمور الحج. بعد أكثر من أربع سنوات من الجفاء، يشعر الطرفان واللاعبون الإقليميون (مثل العراق وقطر وعُمان) واللاعبون الدوليون- ولو بنسبة أقل (مثل الولايات المتحدة) – أن الوقت قد حان لدخول الأطراف في مفاوضات مباشرة تدفع المنطقة نحو شيء من الاستقرار ومعالجة الأزمات العالقة.

العراق دخل بقوة على خط مسار هذه المفاوضات، لما لهذه المفاوضات من أثر إيجابي في حال نجاحها. فالعراق يحتاج إلى موازنة بين اللاعبين الإقليميين؛ والذين يتمتعون بنفوذ مهم في العراق، وذلك لإيجاد حلول مناسبة للأزمة الأمنية والاقتصادية التي يمرّ بها العراق منذ القضاء على داعش.

ويستند العراق في وساطته هذه إلى شخصية رئيس وزرائه، مصطفى الكاظمي، الذي يتمتع بعلاقات طيبة تجمعه بولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والعلاقة الجيدة التي تجمعه بالمسؤولين الحكوميين في إيران؛ إذ بنى الكاظمي هذه العلاقات من خلال عمله السابق بوصفه رئيسًا سابقًا لجهاز المخابرات الوطني العراقي.

من ناحية أخرى، لا يمكن تحليل هذه المفاوضات دون الإشارة إلى الضوء الأخضر الأمريكي. فعلى ما يبدو فإن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر للشروع بمثل هذه المفاوضات وذلك لعدة أسباب أهمها: تراجع الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط في قاموس الأولويات الأمريكية؛ بالإضافة إلى نقل مراكز الصراع إلى بحر الصين الجنوبي والحدود الأوكرانية المشتركة مع روسيا. وهذا بالضبط ما يُفسر تخفيض عدد وعتاد القوات الأمريكية في منطقة الخليج والانسحاب الأمريكي من أفغانستان في سبتمبر (أيلول) المقبل، كما يُفسر أيضًا الانخراط المتسارع في المفاوضات مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووي. وعليه، فإن إعادة ترتيب الأوليات الأمريكية يستلزم منها منطقة شرق أوسط بأقل قدر ممكن من الصراع بين القوى الإقليمية الفاعلة.

وأما عن المحاور التي تناولتها هذه المفاوضات. فقد تحدثت «ميدل إيست أي» عن أن حرب اليمن والأزمة اللبنانية هي من أولويات المناقشات الإيرانية-السعودية. كما نقلت عن مصادر عراقية مطلعة بأن الملف العراقي ليس على طاولة الحوار في هذه المرحلة.

وأما عن حرب اليمن، فيبدو أنّ المبادرة السعودية الأخيرة لم تلقَ آذانًا صاغية لدى أنصار الله الحوثي، التي يبدو أنها تريد تحقيق مكاسب على الأرض في مأرب، قبل الانخراط في مسار تفاوضي يؤدي إلى حلول سلمية سياسية للأزمة اليمنية. قرأ الحوثيون عدم رغبة الإدارة الأمريكية الحالية بالانخراط في ملف حرب اليمن على أنه فرصة مناسبة للتصعيد وتحقيق مكاسب على الأرض، ولذلك بدأ أنصار الله حملةً شعواء ضد مأرب، كما صعدوا من هجماتهم ضد المنشآت الحيوية السعودية عن طريق الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيّار، كل هذه الجهود جاءت تحت مظلة تقوية الموقع التفاوضي المستقبلي.

إن بحث الملف اليمني يؤدي لمنافع مشتركة لكلٍّ من السعودية بشكل أساسي ولإيران بشكل ثانوي. فالحرب في اليمن قد كلّفت الحكومة السعودية مليارات الدولارات دون جدوى، بالإضافة إلى التهديدات الحوثية الجدية ضد منشآت النفط الحيوية، وعصب الاقتصاد السعودي. إنهاء هذه الحرب سيوفر للأمير محمد بن سلمان مناخًا مناسبًا للتفرغ للمشاريع الاقتصادية في المملكة بالإضافة إلى جلب رؤوس الأموال، وشركات الاستثمار الخارجية، للانخراط في مشروع طويل الأجل، هو تقليل الاعتماد على عائدات النفط، والبحث عن الموارد البديلة. وأما عن منافع إيران في الملف اليمني فهي تقليل نفقات الدعم الخارجي للحلفاء، وأن يكون اليمن المستقر وجهة اقتصادية لإيران. كما يساعد التفاهم في هذا الملف على تعزيز التعاملات الاقتصادية بين بلدان الخليج وإيران. فاستقرار الأوضاع الأمنية يدفع بالضرورة إلى استقرار في التعامل الاقتصادي والتبادلات التجارية.

وأما عن الأزمة اللبنانية فيبدو أن ابتعاد كل من السعودية وإيران عن الملف اللبناني دفع بقوى دولية أخرى للدخول على خط أزمة لبنان. مثل فرنسا على سبيل المثال. وكلا البلدان يدركان جيدًا أنّ التفاهم بينهما هو السبيل الوحيد للخروج من النفق المظلم الذي يمرّ به لبنان (إذا ما استبعدنا خروج الطبقة الحاكمة اللبنانية من المشهد السياسي، لاستحالة هذا الخيار). وهذه المرة فإنّ توافقًا سعوديًّا-إيرانيًّا سيؤدي إلى تشكيل حكومة لبنانية مدعومة من الطرفين بتفاهمات مرحلية، قد تكون قادرة على إدارة الأزمة الحالية، وهذا بالتأكيد سيخفف الضغط على لبنان ويبعث الأمل في انفراجة في بلد مزقه التراشق الداخلي.

أخيرًا الملف العراقي، يبدو أنّ الكاظمي يدرك تمامًا أنّ التوصل إلى حلول حول حرب اليمن والأزمة في لبنان بين إيران والسعودية، هو تمهيد لمخرجات مهمة على الصعيد العراقي. وهذا تحديدًا ما يجعله غير مُصرّ على إدراج الملف العراقي ضمن أولويات التفاوض الإيراني-السعودي.

أخيرًا، ما يحب قوله هو أنّ الإرادة السياسية الجدية للتوصل لتفاهمات، مشهودة وبقوة في تصريحات الطرفين. في الوقت ذاته، لا نتوقع حصول صفقات طويلة الأمد في هذه المرحلة لعمق الهوة بين الطرفين، ولكن يمكن الحديث عن تفاهمات جديّة لإدارة الصراع وخفض حدة التوتر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد