أستغرق في حيرة كلما تابعت عن كثب سياسة الإيرانيين في المنطقة، وقد حاولت جاهدًا دراسة ذلك التحول الضخم للدور الإيراني، والذى بدأ في الحقيقة عقب الثورة الخمينية (الإسلامية) عام 1979، وما به من تناقضات كثيرة.

والحق أنني لاحظت أن تلك التناقضات لم تبدأ في الفترة الراهنة أو منذ وقت قريب، ولكنها بدأت منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وتولي الخمينى إدارة الأمور، ووضع معالم الجمهورية الإسلامية الوليدة.

بلا شك استطاع الإيرانيون في ثورة عارمة إزاحة نظام قمعي مستبد استمد قوته من دعم أمريكي صهيوني ليصبح كنزًا استراتيجيًّا لهما في تلك المنطقة الحيوية من العالم، لا سيما مع ما تمتلكه إيران من ثروات نفطية هائلة.

رفعت تلك الثورة الشعارات الإسلامية، كانت منها الإسلامية الخالصة، ومنها الشعارات الشيعية المرتبطة بعاشوراء واستشهاد الإمام الحسين -رضى الله عنه- ولكن هل حقًّا كانت ثورة إسلامية؟!

بداية مسلسل التناقضات منذ اليوم الأول لانتصار الثورة

التقى الخميني قبل عودته من باريس بعدد من ممثلي الحركات الإسلامية (السنية) في العالم من دول عدة لكسب الدعم الشعبي والإعلامي في العالم الإسلامي للثورة الإيرانية، وانتهى هذا اللقاء بوعد الخميني بأن تكون ثورته هي ثورة إسلامية خالصة لم تقم إلا لنصرة الإسلام ورفع الظلم عن المسلمين بكل طوائفهم،لكن هذا الوعد لم يصمد طويلًا، وبدا وكأنه سراب بعد أول خطوة قام بها الخميني بعد توليه أمور الحكم في البلاد بإعلان دعوة الإيرانيين على استفتاء دستوري يقر فيه بأن الإسلام دين الدولة، والمذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري هو المذهب الرسمي للبلاد في تصرف جسد كل معاني الطائفية التي تعهد بالبعد عنها.

لقد كان لتلك الخطوة ما بعدها، فكانت البداية لإعلان حرب لا هوادة فيها على كل مخالف،وبعد أن كانت تلك الاتجاهات والأطياف المختلفة أعوان وحلفاء الأمس صارت أعداء اليوم، والتخلص منها هو أول الطريق للتخلص من أعدء الأمة والإسلام.

لا أستطيع أن أنكر، بل لا يستطيع أن ينكر كل منصف أن الجمهورية الإيرانية سجلت مواقف عديدة لنصرة قضايا الأمة الإسلامية لم تسجلها بعض الدول العربية، فكان ومازال لهم دور فعال في دعم القضية الفلسطينية من خلال الدعم المسلح لحركات المقاومة الفلسطينية، وموقفهم من قضية البوسنة والهرسك وإعلانهم أنهم غير ملتزمين بالقرارات الدولية بعدم إدخال السلاح للمقاتلين المسلمين في البوسنة كان موقفًا مشرفًا سيسجله التاريخ في صالحهم.

لكن وعلى الجانب الآخر جسدت إيران كل معاني الطائفية، ابتداءً بالممارسات القمعية بحق المسلمين السنة داخل إيران –والذين بلغ تعدادهم حسب تقديرات قرابة الـ16 مليون نسمة– وما يتعرضون له من تهميش وإقصاء إلى حد منع السلطات الإيرانية وجود مسجد واحد للسنة في العاصمة الإيرانية طهران، ثم يأتي بعد ذلك الدور المشبوه الذي لعبته وما زالت في كل من لبنان وسوريا واليمن والعراق ـ فلا يخفى على أي أحد الدعم الذي قدمته إيران لعملية الغزو الأمريكي على العراق، ويؤكد هذا الدعم أن رجالات حزب الدعوة العراقي (نوري المالكي وحزبه) والذين تلقوا كل أشكال الدعم الإيراني؛ بل وكانت لهم موطنًا عندما اضطروا للهروب خوفًا من بطش النظام (الصدَامي البعثي) في العراق هم أول من تعامل مع الاحتلال، وارتضى بالدخول في العملية السياسية تحت مظلة الاحتلال الأمريكي.

الدور الإيراني في سوريا

لقد رأينا منذ عام 2011 وما زلنا نرى ما يحدث للشعب السوري من إجرام تعجز الكلمات عن وصفه، وصل إلى حد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وأدى إلى شتات الملايين من السوريين في بقاع عدة، وما كان لذلك أن يكون إلا بدعم إيراني واضح لذلك النظام المجرم في حق شعبه وبلده بل في حق أمته والإنسانية كلها.

ارتضت إيران لنفسها أن تكون في خندق الظالم ضد المظلوم رغم شعارات ثورتهم التي قامت لرفع الظلم -كما زعموا- عن المظلومين والمقهورين في أمتنا الإسلامية المقهورة، وأراحت ضميرها وضمير أعوانها بأن ادعت أن حمايتها ليست لشخص بشار الأسد؛ بل حمايتها هي لنظام مقاوم ممانع للسياسية الأمريكية الصهيونية في المنطقة، بل وردد حلفاؤهم
من (حزب الله) تلك الكلمات معتبرين أن بداية تحرير القدس تبدأ من تحرير القلمون وحمص وحلب من يد المعارضة السورية المتطرفة.

وعلى الرغم مما قدمته إيران لحركة حماس من دعم استمر لعقود، إلا أن حماس تعرضت لغضبة إيران، وتقلصت مساعدة الإيرانيين لها إزاء موقف حماس من الثورة السورية، ورفضها القاطع لما يجري من مجازر في حق السوريين.

الدور الإيراني في اليمن

وانتهزت إيران ما حدث في اليمن من ثورة شعبية، وما تبعها من أحداث وانقسامات لتحض أتباعها الحوثيين للانقلاب على مكاسب ثورة الشعب اليمني كافة، بعد أن وجدت الفرصة مواتية ليكون لها موضع قدم في تلك المنطقة الاستراتيجية، وما يعنيه ذلك من فرض حصار على غريمها التقليدي في المنطقة، وهي السعودية.

لم تجد إيران (الإسلامية) أي غضاضة في أن تضع يدها في يد المخلوع صالح وحزبه لكي تمكن لشيعتها في اليمن من البلاد، بالرغم مما كان من عداوات بين الطرفين، وما لاقاه الحوثيون من حروب على يد نظام صالح؛ لتتسبب في حرب أهلية ضروس بين أبناء الشعب اليمني، تعطي من خلالها الذريعة للدول الخليجية للتدخل فيما سمي بعملية (عاصفة الحزم)؛ لتبدأ معاناة جديدة للشعب اليمني لا يعلم منتهاها إلا الله.

أعترف أنني كنت من أول المخدوعين بتلك الشعارات الجوفاء، ولقد دفعني حبي لديني وعاطفتي لأمتي للانجرار خلفها، ولقد كنت من أشد المدافعين عن حزب الله على اعتبار أنه حزب مقاوم للاحتلال الصهيوني -وهو بالفعل كذلك- وليس على اعتباره جزءًا من حرب ظالمة تشن على الشعب السوري المظلوم.

نعم لقد خرجت فى أول تظاهرة في حياتي ولم أكن قد تجاوزت 14 عامًا، رافعًا رايات حزب الله الصفراء، هاتفًا باسم أمينه العام، مشجعًا على ضرب إسرائيل بصواريخه،لكن ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية يدعوني ويدعو الجميع لإعادة تقييم كل الأطراف من حولنا، تقييمًا لا يقوم على الشعارات الجوفاء؛ بل على الحقائق والعقائد والأفعال، نعم على العقائد والأفعال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات