تعمل إيران على تحقيق مصلحتها، بوصفها قوة إقليمية، بكل الطرق الممكنة، حيث سعت منذ  أعقاب الثورة الإسلامية على نظام الشاه إلى التمدد والتوسع من أجل استرجاع الأمجاد الفارسية القديمة.

لكنها حاولت في كل مرة أن تبرز موقفها الحاد والحاسم تجاه الغرب، وخاصة الولايات المتحدة وتحاول أن تُصَدِر أفكارها وإيديولوجيتها؛ لكي تثبت وجودها وثقلها في الساحة الدولية في مختلف القضايا، خاصة التي تمس أمنها وتدور ضمن مجالها الحيوي، وهذا لخلق مكانة دولية والانضمام إلى نادي القوى الكبرى.

إيران الدولة الطامحة للتوسع ولكن هذا ليس بالهدف الجديد، فمنذ ثورة 1979 وإيران تعمل بكل الطرق لتصدير أفكارها وثورتها.

في الواقع تحتل إيران مكانة محورية في عدة قضايا إقليمية ودولية خاصة في أزمات الشرق الأوسط كاليمن، وفي محاولة منها للتوسع تجهت إلى الصومال(القرن الأفريقي).

تتضارب السيناريوهات والروايات التي تسرد تاريخ العلاقة الإيرانية- الصومالية، فعلى الرغم من أن وجود العنصر الشيعي الإيراني في الصومال ليس جديدًا، فإن أثره لم يبرز إلا في الفترة المتزامنة مع نجاح الثورة الإيرانية وهذا يدل على الدافع الفكري والديني الذي يحرك إيران؛ فرغبتها في التدخل في الشأن الصومالي نابع من طموحها في تصدير أفكارها للقرن الأفريقي، بعد أن استطاعت أن تتغلغل جزئيًّا في الشرق الأوسط (العراق واليمن).

في الفترة الممتدة ما بين 1991 و2006 كانت الصومال في حرب أهلية طاحنة بين القبائل والجبهات المتناحرة، وكانت الدولة بكل مؤسساتها منهارة ولكن لم يبرز وجود إيراني في وسط المجتمع، إلا أن اللافت كان زيارة قام بها الداعية الصومالي المشهور الشيخ محمد معلم إلى طهران في أواسط التسعينيات، وكان من أبرز نتائج هذه الزيارة منح دراسية للطلبة الصوماليين.

من أهم الأسباب الاستراتيجية للاهتمام الإيراني بالصومال هو الرغبة في تسهيل الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط. كما تتفرع اهتمامات إيران على جل القارة، مستغلة بذلك كسب الأفارقة الحاقدين على الغرب.

ومن ناحية أخرى، إيران تستفيد من الفضاء التجاري المفتوح في الصومال، أي تعتبر السوق الصومالية سوقًا مفتوحة وسهلة، وهذا في ظل الفوضى وغياب واضح للأنظمة والقوانين وبالتالي، تصبح التجارة في «مقديشو» ميسرة للاستثمار الإيراني.

وتحظى إيران بوضع متميز في مقديشو لعدة عوامل منها؛ الفقر والجهل وحاجة المجتمع إلى الدعم التعليمي والإغاثي، ورغبة المجتمع في الترحيب بكل من يقدم هذه الخدمات دون النظر إلى خلفياتهم.

وهنا كانت نقطة الانطلاق، استطاعت إيران أن تستغل الفقر والجهل بتقديمها لمساعدات مالية واجتماعية. في مختلف المناسبات، ومن أبرزها المنح الدراسية التي استفاد منها الشباب بالإضافة إلى الإغاثات والمساعدات المختلفة.

ويعد استقبال الشباب الصوماليين في الأراضي الإيرانية من أهم النقاط التي تدعم الدور الايراني في المنطقة، فبهذه الطريقة يكون تصدير الفكر الشيعي للأراضي الصومالية أسهل، ويكون عن طريق تجنيد بريء وإنساني لطلبة متشبعين بأفكار جديدة ومبادئ تسهل على إيران التوغل في الوسط الصومالي.

إيران كغيرها من الدول في محاولتها للبحث عن المصلحة الوطنية وتحقيق أهدافها الاقتصادية، يمكنها أن تستغل كل الفرص المتاحة أمامها وهذا ما أثبته عدد من المحللين.

إن إيران تعمل على مساعدة جماعة الشباب الصومالية في عمليات تهريب اليورانيوم إلى أراضيها، بالإضافة إلى تصريحات من وكالة «أسيوشيتد برس» التي نشرت أن عمليات تهريب الفحم من مقديشو إلى طهران تزايدت.

وتعد الموانئ الإيرانية هي الوجهة الرئيسية لهذه الشحنات؛ حيث يجري استلام الفحم النباتي وكأنه قادم من جزر القمر، غانا أو ساحل العاج، على أن ينقل من أكياس خضراء إلى أخرى بيضاء تحمل اسم «منتج إيراني»، ثم تصدير هذه الشحنات إلى دول الخليج مع شهادات تزعم أنها إيرانية المنشأ.

ومن ناحية أخرى يُزعم أن طهران تستخدم حركة الشباب لتنفيذ هجمات ضد الجيش الأمريكي والقوات الأجنبية بالصومال وفي المنطقة، وذلك بحسب ما نقله تقرير «Foreign Policy»، عن مسؤولين حكوميين وأمنيين صوماليين على دراية بالمعلومات الاستخباراتية ومطلعين على المسألة.

تستخدم إيران الحوافز المالية لتكون وسيلتها في التجنيد، وتملك شبكة وكالة في الصومال، وتستخدم مساعدين لتيسير تقديم الدعم إلى المنظمات العنيفة المتطرفة لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة ودول الخليج.

ولكن إذا نظرنا إلى هذه التصرفات، هل يمكن إسقاطها فعلًا على الاستراتيجية الروسية سابقًا في أفغانستان؟

هل تحاول إيران أن تقلد استراتيجية المكافأة في الصومال كما كانت تستخدمها روسيا في أفغانستان؟

نشرت مجلة «فورين بوليسي» تحليلًا سياسيًّا سلطت فيه الضوء على الخطوات الإيرانية التي تتبعها في الصومال والتي تعد اقتباسًا للاستراتيجية الروسية مع أفغانستان سابقًا.

إذ صرح كبار المسؤولين في الحكومة الصومالية بأن طهران تستخدم حركة الشباب الصومالية لمهاجمة الجيش الأمريكي والقوات الأجنبية الأخرى.

وأضافت «فورين بوليسي» أن «طهران استخدمت الإغراءات المالية وسيلة لتجنيد الشباب، ما مكنها من جمع شبكة وكلاء في الصومال».

ووفقًا لوزارة الدفاع الصومالية ومسؤولين أمنيين، أنه قد تكون حركة الشباب قد استخدمت الأموال والأسلحة والذخائر الإيرانية في هجماتها في 2019 و2020 على القواعد العسكرية الأمريكية في الصومال وشمال كينيا، وكذلك على قافلة الاتحاد الأوروبي العسكرية في مقديشو.

وكشفت منذ مدة صحيفة «الجارديان» عن واحدة من أكبر عمليات الصيد غير القانونية في العالم، بحسب منظمتا «جلوبال فيشينج وواتش» لتعقب سفن الصيد، و«ترايج مات تراكينج» البريطانية حيث جرى رصد أسطول كبير من سفن الصيد الإيرانية التي عملت بشكل غير قانوني في المياه الصومالية لأكثر من عام.

وأعربت الحكومة الصومالية، غير القادرة على مراقبة سواحلها الشاسعة، عن قلقها بشأن الأمن الغذائي والبحري.

يمكننا القول إن التدخل الإيراني في الصومال من أهم الأسباب المدعمة للانفلات الأمني والفوضى في البلاد، وذلك لأن كل المصادر تتهم إيران بتمويل الجماعات الإرهابية ودعمها، وتصدير فكرة الثورة.

وتصدي الصومال للتدخلات الخارجية صعب، فليست ايران هي الوجود الأجنبي الوحيد، فأغلب القوى الكبرى موجودة ومتدخلة في الشأن الصومالي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتعد الصومال دولة فاشلة ومحطمة غير قادرة على مواجهة أي تهديدات خارجية أو داخلية؛ مما يزيد من سهولة استغلالها.

وعلى الرغم من رفضها للاستغلال الإيراني غير القانوني فإن المجابهة والتصدي يعد عملية صعبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد