كما هو معروف منذ أن نجحت ثورة الخميني في إيران عام 1979، والعلاقات الأمريكية الإيرانية متأزمة، سواءً في فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والتي عرفت تقاربًا يصفه بعضهم بأنه «تقارب خجول»، إذ وقعت إدارة أوباما، بمشاركة فاعلين دوليين آخرين، اتفاقًا نوويًّا مع طهران في عام 2015، والذي عُرف «اتفاق 5+1»، إذ رفعت بموجبهِ إيران السرية عن برنامجها النووي، بجانب الرفع الجزئي للعقوبات الدولية عنها، والإفراج عن أموالها المجمدة في الدول والبنوك الغربية.

وتاريخيًّا العلاقات البينية بين النظام الإيراني والإدارات الأمريكية المتعاقبة، كانت متفاوتة بين التبعية في فترة الشاه، ومتصادمة في فترة ما بعد الثورة «الإسلامية»، ولهذه مهما كانت صفة العلاقات بين البلدين، متأزمة أو متناغمة، كانت محل جدل وتساؤل بين العديد من الدول العالمية والإقليمية، إذ كان تأثيرها على دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا سلبية أو إيجابية.

ويعود الاهتمام الإيراني بالدول الأفريقية إلى ستينيات القرن الماضي، وبالتحديد في فترة الشاه، عندما شرع في تأسيس علاقات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية مع العديد من الدول الأفريقية، وبالطبع كانت علاقتها – أي إيران- بالدول الافريقية، تأتي ضمن إطار النسق العام للوضع الدولي آنذاك، حيث كانت تعد إيران الشاهة، شرطي الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بمعنى أنها كانت تحتل مكانة كبيرة في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية حيال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، ولكنه بسقوط نظام الشاه، وتسنم الإسلاميين لسدة الحكم في طهران، لوحظ تراجعًا في الاهتمام الإيراني بالقارة السمراء، وذلك لأسباب عدة منها: «انشغال النظام الإيراني بتقوية نفوذه بالداخل، فضلًا عن الحرب العراقية الإيرانية، والتي شغلته -النظام الإيراني- لفترة ثماني سنين عن اهتمامه بعلاقاته الأفريقية، ولكن بنهايتها نرى اهتمام طهران بأفريقيا زاد بصورة مطردة.

وأما عن الأسباب التي دفعت إيران إلى الاهتمام بعلاقاتك الأفريقية من جديد، هي التهديد المتواصل بضربه عسكرية غربية على طهران، وبدور القيادة الإيرانية وضعت فرضية الحرب الغربية ضمن الاحتمالات المتوقعة، لذلك سعت إلى نقلها وتوسيع دائرتها إلى ساحات أُخرى، مثل القارة الأفريقية، فضلًا عن السعي إلى الفكاك من الكماشة الغربية، والعزلة الدولية التي عانت منها منذ ثورة الخميني، من خلال نسج علاقات مع دول القارة.

وكما ذكرنا في أعلاه كانت تمثل الحرب العراقية الإيرانية بمثابة عائق لنظام إيران، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها توجه النظام الإيراني صوب القارة السمراء بكل ثقله، حسب سياسة خارجية واضحة المعالم، يسعى من خلاله إلى التغلغل السياسي والاقتصادي والعسكري والأيديولوجي والثقافي، حيث كانت صافرة البداية لهذا النفوذ المتصاعد مع زيارة رئيس الجمهورية الإيراني الأسبق هاشمي رفسجاني للسودان في بداية تسعينيات القرن العشرين.

وبالرغم من العزلة الدولية المحكمة التي فرضتها القوى الغربية على طهران، استطاع النظام الإيراني أن يحقق اختراقات كبيرة في الساحة الأفريقية، حيث تمكن من تقوية علاقاته الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع دول القارة، وأوصلها إلى علاقات استراتيجية مع بعض دولها، ويأتي السودان في مقدمتها.

وفي السنين الأخيرة يلاحظ تراجع الاهتمام الإيراني بأفريقيا، وذلك لانغماس طهران في الحروب الأهلية الجارية في كل من العراق وسوريا واليمن، بالإضافة إلى ذلك، توقيعها لاتفاقية 5+1، والتي بعدها حصل نوع من الانفراج في العلاقات الإيرانية- الغربية، وسعت طهران إلى تطوير علاقاتها مع الدول الغربية، ولكن مع مجيء ترامب إلى السلطة في البيت الأبيض، حصل تغير في وجهات النظر الغربية، وخصوصًا الأمريكية، إذ أعلن إدارة واشنطن الانسحاب من الاتفاقية المعنية، مما أدى خيبة أمل لدى النظام الإيراني، فضلًا عن تأزم جديد في العلاقات الإيرانية الأمريكية، وهنا تساؤل يفرض نفسة كيف يؤثر هذا التأزم في القارة الأفريقية، والتي تعد ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية.

تداعيات التأزم الحاصل في العلاقات الإيرانية- الأمريكية على الدول الأفريقية يمكن حصره بالمستويات الآتية:

على الصعيد الاقتصاد: شهدت العلاقات الاقتصادية الأفريقية الإيرانية في الآونة الأخيرة تطورًا مطردًا، حتى بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين إلى مليارات الدولارات، ولكن إذا ما فرضة أمريكا عقوبات اقتصادية على طهران، بالطبع سيتقلص حجم التبادل إلى أدنى المستويات، ولأنه من المتوقع أن بعض دول القارة لم تعر القيود الأمريكية المفروضة على إيران اهتمامًا، وفي هذه الحالة ستتأزم علاقتها مع أمريكا، مما سيتسبب في انخفاض المساعدات الأمريكية لدول القارة، وبالتالي يجوز لنا القول إن تأزم العلاقات الأمريكية- الإيرانية، ستؤدي إلى تأثير في اقتصاديات دول القارة، في شكل انخفاض في فرص تنويع المستثمرين الأجانب في القارة.

على الصعيد السياسي: شهدت العلاقات السياسية الإيرانية الأفريقية تطورًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، حتى أعطيت إيران ميزة مراقب في منظومة الاتحاد الأفريقي، حيث دعمت دول أفريقية كثيرة مواقف إيران في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، وبتأزم العلاقات الأمريكية الإيرانية، بالتأكيد ستتأثر العلاقات الأفريقية الأمريكية، ربما ستتعرض بعض دول القارة التي تدعم إيران سياسيًّا، إلى عملية شيطنة وتسقيط سياسي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، مما سيؤدي إلى عزلها دوليًّا.

على الصعيد الأمني: قد يكون التأثير الأمني من تأزم العلاقات الإيرانية الأمريكية كبيرًا جدًّا، لأنه كلما زاد الوعيد والتهديد الأمريكي على إيران، ستسعى طهران إلى توسيع جبهات الصراع مع أمريكا، وتقوم بنقل الصراع إلى ساحات أخرى، بمعنى ستكون القارة السمراء ساحة صراع بين الإثنين، وإذا ما قامت أمريكا وحلفائها بضربة عسكرية لإيران، فستقوم هي الأخرى بضرب الأهداف الأمريكية في أفريقيا عبر أدواتها هناك في القارة، مثل الحركة الإسلامية النيجيرية الموالية لإيران، بالتالي سيجعل القارة غير مستقرة أمنيًّا.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إنه مثلما يمثل تأزم العلاقات الأمريكية– الإيرانية، تهديدًا للأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، أيضًا ستكون له تداعياته على دول القارة السمراء كما وضحنا في أعلاه، وبناءً عليه، يجب على القيادات السياسية الأفريقية، الوعي لآثار هذه التداعيات، والتحرك وفق رؤى واستراتيجية تجنب بلدانهم حروب الوكالة، والتي ستؤثر على دول القارة من كل النواحي، مما يؤدي إلى تأزم أوضاعها أكثر مما هي عليه الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد