تزداد حدة التوتر الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يومًا بعد يوم، ويؤكد كلا الطرفان أن كلًّا منهما قادر على إلحاق ضرر بالطرف الآخر، وهذا صحيح في الواقع؛ فإيران لها نفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومن ثمّ يمكنها القيام بإثارة الفوضى وأعمال عنف في تلك الدول، وخصوصًا ضد القوات الأمريكية المتواجدة في العراق، كما أن الولايات المتحدة لها نفوذ أكبر وقواعد عسكرية في المنطقة كلها، ويمكنها تدمير قواعد عسكرية ومنصات صواريخ وأسلحة داخل إيران، وستكون الخسائر الإيرانية في حال المواجهة العسكرية كبيرة جدًا، وربما ستتسبب في إحداث إرباك وقلاقل للنظام الإيراني ذاته، وهذا ما تعيه إيران جيدًا، فالجانب العسكري غير متكافئ بين الطرفين.

ورغم أن كل السيناريوهات مفتوحة أمام هذه الأزمة مثل نشوب مواجهات عسكرية، أو انتهاء التوتر بالوصول إلى اتفاق مرضٍ للطرفين، وخصوصًا الولايات المتحدة أو غيرها، إلا أنني أستبعد المواجهة العسكرية وأرجح كفة السعي إلى خفض التوتر والوصول إلى اتفاق لأن المواجهات العسكرية ليست في صالح دول المنطقة جميعها، وخصوصًا إيران نظرًا إلى الخسائر الرهيبة التي قد تنتج في هذه الحالة.

ونظرًا إلى خطورة الأزمة ومحاولة احتوائها قبل تفاقمها بشكل أكبر، قام مبعوث الرئيس الفرنسي إيمانويل بون بزيارة إلى طهران والتقى المسؤولين الإيرانيين هناك لبحث كيفية حلحلة الأزمة، وقال المبعوث إنه سيناقش الأزمة مع المسؤولين الأمريكيين، ومن ثم أعلن الرئيس الإيراني خلال اللقاء أن طهران تركت باب التفاوض والدبلوماسية مفتوحًا، وأعرب عن أمله في تنفيذ جميع الأطراف بنود الاتفاق النووي، كما أعرب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن ترحيبه بأي جهد لخفض التوتر.

المسؤولون الإيرانيون يقولون ما لا يفعلون، فهم يعلنون استعدادهم للحرب إذا ما فُرضت عليهم، وفي الوقت نفسه يرحبون بأي جهود لخفض التوتر، وهذا يعكس أن إيران تعلم تمامًا أنها غير مستعدة للمواجهات العسكرية، وما تقوم به مجرد حفظ ماء الوجه، خصوصًا بعد احتجاز ناقلة النفط الخاصة بها في مياه جبل طارق من قبل البحرية البريطانية تحت زعم أنها (الناقلة) كانت تحمل نفطًا لسوريا، ولذا احتجزت طهران ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز بوصفه رد فعل، وقد يزيد هذا التصرف الأمر سوءًا، هي أرادت فقط أن توصل رسالة أنها موجودة ويمكنها احتجاز أي ناقلة لبريطانيا ردًّا على ناقلتها المحتجزة في جبل طارق.

تؤكد طهران أن التزامها بالاتفاق النووي مرتبط بمدى التزام الأطراف الأخرى؛ ومن ثم تطالب بتنفيذ ما جاء في الاتفاق في ما يتعلق برفع العقوبات المفروضة عليها، خصوصًا من قبل واشنطن، ولذا أعلنت – بوصفها خطوات تصعيدية- زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم حتى 20% متجاوزة بذلك الحد المسموح في الاتفاقية.

صحيح تحاول إيران الخروج من الأزمة التي فرضتها عليها الولايات المتحدة من خلال العقوبات الاقتصادية القاسية التي سببت خسائر كبيرة للاقتصاد الإيراني على مدى الفترة الماضية، لكن الخيار العسكري ليس نزهة لكل الأطراف، فليس من الحصافة أبدًا أو العقلانية أن تقدم إيران على إغلاق مضيق هرمز الحيوي الذي يعتبر الممر المائي الوحيد الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، إذ يُنقل من خلاله نحو 40% من الإنتاج العالمي من النفط الخام المنقول عن طريق البحر، وحوالي 90% من الصادرات النفطية لمجلس التعاون الخليجي إلى أسواق رئيسية مثل اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

سياسة إيران التصعيدية تسعى إلى الضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات، وذلك بإعلان نيتها لإغلاق المضيق إذا مُنعت من استخدامه بسبب العقوبات المفروضة عيلها، وخصوصًا قطاع النفط، وتقوم بالتعرض للسفن التي تمر في المضيق آخرها ناقلة النفط البريطانية التي تم احتجازها من قبل الحرس الثوري الإيراني، وقد يشعل هذا التصرف الأزمة بين لندن وطهران، وتحاول في المقابل واشنطن ممارسة المزيد من الضغوط على إيران من أجل الوصول إلى اتفاق نووي جديد يجرد الأخيرة من امتيازات حصلت عليها من خلال الاتفاق الحالي الذي تم التوقيع عليه في عام 2015.

فإذا أغلقت إيران المضيق ستتضرر مصالح دول المنطقة جميعها التي لن تقف صامتة أمام هذه الخطوة، ولذا فمن المؤكد أن تستخدم السعودية والإمارات وغيرها طيرانها العسكري بجانب القوات الأمريكية ضد إيران في حال المواجهات العسكرية.

في النهاية، لو كانت الحرب هي الخيار الوحيد لما تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قصف إيران بعد إسقاطها طائرة مسيرة أمريكية، فالفرصة كانت سانحة له وكان القرار الأخير بيده هو، لكنه ألغى الضربة قبل تنفيذها بـ10 دقائق بزعم خوفه من مقتل مدنيين، فأمريكا مستفيدة من هذا الوضع لإيهام دول المنطقة أن هناك قلقًا من جراء سياسة إيران؛ ومن ثم تستطيع الحصول على أموال أكثر.

أعلن ترامب إسقاط طائرة مسيرة إيرانية في حين أن إيران تنفي ذلك، وتقول إن طائراتها عادت جميعها، وهذا يشير إلى غموض الموقف، رغم أنى أرجح إسقاط الطائرة الإيرانية.

ولو تقدر طهران إغلاق المضيق لفعلت دون التلويح به مرارًا وتكرارًا، لكن كلا الطرفين يحاول ابتزاز واستفزاز الطرف الآخر، بيد أن إيران هي الخاسر في الحالتين، في الوضع الحالي في ظل العقوبات التي أطبقت على أنفاسها، وفي حال اندلاع مواجهات عسكرية، لكن أيهما أخف ضررًا للإيرانيين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا, إيران
عرض التعليقات
تحميل المزيد