لعل الولايات المتحدة امتنعت عن استيراد الفستق والسجاد الإيراني، وامتنعت إيران عن استيراد الأدوية والقمح الأمريكي، ووقفت الدول الأوروبية حائرة عاجزة غير قادرة أمام قرار الرئيس ترامب بالخروج من الاتفاق النووي، وشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتزام إيران، وعدم خرقها لذلك الاتفاق الذي جرت المناقشات والمجادلات بشأنه منذ 2006، وبعد 18 شهرًا من الجلسات والمفاوضات -في جينيف وفيينا ولوزان- والتي أطلق عليها حينئذ المفاوضات الماراثونية، توصلوا إلى اتفاق لوزان النووي ووقعت عليه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن «بريطانيا، روسيا، فرنسا، أمريكا، الصين بجانب ألمانيا) أي مجموعة 5+1 مع إيران بمصادقة الأمم المتحدة عليه، وبذلك يكون الاتفاق ذا صبغة دولية.

ولكي نفهم حقيقة العلاقات الإيرانية الأمريكية وطبيعتها، لا بد لنا من إلقاء نظرة سريعة على أهم المحطات التاريخية والمعاصرة التي أثرت على العلاقات بين البلدين، والتي غلب عليها طابع التوتر وعدم الاستقرار والمواجهة أحيانًا، خصوصًا بعد قيام ثورة 1979، والتي أطاحت بنظام محمد رضا بهلوي الموالي للولايات المتحدة، ويمكن لنا إجمال ذلك فيما يأتي:

1- بدأت العلاقات الدبلوماسية رسميًّا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عام 1944، بعدما ثبتت الولايات المتحدة حكم محمد رضا بهلوي خلفًا لأبيه، الذي عمل مع ألمانيا الهتلرية، التي كانت معادية لأمريكا، إذ قام محمد بهلوي بسن القوانين، والسماح بإقامة قاعدة أمريكية شمال إيران ومنح الامتيازات التي لا تعرف حدودًا لصالح الولايات المتحدة التي ساعدته من خلال جهاز الاستخبارات الأمريكية CIA في تأسيس جهاز المخابرات السري «سافاك»، وذلك 1970وبمعاونة الموساد الإسرائيلي تم تعذيب واضطهاد المعارضين لمحمد بهلوي، وبذلك يمكن القول بأن العلاقات الأمريكية الإيرانية في تلك الفترة شهدت عصرها الذهبي الذي ربما لا يتكرر، إذ إن الولايات المتحدة خلعت محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني الذي كان ينوي تأميم النفط الإيراني 1953 وجاءت بالشاه بهلوي وقوت حكمه، واستمرت العلاقات على أحسن حال إلى أن جاء 1979.

2- وفي ذلك العام، وبسبب الفساد والاضطهاد قام الشعب الإيراني بثورته التي أطاحت بحكم محمد بهلوي، وتخلت عنه الولايات المتحدة، وفر للخارج ثم استقبلته أمريكا لتلقي العلاج؛ فكان رد فعل الثائرين الإيرانيين أن اقتحموا السفارة الأمريكية واحتجزوا 52 مواطنًا أمريكيًّا؛ إذ طالبوا بتسليمه وإرجاعه لإيران، وهنا بدأت الأمور بالتدهور على كافة الأصعدة ما بين إيران ما بعد الثورة والولايات المتحدة وفرض الحظر التجاري والمالي والعقوبات على إيران، بالإضافة إلى أن إيران محمد بهلوي اعترفت بقيام إسرائيل بعد سنتين من قيامها 1950، ولكن إيران ما بعد الثورة أغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران، وبذلك يتبين لنا مدى الانقلاب والانعكاس الذي حدث في السياسة الخارجية الإيرانية ما بعد الثورة عن قبلها، والذي قابلته أمريكا بفرض مزيد من العقوبات، والضغط على مجلس الأمن والأمم المتحدة لإصدار قرارات بحق إيران مثل قرار 1747 لعام 2007 بمنع التعامل مع البنك الإيراني الحكومي وقرارات 1803 وقرار 2010.

3- وعلى إثر قيام الثورة وانتصارها 1979 جاء آية الله الخوميني رئيسًا لإيران عن طريق استفتاء، إذ رفع كما رفعت الثورة الإيرانية شعارات كانت معادية لأمريكا، وتعكس مدى التحول الكبير في العلاقات ما بين البلدين ومن بينها «الموت لأمريكا» و«أمريكا تنهب خيرات الشعوب».

4- أسقطت الولايات المتحدة طائرة إيرانية أودت بحياة 290 من الإيرانيين 1988، وضربت عددًا من المنشآت النووية الإيرانية، كما أنها تدخلت بحرب الخليج بدعم العراق بالأسلحة لكي يستمر الاستنزاف العراقي الإيراني «سياسة الاحتواء المزدوج».

5- وظلت العلاقات الإيرانية الأمريكية تزداد تحريضًا وسوءًا من قبل الولايات المتحدة على النظام الإيراني باستخدام ألفاظ وتعابير تستهين وتمتهن كرامة النظام الإيراني في ذلك الحين كاستخدام كلمة «السلوك الإيراني» إذ إن كلمة سلوك تستخدم في اللغة الإنجليزية للإشارة للخارجين عن القانون والحيوانات، أي بقيت النظرة الأمريكية لإيران نظرة كراهية وتأجيج الرأي العام العالمي ضد النظام الإيراني، إلى أن جاءت الضربة القاضية 1997 المخيبة لآمال السياسية الأمريكية وشعاراتها تجاه إيران ألا وهي إجراء انتخابات ديمقراطية حرة حصل بموجبها محمد خاتمي على أغلبية 70% من الأصوات، وأصبح رئيسًا لإيران بطريقة حضارية بينما كانت، وما زالت أمريكا، تشهر وتنعت النظام الإيراني بالديكتاتوري.

6- وعلى إثر تلك العملية الديمقراطية أصبحت بعض الأصوات داخل المجتمع الأمريكي تنادي بتغيير السياسة الأمريكية تجاه إيران، إلا أن تلك الأصوات لم تجد لها صدى، واستمرت العلاقات تزداد سوءًا أحيانًا بتأثير من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، لدرجة أن الرئيس كلينتون حرص على إعلان بعض العقوبات على إيران أمام جالية يهودية، وفي هذا الصدد لا بد من ذكر أن إيران تعهدت بإنقاذ أي مواطن أمريكي من خطر يمكن أن يتعرض له في المنطقة، بل إنها ذهبت لفتح موانيها لنقل القمح للجنود الأمريكيين في أفغانستان 2001، أي إن إيران ساعدت أمريكا في محاربة طالبان والقاعدة، إلا أن النكران والجحود الأمريكي بقى سيد الموقف.

7- بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، أعلنت إيران أنها ضد الإرهاب بجميع أشكاله، وأدانت الهجمات التي تعرضت لها أمريكا، إلا أن الرئيس بوش ذكر في 2002 كلًّا من «إيران وكوريا الشمالية والعراق» على محور الشر والإرهاب العالمي، ويجب الإشارة هنا إلى أنهم تخلصوا من النظام البعثي العراقي السابق بحجج وذرائع ربما ليس لها نصيب من الحقيقة، وحاليًا تتم محاولات وجولات للتوصل لاتفاق ما بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وبالتالي يتبقى إيران فكيف سيكون الحل معها؟!

8- أسقطت إيران طائرة تجسس فوق أراضيها عام 2011، بالإضافة إلى سيطرة البحرية الإيرانية على قاربين أمريكيين بطريقة بقدر ما أشعرت النظام الإيراني بشهوة القوة والانتصار، بقدر ما أشعرت الأمريكيين بالمجد المفقود، والذي لا بد من إعادته ولو بالقوة.

9- سياسة فرض العقوبات المستمرة واغتيال العلماء الإيرانيين العاملين في المجال النووي والاستفزازات، وربما المواجهات المباشرة وغير المباشرة، التي تحدث في مناطق تعدها إيران مناطق حيوية ونفوذ لها وخسرانها يعني لها الكثير، وبالمثل الولايات المتحدة والمناطق التي تعدها مناطق نفوذ وحيوية لها، وهو ما يُحدث تصادمًا مع إيران والقوى الحليفة لها، بالإضافة إلى صدور قرار محكمة أمريكية باقتطاع اثنين مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة لديها، وتحويلها تعويضًا لأسر ضحايا البحرية الأمريكية البالغ عددهم241 ضحية في عملية تمت في لبنان عام 1983، والتي تحمل الولايات المتحدة إيران المسؤولية عنها، وصدر هذا القرار عام 2016.

10- ولا يمكن لنا أن ننسى أو نغفل التهديد الإسرائيلي المستمر، خصوصًا أن السياسة الإسرائيلية والأمريكية تسيران بشكل متواز ومنسجم في كثير من الأحيان، أي إن التهديد الأمريكي والإسرائيلي وجهان لعملة واحدة إذ إن كلاهما يرى أن إيران تشكل خطرًا وتدعم الإرهاب وتهدد وجود إسرائيل والسلام العالمي، ويظهر ذلك جليًّا في التصريحات الإسرائيلية الأمريكية التي تنطلق بين الفينة والأخرى.

ومع كل ما سبق ذكره يتبين، لنا أن العلاقات الأمريكية الإيرانية في أغلبها علاقات يشوبها شوائب، ربما لا يستطيع أحد التخلص منها إلا عن طريق المواجهة؛ فالحسم العسكري لصالح إحدى الطرفين، إلا أنه وبعد محاولات وجولات من المفاوضات واللقاءات وعقود من العقوبات على إيران، واستمرار التسلح والتلويح والتهديد وبعد جهود مضنية لحل، أو على الأقل تخفيف حدة أزمة، ربما هي الأخطر على العالم، تم التوصل لاتفاق لوزان النووي 2015، وعده الرئيس باراك أوباما في ذلك الحين إنجازًا تاريخيًّا، وأن طريق المفاوضات هو الأجدى مع إيران، وعده رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خطأ تاريخيًّا وبموجبه ستمتلك إيران القنبلة الذرية وتهدد بقاء إسرائيل، وعدته إيران نصرًا لها سيجنبها مزيدًا من العقوبات، ويرفع عن عنقها ما سلف من العقوبات وحظر اقتصادي اتفق عليه أكبر وأكثر دول العالم، إذ تبلغ العقارات والأموال المجمدة لإيران في الخارج من100- 120 مليار دولار في حال أفرج عنها تكون على الأقل قادرة على لملمة الاقتصاد الإيراني، ومحاولة إعادة بنائه بعد عقود من الحصار المفروض.

إلا أن أمريكا ترامب كسرت القواعد الدبلوماسية المعمول بها، والتي أساسها الالتزام بما يتفق عليه بين الدول، إذ إن ترامب أعلن انسحابه من الاتفاق الدولي، وهدد بعواقب وخيمة إن لم تقبل إيران بإعادة صياغة الاتفاق بحجة أنه لا يشمل ولا يتناول الصواريخ الباليستية، ولا يتناول دور إيران ودعمها لحركات تعادي حليفتها إسرائيل، ولكن ألا يدري ترامب أن الاتفاق قد تم، وأن إيران تلتزم به، وأن انسحابه يبدو سخيفـًا لدرجة أن الدبلوماسية الأمريكية لم يعد يعول عليها.

وإن كان من دلالات بالنسبة لخروج ترامب من الاتفاق، والذي أيدته إسرائيل، وعدته قرارًا شجاعًا فإنما يدل على ما يأتي:

1- ضربة للمصداقية والدبلوماسية الأمريكية، والتي أصبحت خاضعة لتأويلات واجتهادات شخصية تغلب القرارات والاتفاقيات الأمريكية التي اتخذت، وتوقيعها على أساس مؤسسات المجتمع الأمريكي.

2- إحراج وعدم تقدير للدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق، فكيف لاتفاق سعت إليه الدول جهدًا ومشاورات ومفاوضات توصلوا إليه في النهاية، وعدوه إنجازًا ويجنب العالم ويلات الحروب يأتي رئيس أمريكي يريد هدم الجهد الذي تم، وكيف لدول أن تثق، إذا ما أرادت أن توقع اتفاقًا سياسيًّا أو عسكريًّا أو اقتصاديًّا، بأن الاتفاقيات تحترم، والمعاهدات تصان، والمؤسسة الأمريكية تُخضع الأشخاص، وإن كانوا رؤساء وليس العكس.

3- ضربة في خاصرة السلم والأمن الدوليين، خصوصًا أن الاتفاق كان يحد من قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم والمياه الثقيلة التي تستخدم في صناعة الأسلحة النووية وبموجبه يحق للوكالة الدولية للطاقة الذرية الفحص الدوري والمستمر للمنشآت النووية الإيرانية، وهذا ما كانت تهدف إليه وترضى عنه الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما، ولكن الرئيس ترامب يريد أن يفرض كل ما يشتهي، الأمر الذي دفعه للانسحاب منه.

نعم لقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي الجماعي مع إيران وصرح بأنه يسعى لصيغة أخرى تأخذ بعين الاعتبار المطالب التي يرى وجوب وجودها ضمن الاتفاق، ولكن من يضمن أن إيران، وعلى الرغم من إعلانها الاستمرار في الاتفاق مع الدول الأوروبية، تستمر وتلجأ للتسلح وزيادة تخصيب اليورانيوم، وبالتالي تجد أمريكا، مع انعدام التفاهمات والأفق، نفسها في مواجهة إيران، خصوصًا أن العوامل التاريخية والحالية تزكي المواجهة على السلم، إذا ما استمرت الأمور في هذا الاتجاه.

وعند الحديث عن حتمية المواجهة الأمريكية الإيرانية، فإن حديثنا من منطلق أن لكل بداية نهاية، ولكل بداية ونهاية حكاية، أي إن بدايات العلاقات ما بين البلدين كانت ما قبل الثورة على أفضل حال، أما بعد الثورة إلى يومنا هذا، ومع انسحاب أمريكا من الاتفاق؛ فهي آخذة في التدهور السريع، خصوصًا مع ازدياد رقع المواجهة بين الطرفين ومن يدور في دائرتهما، والمواجهة قد تكون مباشرة، أو غير مباشرة من خلال دعم جماعات أو دول تعمل ضد إيران، وبالتالي تكبيد إيران خسائر جسيمة، وربما انهيارها بمساعدة مباشرة وفعلية أمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد