ربما يكون العنوان لافتا، ولمن لا يتفق معي في ذلك، فله مبرراته ولي رأيي. حين كنت أطلب من والدي تعليمي السباحة في البحر، كان يكتفي بإلقائي على بعد مسافة من الشاطئ، ويطلب مني الخروج وحدي دون مساعدة منه، وإن كانت عينه لا تفارقني. هو بفعله هذا كان يصنع الخوف من أجل أن أكسر أنا حاجزه.

 

قديما، كان يقال إن هناك طريقة واحدة لمعالجة الخوف، هي أن تخرج وتخيف نفسك. ستقول إن هذا جنون، فكيف تخرج وتخيف نفسك؟ ومؤكد أنك ستحكم على فاعلها بالخرف. هذا بإيجاز هو التوصيف الأمثل لحال الدول العربية التي يسكنها الخوف دون أن تمتلك الشجاعة لمجابهته. إنهم اليوم ليسوا بحاجة لهذه الطريقة؛ لأنهم باختصار ركنوا إلى الراحة، واستوطنوا قواعدها، حتى انصرفوا عن قضاياهم، وانشغلوا عن الخطر الذي كان يتكوّن على حدودهم.

 

لكنهم اليوم مجبرون على ذلك، بفعل فاعل يجمعون على أنه شر، وأنا أجزم أنه خير، (إيران وداعش). أنا لا أنهل من عاطفة بعيدة عن الواقع والمنطق، فالغلبة ليست للقلب في مثل هذه الأمور، وكل ما أريده، إقامة الحجة على المفرطين في التحذير من هذا الخطر. فإلى متى سيظل العرب على هذه الحال التي كانوا عليها قبل أن يصل الخطر ذروته؟ واقعٌ كانت يسر العدو ويغيظنا.

 

متى نستدعي ماضينا؟ الزمن الذي كنا نتحدث فيه باسم الأمة، ونضرب بسيفها، ونغمده برجاحة عقلها. الزمن الذي تدارسه الغرب، وانتقينا نحن منه الاختلاف، ورويناه حتى عشعش فينا. كل ما يجري اليوم وما سيأتي لاحقا لن يكون بالتأكيد أسوأ من حالنا التي كنا عليها.

 

حين يجبر الخطر الفرقاء على الالتقاء، فإنه ليس شرا كما تزعمون. حين يجبر الخطر السعودية على استباق نتائج الاتفاق النووي بتوسيع دائرة الأصدقاء الذين هم عرب وكانوا قبل ذلك أعداء، وتدير ظهرها لواشنطن، فإنه ليس شرا. وحين نسمع هدير الطائرات العربية وطقطقة القطع الحربية تتحرك بعد سبات؛ لضرب خطر التف لها من الجنوب، فإنه ليس شرا.

 

حين يبدأ العرب جادين بالبحث عن حل نهائي لأزمة سوريا التي أرهقت المنطقة، ويصرّون على أن الطاغية جزء من المشكلة وليس الحل، فإنه ليس شرا. حين تحاول السعودية إنهاء القُرب الإيراني من القضية الفلسطينية ثم تعود لتحييها، بعد سنوات الضياع التي عاشتها على إثر انشغال الجميع في أموره الداخلية، فإن الخطر ليس شرا. حين يتنبه الجميع ويحاولون تصحيح ما انحرف عن المنهج، وأفرز منحرفين فكريا، بما يعيدنا إلى تعاليمه وآدابه، فإن الخطر ليس شرا.

 

حالة واحدة يمكن أن يكون الخطر فيها شرا بعد مرحلة الذروة التي وصل لها في واقع أمتنا العربية: إن لم تملك الشجاعة لتحول الخوف منه إلى غضب، وأن تتغلب عليه، كما حدث مع القائد الأيوبي صلاح الدين الذي حرضه الخطر الصليبي على مواجهته، لا الفزع منه، وأول شيء حرص على فعله هو تحقيق “الوحدة الإسلامية”، ومكث في ذلك أكثر من 10 سنوات من الجهد الشاق، وقد حقق ما أراد.

 

إنني أتوق للحظة التي أرى فيها وجه حنظلة، والتي رهنها ناجي العلي بأن تصبح الكرامة العربية غير مهددة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد