إنّ الريبة والخوف المنطلق من الحاجة إلى الأمن والاستقرار ومحاولات إيجاد القوة؛ تؤدي بالنتيجة إلى فقدان الثقة بالدول الأخرى، سواء الإقليمية أم الدولية، فقدان الثقة والخوف هذا هو أمر متأصل لدى الدول في النظام الدولي، وليس باستطاعة الدول التأكد من نوايا جيرانها وغاياتهم؛ لذلك يتوجب عليها دائمًا أن تكون متيقظة.

فالدول ترغب في الحفاظ على سيادتها واستقلالها؛ ونتيجة لذلك فإن الرغبة في البقاء تكون هي القوة الدافعة الرئيسية التي تؤثر في سلوكها، وبناءً على هذا؛ فإن سباق التسلح والأمن القومي أو انعدامهما، يتعلق إلى حد كبير ببنية النظام الدولي.

وإيران واحدة من الدول الفاعلة في النظام الدولي؛ إذ تصاعدت لديها الحاجة الزمانية والمكانية إلى البحث عن عناصر القوة والخوض في السباق نحو تسلح نوعي، وسط تزايد خوفها وعدم ثقتها بمحيطها، وأصبحت كذلك مساهمة بشكل أو بآخر في صياغة نظريات وأفكار جديدة للعودة مرة أخرى في محاولة احتلال مكانة دولية، يقوم التاريخ والقومية والمصالح والأهداف بإمدادها لتمسك بحبل الإمبراطورية؛ وبالتالي فهي من الدول التي تحاول حماية أمنها القومي من خلال أبعاد الصراع المختلفة.

التحول من التقليدية إلى النووية

عملت إيران بعد انتهاء حربها مع العراق عام 1988 – كانت إيران قد خرجت من الحرب مستنزفة اقتصاديًّا وعسكريًّا- على إعادة تلقيم ترسانتها العسكرية بشكل تدريجي وتصاعدي؛ لبلوغ طموحات نووية مستقبلية؛ إذ بلغ الإنفاق العسكري الإيراني على الأسلحة والمعدات الحربية من عام 1988 إلى 2000 حوالي 43.5 مليار دولار، وبلغ إنفاقها العسكري من الفترة 2001 إلى 2004 حوالي 12.7 مليار دولار، وبلغ إنفاقها عام 2005 حوالي 3.9 مليار دولار، أما عام 2006 فقد بلغ الإنفاق العسكري الإيراني 12 مليار دولار، وعام 2007 بلغ 10 مليار دولار، وعام 2008 بلغ 9 مليار دولار، واستوردت إيران أسلحة ومعدات وقطع حربية أخرى في الفترة من 2005 إلى 2009 بقيمة بلغت 175 مليار دولار.

أما فيما يتعلق بجهود إيران لامتلاك الطاقة النووية فقد بدأ منذ الحكم الملكي أيام الشاه، بدءًا من عام 1958 وحتى عام 1979، وبمساعدة الولايات المتحدة في عام 1974 تم إنشاء منظمة الطاقة الذرية لإيران للإشراف على تنفيذ البرنامج النووي، ثم أعقبها الثورة الإسلامية الإيرانية، وكان موقف القادة الإسلاميين منها سلبيًا، فأصدر آية الله «علي خامنئي» فتوى بمنع إنتاج الأسلحة النووية بأي شكل.

لكن الانطلاقة الحقيقية للبرنامج النووي الإيراني كانت أثناء وبعد الحرب العراقية – الإيرانية؛ إذ بذلت إيران جهدًا كبيرًا للحصول على السلاح النووي، عندما قامت بتوقيع عدة اتفاقيات خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين مع الصين وباكستان وروسيا، وجميعها كانت تتضمن بناء مفاعلات نووية، وتزويدها بكميات من اليورانيوم، وتدريب علماء إيرانيين سنويًا، ونقل التقنيات والأجهزة، وتبادل الخبرات والمعلومات؛ من أجل أن تحقق إيران إنجازًا قياسيًا على مستوى سباق التسلح النووي، وصيانة وتقوية عناصر وأبعاد الأمن القومي الإيراني.

وفي سنة 2003 طرأ تطور جديد على الملف النووي الإيراني، عندما أعلنت إيران بأنها أجرت 113 تجربة تحويل لليورانيوم الخام، تضمنت إنتاج اليورانيوم المشعّ أي «الكيك الأصفر»، ثم اكتشفت بعدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية آثارًا مشعّة بدرجة عالية من عينات مأخوذة من مفاعلات إيران، وخلال عام 2009 كشفت إيران عن منشأة سرية لتخصيب اليورانيوم في «فودرو»، وفي عام 2011 أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تقرير يعد الأكثر سلبية حول البعد العسكري المحتمل لبرنامج إيران النووي.

الأمن القومي الإيراني

تحيط بإيران دول جوار ذات توجهات سياسية واقتصادية وأيديولوجية مختلفة، بما يحقق أمنها وأهدافها، وبما أن أغلب الدول تعاني من مشاكل في بيئتها الإقليمية والدولية وتؤثر عليها؛ فهذا يجعل  إيران دولة تتعامل مع الوضع الإقليمي والدولي بما يتلائم مع الخطط والسياسات الخارجية التي تحقق أهدافها ومصالحها، ومن المناسب لإيران أن تتصرف وفق سلوك مخطط ومدروس مع المحيط الإقليمي؛ لأن حاجة إيران إلى الأمن القومي يدعم موقفها من امتلاك السلاح النوعي، وبالتالي حتى لا تكون القضايا ومشاكل السباق التسلحي عامل تهديد للأمن القومي الإيراني، وثمة صفة قوية تميز سلوك إيران؛ وهي عدم التورع عن عقد تحالفات تكتيكية من أي نوع من أجل حماية استراتيجيتها ومصالحها.

لذا فإن الموقف الإيراني من الأمن القومي يقوم على أساس الحصول على الطاقة النووية الذي يقوم على عدّة مبررات أهمها:

1. المصلحة القومية: وهو حقها بالاستقلال بإرادتها وحماية أمنها القومي بالطريقة التي تجدها مناسبة لها.

2. السيادة والاستقلالية: فمن منظور تاريخي وقومي وديني، نرى أن حضارة إيران مبنية على حضارة عريقة نشأت في بلاد فارس وأنتجت كمًّا هائلًا من الكبرياء القومي، وعانت بسببه بفعل الغزو الخارجي، واحتلال القوى الأجنبية لها لسنوات طويلة؛ لذا الاستقلال بقرارها يتيح لها البقاء ضمن المجتمع الدولي، والحفاظ على مقومات دولتها بقوة السلاح.

3. السلاح والردع النووي: قد أصبح الردع مفتاح الاستراتيجية في القرن العشرين وما تلاه، والردع النووي يتجاوز الردع التقليدي الذي تُستخدم فيه الأسلحة التقليدية؛ إذ إن الردع النووي قد يقتصر على التلويح باستخدام السلاح النووي، وهذا ما لم يكن موجودًا قبل الحرب العالمية الثانية، وأيضًا امتلاك السلاح النووي يُعطي للدولة هيبة أو سمعة دولية، وهذا افتراض قائم ويتلائم مع الهوية القومية الإيرانية، ويجعلها قوة يُحسب لها الحساب في الشرق الأوسط.

الصعود نحو الأعلى

إن السلطة العليا في إيران الممثلة بآية الله «علي خامنئي» هي السلطة التي يمكن تفسيرها باعتبارها عقيدة ومذهبًا حول الالتزامات الصارمة بتحقيق أمن قومي بوجود سلاح نووي يحمي إيران من محيط إقليمي غير مستقر، ويعارض المرشد الأعلى «علي خامنئي» والمؤسسين المتشددين أي تنازلات حول أهداف إيران ومصالحها أو التنازل عن تطوير السلاح النووي، أو ما يقلل من الأمن القومي الإيراني.

إن سباق التسلح والأمن القومي الإيراني يعدان توجهين ثابتين في الاستراتيجية الإيرانية على الصعيد القومي والإقليمي والدولي، وهو أحد المحددات الثابتة في السياسة الخارجية الإيرانية التي لا تسمح للدول الأخرى أن تثنيها عن تحقيقهما؛ لأنهما يشكلان عاملين قويين في تعزيز مكانة إيران على المستوى الداخلي والخارجي، ويعيد لإيران مكانتها على الساحة الإقليمية.

إن مفاوضات الولايات المتحدة مع إيران بشأن الأسلحة النووية، هي مجرد مضيعة للوقت، فإدراك الولايات المتحدة عدم إمكانية ثني إيران المتلهفة لإنتاج قنبلة نووية، أو إجبارها بقوة عسكرية لتحييدها عن أهدافها النووية، لن يعطي ثمارًا لها، ولا للدول الغربية التي تخاف من حقيقة مؤكدة، ولكن هنالك في دهاليز السياسات الأمريكية ونواياهم المتفقة نوعًا ما مع مصالح إيران، هي أن تستمر إيران نحو سباقها لامتلاك سلاح نووي مقابل أن تكون حامية للحدود الرأسمالية ضد الشيوعية، وأن تطلق إيران يدها في المنطقة، وتحكم السيطرة عليه؛ وبهذا تضمن الولايات المتحدة وإيران إمكانية السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وضمان عدم امتلاك أسلحة نووية تهدد إيران، وتهدد ثقلها، ومركزها القوي، وقيادتها للشرق الأوسط؛ وبالتالي سيكون في نهاية مخططات واشنطن أن من يدافع عن مصالحها بجانب إسرائيل، عدو شيعي أفضل بكثير من عدو سني، حينها ستكون المعادلة عدو عدوي صديقي؛ لأنها ستكون أقل خطورة من أي عدو آخر في المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Iran’s Foreign and Defense Policies
The Strategic Implications of a Nuclear-Armed Iran
السياسة الامريكية تجاه ازمة البرنامج النووي الايراني (١٩٩١-٢٠١٢)
البرنامج النووي الايراني
عرض التعليقات
تحميل المزيد